كناري – مقالات – ثامر مراد

كناري – مقالات – ثامر مراد

من خلال سنوات العمر الطويلة التي يعيشها ألأنسان يكتشف اشياء كثيرة جيدة وسيئة تسير ضمن خارطة الحياة التي رسمها الخالق الجبار للأنسان. مما لايقبل الشك أو النقاش أن الله سبحانه وتعالى وضع للأنسان مبادئ عمل ينبغي عليه، أي ألأنسان، أن يتبعها لتكون له طريقاً واضحاً للخلاص من عذاب الله يوم القيامة. من تلك المبادئ أن يتبع الطرق ألأخلاقية التي تصب في ميادين كثيرة من ضمنها الرأفة والكرم ومداراة ألآخرين. تقودنا هذه المقدمة البسيطة الى أن من يزرع خيراً يحصد ثمار ذلك الخير مهما طال الزمن. يوماً ما وزمنٍ ما كنتُ جالساً في – دكاني الصغير- منشغلاً بكتابةِ أشياء لاتتعدى الخواطر الشخصية أروم من خلالها مناجاة الذات في زمنٍ لايمكن أن نطلق علية إلا بالزمن العصيب. على حين غرة تجمع عدد من ألأطفال عند باب الدكان يتحدثون ويضحكون ويتمازحون وكأنهم لايبالون بما يجري حولهم من تناحرات تغطي مساحة البلاد من أقصاه الى أقصاه. إعتدتُ على مشاهد كثيرة مشابهة كل يوم. بعض ألأطفال يحاولون خلق جو المزاح والبعض ألآخر يقف صامتاً ينظر الى البقية وهم يدفعون ثمن المشتريات البسيطة فخورين بأموالهم التي حصلوا عليها من آبائهم كل صباح. كان هناك خمسة أطفال ينتمون الى الصف ألأول ألأبتدائي. طلبوا أنواع مختلفة من الحلويات والمشروبات على هيئة عصائر وأشياء أخرى. طفلٌ وحيدٌ ينظر الى بقية زملائه بحسرة وحيرة لأنه لايملك نقودا كباقِي ألأطفال. قبل أن يتراجع بقية ألأطفال الى الوراء بعد الشراء خاطبتُ ذلك الطفل بصوت هادئ مستفسراً عن سببِ عدم تمكنة من الشراء على شاكلة ألآخرين.” لماذا لاتشتري كبقية ألأطفال؟” وجهتُ له هذا السؤال. نظر الى الرفوف المنتشرة في جهات مختلفة من الدكان بحسرة صادرة من أعماقِ مخلوقٍ صغير يحلم بالوصول الى ماوصل الية بقية ألأطفال …ليس لديَّ نقود..أنا يتيم. والدي مات في ألأنفجار القريب من الجسر” . قال تلك الكلمات وكأنه يريد أن ينبهني الى حالة من ألأهتمام بجميع ألأيتام. لم أحاول أن أُظهر له أسفي وحزني على حالتة التي يعيش فيها. حاولت أن أكون معه منشرحاُ كي لاأضيف حزناً آخر على حزنهِ الظاهر على وجهه البريء. ” حسناً سأعطيكَ أي شيء ولكن يجب أن تعيد لي المبلغ حينما تتخرج من الجامعة” . نظر نحوي وكأنني أتحدث لغة لايفهمها.قال بعفوية ” ماهي الجامعة وماذا يعني أتخرج ؟” . شرحتُ له كل شيء . كيف سينهي المدرسة ألأبتدائية وألأعدادية والجامعة ومن ثَمَ يكون له عمل مستقل وراتب وعندها سيدفع ثمن المشتريات. صمت قليلاً وبعدها أردف قائلاً ” موافق”. منحته ألأشياء التي أرادها . بعد ساعة واحدة نسيتُ الطفل – أمجد- وأنشغلتُ بأعمالي التي لاتنتهي. مرت سنوات كثيرة لاأعرف بالضبط عددها. تطورت أعمالي وتطور الدكان الصغير الى سوق محترم وتدفقت علي ألأموال من كل حدبٍ وصوب. قررت يوماً أن اسافر الى دولةٍ أقضِي بها إسبوعاً أو أكثر بقليل كي أرفه عن نفسي بعض الشيء. وقفت مع طابور المسافرين الذاهبين الى تلك الدولة الجميلة. نظر المسؤول عن ختم الجوازات – المرحلة ألأخيرة قبل دخول الطائرة- تطلع الى وجهي بعض الوقت ثم نهض قائلاً” تعال معي الى ضابط الجوازات” . كنتُ اسير خلفة وقلبي يخفق بشدة خوفاً من حدوث شيءٌ ما لم يكن في الحسبان. كان إسمي مشابهاً لأحد ألأسماء الممنوعة من السفر. راح الملازم الشاب يوجه لي عدة أسئلة ليتأكد من أنني الشخص المطلوب. أكدتُ له عدة مرات من أنني لم أرتكب جريمة في حياتي, لم أسرق نفط العراق ولم أرتش يوما ولم أزور ورقة رسمية ولم أتخاصم في شوارع العاصمة لا في الليل والنهار. نهض الضابط الشاب وطلب مني التوجه الى غرفةٍ أخرى. دخلنا غرفة مسؤول أخر.” سيدي هذا ألأسم مشابه لأسم مطلوب” . قال تلك العبارة وخرج تاركاً إياي الى مصيرٍ مجهول. كان المسؤول يدقق في جوازي وينظر إليَّ بين فترة وأخرى. فجأة صرخ وهو ينهض ” العم أبو وصال ..أليس كذلك؟” . قلتُ برعب ” نعم ..أنا أبو وصال. هل تعرفني؟” . قفز نحوي يقبلني بشوقٍ شديد والدموع تنساب على خديه. ” ألا تعرفني؟ عرفتك منذ اللحظة التي شاهدت صورتك في الجواز. أنا أمجد. أنا مدين لك بثلاث قطع من الحلوى. ألا تذكر أم أن نظرك اصبح ضعيفاً؟”. تيارٌ كهربائي عصف بروحي وكأنني أكاد ألفظ أنفاسي ألأخيرة. قلتُ بأنفعال ” أمجد عبد المجيد؟” ” نعم أنا هو…إبن ليلى…ألا تذكر ليلى الخبازة؟” . رحتُ أقبله وكأنه ولدي الصغير الذي عافني يوما ما دون أن أرتكب معه أي خطأ. ضغط على زرٍ قريب منه. دخل ذات الضابط الذي جلبني قبل قليل. ” نعم سيدي أتأمر شيئا؟” .” إسمع ملازم علي. هذا معروف وهو ليس المطلوب.إمسح إسمه من كل ألأجهزة. خذ هذا الجواز وأسمح له بالسفر بسرعة” . في اللحظة التي خرج فيه الضابط نهض المسؤول عن الجوازات وطلب إصطحابه الى كافتيريا المطار لتناول شيئاً.

جلس أمامي ممسكاً يدي كأنني والدة . وراح يحدثني عن كل شيء مر  به خلال تلك السنوات. في اللحظة التي سلمني فيها الجواز المختوم نهض لمرافقتي الى الطائرة. صعد الى داخل الطائرة وغير مكاني الى الدرجة ألأولى وأوصى طاقم الطائرة من المضيفات بأنني من المسافرين المهمين وعليهم خدمتي بكل شيء ممكن.

قبلني وهو يقول ” حينما تأتي أرجوك أن تمر الى مكتبي الذي كنا فيه قبل قليل هل تعدني بذلك؟” .

أكدت له بأنني سأمر علية. وأنا داخل الطائرة راح ذهني بعيداً أستذكر والدته كيف كانت تهتم به وهو الطفل الوحيد بعد وفاة والدة. كان شاطراً جداً ومؤدباً جداً ونظيفاً جدا.كان يحب – نستلة الكناري ..لا بل كان يعشقها لدرجة الجنون- …