
حرب الثقافات،أين نمضي ؟ (11)
لماذا نرفض الجندر ؟ – منقذ داغر
بعد التأكيد في الحلقات السابقة على عدم العثور على ما يدعم،علمياً،نظرية المؤامرة بخصوص قوة ورواج حركة الميميين،تم التوكيد أن ذلك لا يعني عدم وجود مصالح كبرى مستفيدة من رواج هذه الحركة التي باتت تمثل علامة تجارية على الحداثة والتطور والمساواة والعدالة الأجتماعية وكثير من المفاهيم الأجتماعية التي تغري الكثيرين بتبنيها ودعمها.حتى وصل الأمر بالكثيرين،بخاصة في دول الغرب وحتى الليبراليين منهم ، بالخوف من المجاهرة بمعارضتهم أو حتى عدم دعمهم للميمية خشية أن يتهمون بأنهم معادين للتطور وللعدالة الأجتماعية. بل الأخطر من ذلك يتهمون أنهم معادون للسامية كما وصفتهم قناة CBC للأخبار في شهر شباط هذه السنة. لقد باتت معارضة الميمية وصمة أو مرض أجتماعي social stigma يخشى الكثيرون من ألصاقه بهم في الغرب وله عواقب وخيمة. ويوم أمس قرأت عن معاقبة البنك الدولي لعدد من الدول الأفريقية ومنع التمويل عنها لأنها تسن قوانين وسياسات معادية للمثلية،وكأن موت الملايين من الجوع أقل أهمية من حقوق المثليين! واضح أذاً أن هناك جهداً منسقاً لملئكة الميميين وشيطنة من لا يتفق معهم.
ضغوط بيئية
مع ذلك يجب التنبيه الى عدم الأنسياق الى ردود الفعل المتطرفة على هذا التطرف الميمي. ففي كتابنا أنا والبروفسورة كيلفاند من جامعة ستانفورد عن تصلب المجتمع العراقي ذكرنا أن التعرض لضغوط بيئية شديدة ومهددة للمجتمع يجعل البعض يميلون الى فرض مزيد من المعايير الأجتماعية المتصلبة(وبضمن ذلك سلوكيات وقوانين متشددة) أعتقاداً منهم أن ذلك سيضمن المحافظة على المجتمع في وجه هذه التهديدات البيئية. أنه رد فعل طبيعي وأنساني مشابه تماماً لمحاولة الأمساك بالماء باليد.فكلما زاد الشعور بتسرب الماء من بين الأصابع زاد الميل للقبض والضغط بشدة على اليد. لكن ذلك لن يزيد الأمور الا سوءً في الواقع.وعلى الرغم من أن هذا الموضوع سيجري التطرق له بتفصيل أكثر في حلقة قادمة لكني وددت هنا الأشارة الى موجة الذعر الأجتماعي التي أصابت الكثيرين عندنا وأمتدت الى المؤسسات الرسمية وغير الرسمية وجعلتهم يمنعون أستخدام حتى بعض المصطلحات التي ترد في كل الأدبيات ظناً منهم أن ذلك قد يحل المشكلة. فصدر أمر مثلاً بمنع أستخدام مصطلح الجندر دون معرفة أن ذلك قد يزيد الأمر سوءً. وسأدلل على ذلك رقمياً حينما تتوفر لدي أحصاءات عن عدد مرات البحث في محركات البحث المختلفة من قبل العراقيين على مصطلح جندر بعد أن صدر أمر منع أستخدامه وتمت شيطنته. يجب القول بعجالة هنا أن هذا الخوف من المصطلح لا يبدو مبرراً،بل ويبدو شبيهاً بمطلح “الجنس” الذي كان أباؤنا وأجدادنا يحذروننا من أستخدامه وكنا فعلاً نخشى أستخدامه لأنه عيب ويهدد المجتمع وثقافته. وأذكّر هنا من هم في عمري كيف كنا نتجنب في أقوالنا أو كتاباتنا ذكر كلمة الجنس نتيجة شيطنة المصطلح. والطريف اليوم، أن البديل الذي يُقترح أستخدامه من قبل الخائفين على ثقافتنا وديننا من مصطلح الجندر هو ذاته مصطلح الجنس الذي كان ممنوعاً علينا أستخدامه سابقاً!
سيكون من الصعب جداً توضيح كامل معنى الجندر في هذه العجالة لكني أكتفي ببعض النقاط علّها تلقي الضوء على هذا المصطلح المشيطن،مع الأقرار أن الأدبيات العلمية تمتلأ ككثير من المصطلحات الأخرى بتعاريف شتى وقد تتناقض فيما بينها أحياناً:
1- أن مصطلح الجندر هو ليس بديل عن مصطلح الجنس.بمعنى أن الجندر لا يلغي جنس الأنسان الذي يولد به ولكنه يتحدث عن مجال آخر يتعلق بالدور الأجتماعي للأنسان.فالجنس يختص بخصائص الفرد البايولوجية عند الولادة في حين أن الجندر يختص بأدواره الأجتماعية عند النضج والكبر.
2- جنس الأنسان من صنع الله الخالق أما الجندر فهو من صنع تفاعل الأنسان مع مجتمعه وثقافة ذلك المجتمع.
فالرجولة(بمفهومها الجندري) في أسكتلندا مثلاً تقتضي، أو لا تمانع من لبس التنورة،في حين أن الجندرة في العراق تعد ذلك عيباً كبيراً. وعلى الرغم من أننا كثيراً ما نستخدم مفهوم الجندرة في حياتنا العملية(وبفخر أحياناً) ومنذ مئات السنين الا أن البعض الآن يرى في أستخدامه عيباً وحراماً وأثماً ينبغي تجنبه.فحينما نقول أن المرأة الفلانية كالرجال أو بمئة رجل(رغم أعتراضي الشديد على المثل) فهل نقصد هنا أننا غيرنا جنسها الى رجل أم نقصد أنها مارست وتمارس أدوار أجتماعية مرغوبة؟! أن خشيتنا حينما كنا صغار أو شباب من معرفة أسماء أمهاتنا من قبل أصدقائنا كي لا نعّيّر بها هي خشية جندرية بأمتياز،وليست خشية جنسية.
- تمتلأ لغتنا العربية بكثير من المصطلحات والكلمات المتناقضة المعنى(مثل البصير،والمولى…الخ) ومع ذلك لم يطالب أحد بحذفها من القاموس.فأذا كان الجندر(كما يعتقد البعض) يحمل معاني متناقضة فلماذا نحكم عليه بالأعدام ونرسخ بالتالي الفكرة التي يحاول الميميون ألصاقها بمن يعارضهم وهي التخلف وعدم مجاراة العلم؟!
الخلاصة،فأن التطرف بالفعل يجب أن لا تجعلنا نتطرف في رد الفعل‘فردود الأفعال المناسبة والصحيحة هي التي تبنى على الفعل وليس الفاعل.
























