لا تقولي لأمي أن مير لم يصل.. وعي أدبي بصورة الحياة المكررة

لا تقولي لأمي أن مير لم يصل.. وعي أدبي بصورة الحياة المكررة

يوسف عبود جويعد

طالما تحدثت طويلاً ، عن مفهوم تطور الوعي الإبداعي الأدبي ، ودار جدل كبير في مفهوم دخول المنجز الإبداعي الأدبي الواعي في أطار الوعي الحياتي ، ومن خلال المجموعة القصصية ( لا تقولي لأمي أن مير لم يصل ) للقاص محمد الكاظم التي حصلت على جائزة الإبداع من وزارة الثقافة العراقية لعام 2016 ، وهي من إصدار دار الجواهري للطباعة والنشر بغداد –  شارع المتنبي لعام 2016 ، نكتشف هذا المفهوم الذي يحيلنا بالنتيجة النهائية ، إلى حقيقة الحداثة ، إن الوعي الحياتي والوعي الأدبي خطان يجب أن يسيرا متوازيين حتى تتحقق عملية الانصهار بينهما ، إذ يجب على المنجز الأدبي أن يواكب حركة تطور الحياة وان يكون جزءاً منها ، مما يتطلب الانتقال السريع إلى التقنيات الحديثة التي صارت جزءا من حياتنا ، وبما إن الحياة هي النبع الذي ينهل منه المبدع منجزه فهو ملزم أن ينقل أدواته السردية ويغير أنماطها وأساليبها وتناولها ليضمنها هذه التقنيات والتي تشكل خطوة كبيرة ، وانتقالة لابد منها في عالم السرد ، سواء كان ذلك في القصة القصيرة أو الأجناس السردية الأخرى ، وبهذا يعلن القاص محمد الكاظم بشكل واضح ، بأن آن الأوان لنقل الحركة السردية من عالمها النمطي المتأخر التقليدي النمطي ، إلى حالة جديدة تساهم في جعل الوعي الإبداعي الأدبي ملاصق لحركة الوعي الحياتي ، وذلك لأن التقنيات الحديثة التي دخلت في محيط الحياة هي حالة التطور التي حدثت ودخلت إلى كل بلاد المعمورة حتى الدول التي كنا نسميها نامية ، ثم دخلت كل المدن في العالم ، ثم دخلت كل الأحياء في العالم ، ثم دخلت الأزقة والبيوت ، وصارت في متناول الجميع ، ثم صارت جزءا من حركة الحياة ، وبما أن الحركة السردية هي وسيلة لنقل الحياة ، وبما وان هذه التقنيات الحديثة هي ضمن محور الحياة فأمر استخدامها أصبح حتمياً وضرورياً حتى تتحقق الانتقالة للمنجز الإبداعي الأدبي بشكل واثق وصحيح ويكون قريبا من المتلقي ومعه ، وقد انبرى القاص محمد الكاظم ليكون أول من استخدم تلك التقنيات بشكل واضح وتفصيلي في مجموعته ، التقنيات الطباعية ، وجعل الأحرف جزءا من الحركة السردية ، وحسب ما يقتضيه السياق الفني الجديد، الانترنت ، الايميل ، الرسائل الالكترونية ، الشريط الإخبار ، الفضائيات ، حتى أن المتلقي يستطيع أن يفرق بين سياق النص السردي ، وحديث المذيع وهي تنقل لنا نشرة الإخبار ، باستخدام المتغيرات التقنية في الحرف الطباعي ، حتى أننا نستطيع أن نفرق بينهما بكل سهولة ، إضافة إلى نقله للرسالة الالكترونية من موقعها الأصلي على (الايميل ) بكل مكوناتها وهي مكتوبة بالغة الانكليزية وتحتها الترجمة باللغة العربية ، واستطاع أن يوظفها لتكون جزءا من الحركة السردي في النص القصصي ، بل إنها عامل مهم في التعريف ، وكذلك الحبكة ، وكذلك تأزم الحدث ، وكذلك الانفراج ، كما انه وظفها لتكون من ضمن بنية المكان وبنية الزمان ، وبنية الثيمة ، وحتى بنية الشخوص ، بل انه جعل هذه التقنيات شكل النص الجديد ، مع المحافظة على الأطر والأساسيات والاشتراطات في فن صناعة القصة القصيرة ولكن بشكلها الجديد الذي يجب أن تكون عليه النصوص السردية الجديدة ، وان المتلقي لا يشعر بوجودها كجزء خارج عن بناء القصة بل انه محورها الأساسي ، وهو يتناول الأسلوب الواقعي الغرائبي ، والفنتازيا، والواقعية السحرية ، والواقعية الانتقادية ، كما أن نصوص هذه المجموعة تؤكد لنا حقيقة ، لابد من معرفتها ، وهي أن كل الكوارث والحروب ، والمعاناة ، والانفجارات ، والموت ، وحتى تحمل وزر هذا الارتباك والتخبط في الحياة السياسية والاجتماعية ، والفوضى يكون الفقير له النصيب الأكبر ، وكأننا نراه واضحاً إمامنا وهو ينوء بحمل هذه الكوارث ، وهو وحده الذي عليه مسؤولية تحمل آلامها وأوجاعها وجوعها وموتها وشقائها وانفجاراتها وحروبها ، ففي قصة (تشابيه” للساطور و “شيلة” حميدة ) وهي تقدم رسالة إنسانية كبيرة ، مفادها أن دماء الأبرياء أرواح تحوم فوق رؤوسنا ، وان منحى النص السردي نحا إلى ضرورة الأخذ وإلا فأنها تحوم فوق رؤوسنا ، وأن السارد رأس مقطوعة تنظر إلى ما آلت إليه حياته ، وحياة شباب أبرياء تم ودفنهم في حفرة فوق بعضهم البعض ، ثم التداعيات التي هي خليط متجانس من أساليب سردية متنوعة ، ثم يقدم نصوصا سردية لم تكتمل بتقنيات حديثة ، وهي سبعا وثلاثون نصا متكونا من جمل قصيرة ومتسلسلة عنونها (المتناثرون ، أو .. القصص التي لا تكتمل أبدا) تاركاً مخيلة المتلقي للخوض وسبر أغوارها ، ثم يأتي النص السردي التأويلي (00:00) وأقول عنه تأويلي كون هذه الاصفرار الأربعة تعلن قرب نهاية توقيت العبوة أو القنبلة الموقوتة ، وان القاص لم يكتب إلا (1 0 ، 00 كان صباحاً عراقياً عاديا….. ثم ) وبعدها خمس صفحات بثلاثة سطور منقطة فقد ، ومع هذا فأن المخيلة التأويلية للمتلقي تجعل منها نصاً سردياً واقعياً ، إما قصة (لا تقولي لأمي إن “مير” لم يصل ) فأن القاص استخدم فيه التقنيات الحديثة بكامل طاقتها ، الشريط الإخباري ، الفضائيات ، نشرات الإخبار ، الايميل ، الرسائل الالكترونية ، إضافة إلى المخيلة الخصبة والواسعة ، وقد وظف هذه التقنيات لتكون هي المبنى السردي وشكل ومضمون وزمان ومكان النص السردي ، وصارت جزءا ملتحما وملتصقا وحميميا مع سير الحركة السردية ، والتي أعطت الخطوة الجديدة للمنجز الأدبي الإبداعي وما يجب أن تكون عليه ، إذ حسين الحمال هذا الرجل الفقير المعدم المسحوق الذي يسكن غرفة مؤجرة بين بنايات شاهقة ، يصاب في احد الانفجارات في بغداد ، وتأتي منظمة الإغاثة لتدون اسمه وبسرعة وأرسلت اسمه إلى المقر الرئيسي (حسين الحمال ) وليس الاسم الثلاثي ، ثم هناك شخصية إلام أي أم حسين تلك العجوز المتذمرة من الحر الشديد وتحلم بمروحة تشحن وعندما ينقطع التيار الكهربائي ، تشغلها وتنعم بهوائها وسط الحر المميت ، ويخبرها بأنه سيتم تقديم مساعدة له من قبل لجنة الإغاثة ، ولجنة الإغاثة تخاطب المقر الرئيسي من اجل المساعدة ، وتنقل رسالة الإجابة من قبل تلك اللجنة التي اوردت عبر الانترنت نصاً كما اوردت ، وهكذا تتأخر تلك المساعدة وتستمر المراجعات من قبل حسين الحمال ، حتى يجرح مرة ثانية في انفجار أخر وتبتر يده ، وتظل أمه تنتظر المروحة ، ويظل هو يراجع ، حتى تظهر مشكلة الاسم ، ويحاول حسين الحمال أن يصحح اسمه ، إلا إن ساعي البريد المسؤول عن إرسال المساعدات ، والذي اسمه مير في إجازة في بلاده باكستان ويجب انتظاره ، تبدأ تداعيات غاية في الدقة ، وهي تنقل الحياة المحتدمة في العالم عبر الفضائيات ، ومن خلال نشرة الإخبار لتلك الفضائيات ، ويتخيل حسين الحمال مير يكون قد غرق في الفيضانات التي حدثت في باكستان ، أو قتل وهو يستقبل رئيسة وزراء باكستان ، او اكل قرن فلفل حار وتورم وجهه واعتقلوه إلى غير ذلك من التداعيات والتخيلات التي تعطي الوجه الحقيقي للحياة في العالم وما يحدث فيها ، وما أن يصل مير ، ويستلم المساعدة ليعود لبيته يجد أن أمه وزوجته تحت الأنقاض بسبب الانفجار، وقد فارقتا الحياة ،أن في نقل تلك التقنيات الحديثة في متن النص السردي اضفى على النص رونقاً جديداً وشكلا غير مألوف وظهر خلاف ما اعتدنا عليه ونحن نطالع النصوص السردية ،

ثم ننتقل إلى نصوص أخرى لا تقل أهمية من سابقاتها ، وهي ( بغداد التي تحب شاي الضحى ) و( الكديش والحشيش المر ) وهذا النص الأخير يقدم لنا صورة مكررة للحياة داخل البلاد ، انقلاب ليتحول النظام في البلاد من ملكي إلى جمهوري ، ثم انقلاب آخر ، وآخر ، إضافة على ما تحدثه الحياة وحركة السنين وهذه الانقلابات في الحياة ، والبيانات التي تصدر في كل انقلاب ، وحركة الناس ، أن مجموعة ( لا تقولي لأمي أن مير لم يصل ) للقاص محمد الكاظم ، قدمت الخطوة المتقدمة والواعية لحركة المنجز الأدبي التي سوف تتبعها خطوات .