لست أحدهم

لست أحدهم

 يرى غوستاف لوبون أن الجمهور يقوده اللاوعي فهو عبد للتحريضات التي يتلقاها، وأن عملية التحريض التي يخضع لها عبارة عن انحلال الأفراد في الجمهور والذوبان فيه. الانسياق وراء العقل الجمعي والرأي العام آفة لازمة البشرية منذ عهد سقراط -المحاكمة نموذجا – إلى يومنا هذا . حتى فكرة الله في الأديان سواء التوحيدية منها أو التاريخية جمهورية أكثر منها ذاتية فردية،لذلك نرى التدخل الأسطوري المتراكم من الثقافات الشعبية والذي بقي يمثل ذاكرة جمعية في الفكرة التوحيدية مثال ذلك التجسيم والتمثيل والحلول .الاغتراب عن الذات كما يفهمها هيجل وماركس بالتبعية للآخر سواء كان هذا الآخر صورة مشخصة أو لم تكن، حين تكون حياتنا تحت تأثير الرأي العام والانفعالات الاجتماعية نعيش حياة مستعارة بشكل مضاعف، وذلك أننا إذا كنا نقلد شخصا معينا هو الذي يقرر نيابة عنا فيمكن على الأقل أن نشير إليه على وجه التحديد. أما بالتبعية للعقل الجمعي فإلى من نشير سوى الجماعة وكل واحد من الجماعة يتبع الباقين اي انه يتبع جماعة ليس هو واحدا منهم. ها هنا لايعلم من يتبع من! والحقيقة أن الجميع يتبعون (لا أحد ) .سيادة الآخر /الجماعة بدون ممارسة فعل الوعي بتعبير هايدغر انسلاخ عن الحياة الأصيلة بإعتبار الإنسان موجوداً مفكراً وحكيماً نفسه وبما انه مستخلف من قبل الله في الأرض يتوجب عليه وفق القابليات المودعة فيه تأصيل ذاتيته بالوعي والادراك . لا مجرد (لا أحد )، أو لست احدهم. ثمة بحث في كتاب (الوجود والعدم ) لمارتن هايدغ.

 يقول هايدغر : اننا نعيش حياتنا في نسيج اجتماعي يمكن وصفه بثلاث سمات  التي تكاد  تكون الحاضن للذاكرة الجمعية للافراد وذوبانهم في إلا أحد . السمة الاولى تتمثل بالعبثية والفوضوية واللاهدفية .ان القسم الاكبر من الجهد الذي نقوم به في الحياة هو تجميع ما نكتسبه من الاخرين ونقله الى غيرهم ،بدون أن ندرك ماذا أكتسبنا وماذا نقلنا لغيرنا وفي الحقيقة نحن نستلم ألفاظا ونحولها للآخرين دون أن نمارس فعل الوعي. والسمة الثانية التي يذكرها هايدغر هي المرور العابر على المعلومات ،المهم عندنا أن نقرأ أكبر عدد ممكن من الكتب لكي نتشدق بها أمام الآخرين ويفهموا أن ما من كتاب إلا وقد اطلعنا عليه. وهذا يكشف أن الواحد منا لايريد أن يلبث طويلا في موطن معين ويتعمق فيه. السمة الثالثة هي الحيرة والدوار، حين لا يكون هناك فهم ولا استقرار على معلومة ،لن نكون قادرين على معرفة ماذا يدور في العالم المحيط بنا. يظهر من مجموع ما يقوله هايدغر (أن الناس عبارة عن أوعية تصب فيها أشياء من قبل الآخرين، دون أن يكون لهم شي من انفسهم)وللاجابة عن سؤال من هم الآخرون ؟ لا أحد . يعتبر هايدغر ان الحياة بهذا الشكل ليست أصيلة بل مستعارة من الاخرين، لأن الحياة الأصيلة هي تلك التي نكون تكون فيها أعمالنا جميعا على أساس فهمنا الخاص للأشياء. اللاوعي من يقودنا لموت لابد منه ،موت اجتماعي بطيء.

من خلال ما تقدم يبرز سؤال من ينقذ من وعلى من تقع المسؤولية، في حين أن الناس لايريدون تحمل مسؤولية انقاذهم،مادام هناك من يفكر نيابة عنهم وال (هناك) عبارة عن بالونات مملوءة  بال (هنا). وبين ثنائية الهنا والهناك يكون إلا أحد من يحرك الجمهور

 كاظم الغانمي- ميسان