لم يعد الصمت ممكناً فمن المسؤول؟

لم يعد الصمت ممكناً فمن المسؤول؟

لقد تحدثنا في موضوعنا السابق عن  تنامي ظاهرة الانتحار في المدن الشمالية ولكن لم تكن هذه الظاهرة محصورة في تلك المدن فقط. وانما في كل مدن العراق تقريبا  ولنفس الاسباب تقريباً، الموروث الاجتماعي  من عادات وتقاليد واعراف ووضع اقتصادي سيء نتيجة الحروب والحصار والضيم الذي تعرضت له المرأة باعتبارها الحلقة الاضعف في المجتمع.

فظاهرة الانتحار هذه او اجبارهن  على الانتحار تاتي من باب جرائم غسل العار، ويعد غسل العار شكلا من اشكال العنف الموجه ضد المراة والعنف هو اي عمل او تصرف عدائي او مؤذ  يرتكب  باي وسيلة بحق اي امراة لكونها  امراة فقط، فيخلق هذا  الحيف معاناة  جسدية وجنسية ونفسية بطريقة مباشرة او غير مباشرة من خلال الخداع او التهديد او الاستغلال من خلال مشاعر عاطفية  او التحرش والاكراه والعقاب  او اجبارهن على البغاء  وغيرها من الوسائل  الرخيصة  والتي تؤدي الى انكار واهانه  كرامتها الانساسية وسلامتها الاخلاقية والتقليل من شخصها واحترامها لذاتها والانتقاص من امكانياتها الجسدية والذهنية ويتراوح ما بين الاهانة بالكلام وحتى يصل الى القتل او اجبارهن على قتل انفسهن نتيجة الياس الذي يصل  اليه. في محافظة  بابل مثلا  وصل عدد النساء اللائي تم حرقهن الى (168) امراة  اما في الديوانية  حسب احصائيات منظمات المجتمع المدني نحو (55) امراة اما في بغداد لم نصل الى احصائية حقيقية عن المنتحرات من قبل  المستشفيات واعتبارها شانا سريا والتكتم على الحادثة فعندما سمعنا في مدينة الكاظمية عن حالة حرق فتاة في السادسة عشر من العمر، ذهبنا لنتقصى عن حقيقة الواقعة فقالوا لنا (لقد طكت عليها قنينة الغاز) ولم يسمحوا لنا بزيارتها وبعدها فارقت الحياة ولم نعرف حقيقة حرقها.

اما في مدينة الصدر فظاهرة الانتحار بها حدث ولا حرج بسبب تسلط العادات والتقاليد  وسلطة الدين الشعبي السائد هناك حتى التي تعيش خارج العراق لا تسلم من بطش وعنف اهلها عندما  يسمعون  انها اختارت صديقا وشريكاً لحياتها وتخالطت معه فيرسلون بطلبها الى العراق وياتون  بها وبعدها يتم قتلها بحجة غسل العار ويتم اخفاء الموضوع وهذا ما تقصينا عنه في عام 2011، عندما تم قتل فتاة في الثانية والثلاثين  من عمرها بعد ان جلبوها الى العراق عن طريق خالتها فتم قتلها في الغرفة بعد ان وضعوا البنزين عليها وهي نائمة وتم احراق الغرفة بها ولما سالنا  عن الحادثة قالوا (افرغت البنزين بدلا من النفط في الصوبة وانفجرت عليها) وتم دفن الموضوع  بدون اي مسائلة قانونية، فمعظم حالات الانتحار في العراق غالبيتها لا ترى الضوء او يخفيها اصحاب الشان عبر تغليفها بقصص وحكايات تجنبا لاشاعة الخبر على الملأ.

فالمراة  العراقية تعاني ضغوطات اجتماعية واقتصادية ونفسية داخل الاسرة مما يجعلها تعيش بعزلة تامة وتنتج عن هذه العزلة الى تراكم  الكابة وامراض نفسية اخرى تؤدي الى لحظة من لحظات الانفجار التي تقودها الى حالة الانتحار المفاجئ للخلاص من هذه العزلة والضغوطات الذكورية والاسرية والتعذيب الجسدي فحالات الانتحار في العراق اغلبها ترتبط بدافع الشرف ومحور الجنس لكن هناك حالات  من الانتحار ترتبط بعادات عشائرية وقبلية بالية كزواج الفصلية مثلا مايزال  هذا القانون ساريا في العشائر ولاسيما في اطراف المحافظات.

فمثلا قصة الفتاة من سكنة قضاء الشوملي في محافظة الديوانية. هذه الفتاة ارتبط مصيرها بمصير اخيها عندما احب  فتاة من عشيرة لها خلاف مع عشيرته ولم يوافقوا على  زواجها منه فاخذها وهرب فقام بدفع الثمن اخته والبالغة من العمر (17) عاما عندما اخذوها وزوجوها الى والد البنت التي هربت مع اخيها يعني (فصلية) وهذا الرجل يبلغ من العمر (72) عاما وبعد ان تم الزواج بشهر تقريبا اضرمت النار في نفسها اثناء قيامها باشعال التنور بعد ان صبت النفط على ملابسها. هذه واحدة من حقائق الانتحار بسبب العادات والاعراف البالية وهذا الحدث كان عام 2009 اما في المحمودية انتحرت فتاة في عام 2012 فقامت بحرق نفسها وكانت الاسباب حسب الشائعات في المنطقة انها حامل بصورة غيرة شرعية وحين اكتشف امرها اقدمت على الانتحار وعندما اطلعنا على التفاصيل بالامر وتقرير الطبيب الشرعي اثبت عكس ذلك فلم تكن حاملا على الاطلاق  وعذريتها لم تخدش ابدا. ولم نعرف الحقيقة من اهلها ولكن سمعنا ان هنالك مضايقات من زوج والدتها باستمرار معاملته السيئة جدا معها مما ادى الى انتحارها واتصلنا بوالدتها لكنها امتنعت عن الحديث واعدته تدخلا في الامور الشخصية. ومع ذلك لا توجد احصائيات رسمية عن حجم ظاهرة الانتحار في العراق  لكن المشاهدات الميدانية  ومتابعتنا لها والروايات التي تناولها الناس وتقصينا لهذه الروايات ومدى صحتها تسلط الضوء على حالات الانتحار هذه. ومهما صنف الانتحار في مجتمعنا من قبل الناس على انه  من المحرمات الا ان ذلك لم يمنع من تفاقم الظاهرة  اذا لم توضع  المعالجات الكفيلة بانهائها والقضاء عليها.

ومن هذه الخطط والمعالجات هو رصد وتوثيق حالات الانتحار ووضع  الخطط للوقاية  منها وتدعو  لجنة شؤون المراة الى البحث عن حيثياتها واسبابها وايجاد الحلول السريعة للقضاء على هذه الظاهرة  بتشريع القوانين الرادعة لهذه الظاهرة ومحاسبة  اي شخص يقوم بتحريض المنتحر او يجره  الى الانتحار  بسبب الضغط الجسدي الذي يمارس ضد المنتحر. فلابد من التدخل  المباشر للمؤسسات  الحكومية  باتخاذ الاجراءات  اللازمة  من خلال توفير  ميزانية مالية جيدة لتبني قضية  مكافحة  العنف ضد المراة في المجتمع واجراء حملة حكومية مكثفة  من خلال المناهج التربوية والتعليمية  والخطب الدينية من قبل رجال الدين باعتبار الانتحار من المحرمات الدينية وقتل  النفس التي حرمها الله عزوجل وتوضيح خطورة العنف ضد المراة في المجتمع واجراء  حملة حكومية  مكثفة  من خلال المناهج التربوية والتعليمية والخطب واثارها السلبية على الاجيال القادمة وبث برامج توعية مستمرة من خلال وسائل الاعلام الفضائية  والتوعية بها بالاضافة الى ايجاد   خطوط ساخنة للدعم الفوري للنساء  المعنفات ومراقبة المستشفيات ودور الصحة لتسجيل حالات الانتحار في عموم محافظات  العراق وعمل ملفات لمتابعة القضية.

ايضا فتح قضايا جنائية من قبل الشرطة ومتابعتها وعدم اعتبار قضية  انتحار المراة قضية اسرية خاصة وانما قضية  اجتماعية مهمة.. واخيرا وهذا المهم دعم وانخراط رجال الدين لمناهظة العنف ضد المراة وذلك لاهمية الدور الذي يلعبه رجل الدين  وتاثيره على ذهنية الفرد في المجتمع العراقي.

فلكي تخلق اجيال جديدة خالية من التعصب والعنف والعقد البالية، فيجب ان تخلق عادات  جديدة وتجذرها منذ الحضانة والايمان بالحياة المتكاملة وتحقيق المساواة بين الرجل والمراة حتى تكون المسؤولية  مشتركة لبناء مجتمع امن ومتطور يعيش بسلام وحرية ولا قائمة لمجتمع لا يحترم نصفه الاخر.

ماجدة البابلي – بغداد