لغة التجديد والأصالة

لغة التجديد والأصالة

لقد أرتبطت فكرة “القومية” بالاهتمام باللغة العربية أرتباطاً عضوياً، لا يجعل أحداهما بمعزل عن الأخرى، مهما يكن موقف الكاتب، لكننا نستطع المجازفة بشيء من التعميم المقبول . إذا قلنا أنه كلما أحس الكاتب رغبة مخلصة في تدعيم للقومية العربية، أحس بالتالي ضرورة أن تحافظ اللغة (الفصحى) على مقوماتها، والعكس صحيح، فكلما أراد الكاتب – عن قصد مباشر أو غير مباشر- مناهضة القومية العربية لأي سبب من الأسباب – طائفياً كان السبب أو ثقافياً- أراد بالتالي أن يلتمس وسيلة يتذرع بها إلى (التخلص من الفصحى) وما يتبعها من أصول وقواعد ومفردات ، ولقد رأينا جميع من تناولوا القومية العربية بالبحث العلمي من كتّابنا- ساطع الحصري، وأنطوان رزيق، وحازم نسيبة، وغيرهم كثيرون- يختلفون على العوامل المكونة لتلك القومية، أيها يتقدم أيها في قوة الأثر، ولكنهم يتفقون عن أن اللغة لها المكانة الأولى في بناء القومية العربية، وهذا المفهوم ينسحب على جميع القوميات الحيّة ولغاتُها الأصيلة.. ومجرد الأهتمام باللغة- على أي وجه كان- هو أهتمام بتجديد العلاقة بين حاضرنا وماضينا، لكننا نزيد الأمر تخصيصاً فنقول مع ” أدوارد سابير” في كتابه (اللغة) أن اللغة من حيث هي أداة للثقافة، تقع في مستويين فهناك المستوى الذي تكون فيه العلاقة بين اللغة والواقع الحسي علاقة مباشرة أو كالمباشرة، فإذا تحدث المتحدث، كان السامع يتابع حديثه وعينه على شؤون الواقع ليطابق بين الرمز اللغوي من جهة وأوضاع العالم الفعلية من جهة أخرى، لكن هنالك مستوى آخر للغة، وذلك حين يصوغ المتكلم أو الكاتب عبارته، فإذا بها تقع على أذن السامع وكأنها هابطة من مصدر مجهول، وهنا ترانا نصغي، وندرك الحق فيما نسمعه، دون أن يدور في خلدنا أن يكون مصدر هذا الحق ما حولنا من شؤون الحياة الجارية، فكأنما أمثال هذه العبارات ليس لها صاحب يحتكرها، أو كأن الوجود عندئذ هو الذي يتكلم العربية بهذه العبارات، ليصور بها جانب الحقائق الأزلية الأبدية.. وعنَّد المقابلة بين (المطلق) و (عالم الحوادث)، فإنه ما لم تكن وقفة المثقف- مهما يكن ميدانه- وقفة تجمع بين هذين الطرفين، لا من حيث (المطلق) أستخلاصاً من عالم الحوادث الجزئية، بل من حيث من هو موجود واجب الوجود يفرض نفسه على مجرى الأحداث، فمثل هذا المثقف يبتر الصلة بينه وبين (الأصالة) بالمعنى الذي يرد (الأصالة) إلى الأصول الأولى، وعلى أساس الهيكل الصوري للثقافة العربية، نقول أن اللغة العربية التي كونت تراثنا الأدبي، هي لغة صادرة عن المستوى الثاني- المستوى الأعمق- الذي قلنا عنه أن العبارة الصادرة تجيء وكأنها لغير متكلم فرد، أو كأنها قيلت بلسان الكون كله، ولعله لا يصعب على المتعقب أن يلاحظ أن الفرق الجوهري أنصار (القديم) وأنصار الجديد في حياتنا الثقافية الحديثة، هو طريقة استخدام اللغة: استخدامها بالطريقة المبهمة الموحية كما كان شأنها، وبذلك نجعلها وكأنها هي صادرة عن (المطلق) من فوق رؤوس الحوادث، أم نستخدمها بالطريقة الواضحة المباشرة التي نتتبع بها حوادث الحياة الجارية ووقائع الطبيعة المحسوسة؟ لو كانت الأولى كنا من أنصار (القديم) ولو كانت الثانية كنا من أنصار (الجديد) ونترك لصاحب الموهبة أن يلتمس لنفسه طريقاً يجمع بينهما، فيكون هو الكاتب الذي جمع التجديد إلى الأصالة، كما هي الحال مع طه حسين وغيره من أعلام الأدب العربي الحديث..!

معتصم السنوي