كيف أطاحت لندن وواشنطن بحكومة إيران المنتخبة ديمقراطياً
إيران على صفيح ساخن منذ انقلاب 1953 ضد محمد مصدق
لندن ــ ريحانه نوشيرافاني
ايرفاند ابراهاميان، المؤرخ الرائد في ايران الحديثة، قام مؤخراً باعادة استكشاف انقلاب عام 1953 الذي تم برعاية أنجلو ــ أمريكية وأطاح برئيس الوزراء الايراني محمد مصدق.
وعلى مدى 28 شهراً تولى ابراهيميان تحليل هذا الحدث في كتابه الانقلاب 1953، وكالة المخابرات الأمريكية المركزية وجذور العلاقات بين الولايات المتحدة وايران، والتي تشكل خط صدع حاسم في التاريخ الايراني.
ويأتي كتابه في الوقت المناسب، خاصة بالنظر الى التشابه الكبير بين ما يتناوله من جدال يشابه ما يحيط بالنزاع الحالي حول الملف النووي الايراني.
لقد أثرت الاطاحة برئيس الوزراء الايراني المنتخب ديمقراطيا والذي أمم قطاع النفط الايراني ، وبشكل ملحوظ، في الذاكرة الجماعية والثقافة السياسية الايرانية.
وفي حين يتتبع بعض المحللين الغربيين جذور العداء الايراني الحالي تجاه الولايات المتحدة حتى ثورة 1979 وأزمة الرهائن، الا أن القضية بالنسبة للايرانيين بدأت مع الانقلاب على محمد مصدق، فمازالت ذكرى رئيس الوزراء المخلوع تمثل المستقبل الذي حرمت منه ايران.
وفي السنوات الأخيرة، وضع العلماء والصحافيون الغربيون سرداً يؤكد أن صناع السياسة الأمريكية قد اعترفوا بأوجه القصور في الاستراتيجية البريطانية في عصر قوميات ما بعد الاستعمار، ومارسوا الضغط على لندن لقبول مطالب ايران المشروعة قبل عام 1953.
ووفقا لهذه الحجة، قام دبلوماسيون أمريكيون بالضغط على كلا الجانبين نحو تسوية، وقدموا مقترحات عديدة سعت الى التوفيق بين الولاية البريطانية والضرورات الايرانية.
وتضع مثل هذه الروايات مسؤولية فشل المفاوضات بشكل مباشر على محمد مصدق لتعنته ووصل ذلك حتى لمحاولة تتبع أسباب ما حدث وارجاعها لخلفيته الأرستقراطية أو عقدته الاستشهادية المفترضة.
ويتحدى ابراهيميان هذه الأقوال بفعالية من خلال توفير وصف تفصيلي لانقلاب عام 1953 بدءاً من نشأته الى عواقبه.
والجانب الأكثر اثارة للاعجاب في الكتاب هو بحثه الدؤوب واستخدامه الشامل للمصادر الأولية.
فغالبية سرد ابراهيميان تم اثباته من خلال وثائق رفعت عنها السرية من أرشيف الوثائق الأمريكية والبريطانية، وكذلك الوثائق التابعة لشركة النفط البريطانية الايرانية AIOC وهي الشركة السابقة لـ بريتيش بتروليم .
كما أضاف ابراهيميان مقابلات والسير الذاتية والمذكرات والوثائق الخاصة للأفراد المهمين سواء الغربيين أو الايرانيين.
وعمد ابراهيميان الى اثبات عرضه للوقائع، بالاستناد الي الحقائق والأرقام. وبالنسبة له، كان الأمر يتعلق بصراع من أجل السيطرة على صناعة النفط الايرانية.
ويؤكد ابراهيميان أن السيطرة هي الكلمة الكامنة وراء الأزمة، كما يستدل عليه مرارا وتكرارا في وثائق حكومية داخلية، وكما تم استخدامها من قبل جميع الأطراف لتوضيح أهدافهم. فبالنسبة لايران، تمت المساواة بين السيادة الوطنية والسيطرة على صناعة النفط.
أما بالنسبة للبريطانيين، فقد كان تأميم النفط الايراني يعني فقدان سيطرتهم على السوق العالمية خلال فترة الانكماش الامبراطوري. وكانت الولايات المتحدة لديها الكثير أيضا لتخسره مثل بريطانيا.
وهكذا شاركت الولايات المتحدة في الانقلاب ليس كوسيلة لكبح جماح المد الشيوعي في ايران كما يذكر غالباً وانما بسبب التداعيات التي يمكن لتأميم النفط على أجزاء أخرى من العالم. لهذا السبب، يقول ابراهاميان ان المفاوضات كانت لابد أن تفشل.
وبعد ذكره بالتفصيل عدد من المقترحات المقدمة الى ايران، وضح ابراهيميان أن ما تتم الاشادة به اليوم على أن تنازلات أنجلو أمريكية عادلة اعتبرت حتى من قبل البعض في الغرب على أنها صفقات الخام هي في أحسن الأحوال لا معنى لها، وفي أسوأ الأحوال هي مجرد تمويه خادع.
فقد استندت تلك المقترحات على مبدأ الاذعان لسلطة ايران العامة مع الحفاظ على الادارة التنفيذية في أيدي البريطانيين.
وكما أفاد السفير البريطاني في واشنطن في 1951، فقد اقترح صناع السياسة الأمريكيون الموافقة على التأميم كواجهة.. مع الحفاظ على سيطرة فعالة . وفي تقارير أخرى، كانت كلمة الواجهة تستبدل بكلمة عباءة .
وكان الاستثناء هو مجموعة الحوافز التي عرضها وزير الخارجية المساعد جورج ماكجي، والتي اعتبرت مقبولة من جانب محمد مصدق خلال زيارة للأمم المتحدة عام 1951.
لكن حكومة المحافظين في بريطانيا رفضتها واعتبرتها غير مقبولة على الاطلاق ، مصرة على أنه كان أفضل بكثير ألا يكون لدينا اتفاق من أن يكون لدينا اتفاق سيئ .
هذه الحسابات هي التي تفضح الحجج التي تدعي أن تعنت مصدق هو الذي حال دون قرار حكيم للأزمة.
بالنسبة لابراهاميان، كان محمد مصدق زعيما مسؤولا أمام شعبه. وكانت أفعاله نابعة من الحقوق الوطنية والمصالح والأمن الايراني.
ونظرا لأهمية النفط لمعيشة الايرانيين الاقتصادية، واستغلالهم من قبل شركة النفط البريطانية الايرانية، لم يستطع محمد مصدق تقديم تنازلات للقوى العظمى. وكما يشرح ابراهاميان، عرض مصدق التعويض، وبيع النفط الى شركة النفط البريطانية الايرانية، وتوظيف الأجانب. وهذا أمر مهم لأن الحجج الغربية ضد التأميم أبرزت عدم توفر العمالة الماهرة في ايران لادارة المنشآت.
وخلال الانقلاب ، يقترب ابراهيميان من كل حلقة في الأزمة بأسلوب مناسب. ويضع سرده الانقلاب داخل الصراع بين الامبريالية والقومية. ويجب النظر الى رؤية ابراهيميان على أنها مكملة لتوفير فهم شامل لفترة هامة في ايران. هذا ويعد من المستحيل قراءة الانقلاب من دون ربط ما مضى بوقتنا الحاضر.
فقد أدت الأحداث الى عقوبات 1953، والتأكيدات على السيادة الايرانية، والتأكيد على مطالب القوى العظمى ومصالحها وحتى ضرب طبول الحرب.
وفي عام 1952، حثت الملحقة الصحافية البريطانية في طهران، وزارة الخارجية على الحفاظ على هدوئها وانتظار سقوط محمد مصدق. وقالت في حينه، جهودنا غير الرسمية الخاصة بتقويض مصدق تحرز تقدما جيداً. لكن، اذا اتفقنا على مناقشته والتوصل لتسوية معه، فان ذلك سيعطيه قوة .
مثل هذا الخطاب قد يتردد صداه مع النقاد المعاصرين الذين تتعلق تحليلاتهم بتغيير النظام في ايران.
فقد فاز حسن روحاني، الملقب بـ شيخ الدبلوماسية ، بالرئاسة بعد انتخابات 14 يونيو على أساس اعتداله، مشيرا في صناديق الاقتراع انه جاء لقتل التطرف .
ففي تصريحاته العلنية انتقد بحدة موقف بلاده المرن تجاه القضية النووية، ودعا الى حوار أكثر ايجابية.
وخلال فترة توليه منصب كبير المفاوضين النوويين في ايران، وقعت ايران اتفاقيتين مع بريطانيا وفرنسا وألمانيا لتعليق أنشطة تخصيب اليورانيوم واعادة المعالجة، مؤقتا وطوعا، في مقابل حوافز فنية واقتصادية.
سوف يسمح استعراض القوة الشعبية وراء الرئيس الايراني المنتخب، للدولة بممارسة درجة من المرونة في المفاوضات ويرفع من قدرتها على منح تنازلات.
وباختصار، اذا كانت واشنطن ملتزمة بالفعل بالتوصل الى حل دبلوماسي للمأزق، فوقت العمل هو الآن. ريحانه نوشيرافاني، المرشحة لنيل الدكتوراه في كلية كينغز في لندن حيث تدرس السياسة الخارجية الايرانية وأمن الخليج.
AZP02























