
لماذا يعشق المثقف العراقي منجزه؟ – نوزاد حسن
انا اكتب اذن انا موجود,بهذه الروح الديكارتية يكتب المثقف العراقي,وتصبح الكتابة عنده نوعا من مقاومة لا تضعف يواجه بها شبح النسيان وخمول الذكر.ومن الخطأ ان نظن ان طبيعة ثقافتنا بكل عيوبها تبتعد عن هاجس الخوف الذي يحاصر المثقف ويجعله يحس بأن نصوصه باقية بعده ان مات في يوم ما. انا اتحدث الان عن علاقة المثقف بكتبه,وهي علاقة نعرف جميعا كل شيء عنها.نعرف ان المثقف العراقي ينظر الى كتبه على انها اولاده,ولا يستطيع ان يفرق بين كتاب وآخر ذلك لان الاباء في العادة لا يفرقون بين ابن وآخر.بهذه الطريقة يبني المثقف ذاته,ويتأقلم مع منجزه الذي ينشره دون ان يشك لحظة واحدة في قيمة ما كتب. اظن ان هذا المزاج هو مزاج مفرط في التفاؤل فكثير من الكتاب والمؤلفين ينظرون الى كتبهم بعين الرضا,ويعبدون نصوصهم معيدين اسطورة نارسيس الذي قضى وقتا طويلا في تامل وجهه في ماء الجدول.ربما يكون همنغواي شاذا لانه لم يكن يرى في كتبه اولادا له بل كان يرى ان الكتاب الذي يصدره يصبح اسدا ميتا بعد صدوره من المطبعة.عند هذه النقطة نجد انفسنا امام وعي فني غريب لا يمكننا فهمه بسهولة اذ كيف يصير الكتاب اسدا ميتا.هذه صورة غامضة جدا لموقف قد يكون انتحار همنغواي افضل شرح له,اعني ان مزاج همنغواي المتشائم يصنع صورا متشائمة.
شعور مطمئن
تنبع طبيعة ثقافتنا كما اظن من شعور مطمئن للغاية يدفع المثقف الى الاعتقاد بأن كتبه ستكون خالدة بعد ان يموت.كذلك تتحول الكتب التي ينشرها الى هوية ثابتة تعطيه احساسا بالفرادة والتميز.من هنا يعشق المثقف العراقي كلمة المنجز جدا.انها افضل كلمة يسمعها,ويحس بأنها ترضيه.ان كلمة المنجز تعني لأغلب المثقفين اعترافا بفعل شيء في الساحة الثقافية. المنجز بكلمة اكثر دقة علاج سحري يخفف من احساس المثقف بانه سينسى في يوم ما.وفي اثناء حياته يعيش على صيت منجزه,ويتحدث عنه في كل مكان. انا في الحقيقة اصف ما يفكر فيه المثقفون على الدوام.لكن التحليل النقدي لن يمر مرورا سريعا على ذلك الولع الشديد بحكاية المثقف ومنجزه.على النقد ان يبحث في مسألة المنجز مفسرا اياها تفسيرا جديدا.وسيقودنا هذا التفسير الى اكتشاف النص,وفهمه بصورة جيدة.اذن مفردة المنجز التي يستخدمها المثقف كعلاج نفسي وجمالي تعني شيئا محددا هو:التخلص من قلق النسيان والموت.واذا تخلص الانسان من هذا القلق فسيكون شخصا يكتب بطريقة نعرف كيف نصفها.ولعل اول صفة يتمتع بها المثقف انه يواجه الحياة,وكأنه يصنعها لنا.نشعر ونحن نقرأ لكاتب من هذا النوع انه يحاول اقناعنا انه خارج لعبة القلق,وان الاشياء تظهر لان النص الذي يكتبه هو ما يجعل الوجود يظهر امامنا.هذه المعالجة الفنية التي اتحدث عنها تفتقد في كثير من الاحيان الى الصدق,والى التوتر الذي يضفي لونا طبيعيا على النص.وقد يكون البريكان هو احد الشعراء الكبار الذين تمردوا على الكتابة التي تحدثت عنها قبل قليل اعني الكتابة التي يكون كاتبها بعيدا جدا عن دائرة القلق وكأنه محصن ضد الفناء الذي يواجه الانسان دائما. لم يستطع البريكان ان ينخرط في لعبة المنجز فمات ولم يصدر مجموعة شعرية.ترك كل شيء خلفه,وبادر احد الشعراء وهو باسم المرعبي في جمع نصوص شعرية له صدرت عن دار الجمل.وحين قرأت شعر البريكان اكتشفت توترا شعريا لم يضعف لان توتر البريكان يرتبط بحالة وجدانية غامضة قد تعود اسبابها الى طبيعة الحياة نفسها.ومن الخطأ الاعتقاد ان اقرب قشر للحياة نفسها هو هذا القشر الاجتماعي الذي نعيشه كما لو كان غطاء يخفي مباشرة لحم الحياة.بالنسبة الى البريكان لم يكن القشر الاجتماعي مهما بل كان عرضا زائلا ,وهناك خلف هذا القشر المرئي الذي يشغل الجميع طبيعة معقدة للحياة تصيب من ينظر اليها بالتوتر الخانق.وهذا ما كان يعاني منه البريكان. لم يتمتع البريكان كباقي المثقفين بقصة المنجز الذي يتباهى به كثير من مثقفي زمننا كما لو كانوا يتبارزون بكتبهم,ويتابعونها ويبحثون عمن يكتب عنها. كان البريكان وحيدا اعزل شارك في اكتشاف طبيعة الحياة التي لا تهذأ,وعذبه التغيير الذي يقضي على كل شيء.بكلمة واحدة كان البريكان يائسا من خلوده موقنا بموته.انه نموذج لمثقف قلما نجد له مثيلا في ادبنا المعاصر.























