كنت معهم – مقالات- ثامر مراد

كنت معهم – مقالات- ثامر مراد

كثيراً ماقيل عن ضرب المناطق الكردية بألأسلحة الكيماوية يوماً ما nفي عهد صدام- وكتب صحفيون كثيرون في الغرب عن تلك ألأسلحة التي دمرت مناطق كثيرة من شمال العراق. راحت الماكنة ألأعلامية الصدامية تنفي تلك ألأخبار وتدعي أنها لايمكن أن تضرب منطقة مأهولة بالسكان أو المزروعات بتلك ألأسلحة المروعة. هنا قامت وزارة ألأعلام العراقية عام 1988 بدعوة عشرات الصحفيين لزيارة تلك المناطق التي كثر عنها الحديث. شائت الصدفة أن أكون من ضمن المترجمين أو المرافقين لتلك الحشود الأعلامية القادمة من دول أجنبية وعربية مختلفة. حطت الطائرات السمتية بين المناطق الجبلية ذات المزروعات الكثيرة من فواكة وماشابة ذلك. من أجل التاريخ وقول الحقيقة الخالية من أي إدعاءات وسجالات مختلفة لم نشاهد أي أثر لأي وجود كيمياوي بين تلك المزروعات ولاأدري سبب ذلك. هل أن الجهات ألأستخبارية التي قادت الحملة ألأعلامية في ذلك الزمن قد أخذت أو إصطحبت الوفود الصحفية الى مناطق خالية من تلك الضربات أم أن هناك سبب آخر؟

عند المساء حينما عدنا الى فندق الدرجة ألأولى في الموصل لقضاء الليلة هناك وإعطاء فرصة لكافة الصحفيين لأرسال تقاريرهم الى صحفهم ووكالاتهم ألأخبارية شاءت الصدفة أن أجلس مع الرائد الطيار الذي كنت في طائرته أثناء التحليق في الفضاء فوق المناطق الجبلية , جلسنا نتسامر وكأننا في جلسةٍ ودية. حينما إطمأن لي وتأكد أنني لاأنتمي الى أي هيئة أمنية راح يتحدث لي باسهاب عن كافة الواجبات التي قام بها في طائرتة أثناء تلك الهجمات. أكد لي أنه هو شخصياً قام بأستخدام أسلحة كيمياوية كثيرة وإلقائها على مناطق متعددة حسب ألأوامر الصادرة له من هيئة العمليات العسكرية. وقال بالحرف الواحد ” ..لدرجة أن أرضية الطائرة أصبحت زلقة من كثرة السوائل الكيمياوية التي كنت ُ أحملها أثناء الواجب المكلف به” . كانت تلك الكلمات ترن في أذني كل هذه السنوات وتمنيت يوما ما أن أدونها كي أرتاح. في ذلك الزمن أخبرني أن أي كلمة تخرج من فمي الى أي صحفي تؤدي الى إعدامي وإعدام الطيار بتهمة تسريب معلومات سرية الى العدو. لم أتصور يوماً أنني سأتحدث بهذه الصراحة عن ذلك التاريخ الدموي الذي عاش فيه شمال العراق وتلك القسوة التي عصفت بجميع الفئات البشرية التي تنتمي الى ألأكراد. من هذا وذاك إتضح لي أن الحقيقة ستظهر مهما تقادمت السنين وألأيام. الحقيقة هي الجانب ألأيجابي من كافة الحكايات والروايات التي تظهر الى سطح الواقع يوما ما. بعد كل هذه السنوات تأتِ أحداثٌ أخرى تروي لنا حكايات الرشوة والفساد المالي وألأداري والمتهم يحاول بكافة الوسائل المتاحة أن ينفي جرمة. ستظهر الحقيقة يوما ما وسنعرف من سرق أموال الشعب ونفطة ومن دمر البلاد وأحرق الزرع والنسل. التاريخ سيوضح كل ألأمور التي نبحث لها عن أجوبة في الزمن الحاضر ولا نجد لها جواباً. حتى يأتِ ذلك الزمن نكون قد سافرنا الى عالمٍ آخرأو بلغنا من العمر عِتِيا ولن نفهم مايدور حولنا.