كم يصعب علينا فراق الأحبة ؟

كم يصعب علينا فراق الأحبة ؟

صادفتها في احدى ممرات البناية وبعد السلام سألتها عن سبب ارتدائها ملابس الحداد وشحوب وجهها فأخبرتني والدموع تملأ عيناها :

قد توفيت عمتي (تقصد اخت ابيها) في الاسبوع الماضي وانا حزينة على فراقها .

احسست بالشفقة عليها وتعاطفت معها وبذات الوقت استغربت ،فأحست هي بذلك وبادرتني بالسؤال :

كأنني المح الاستغراب والتعجب في ملامح وجهك؟

فأجبتها : بصراحة نعم واعذري لي استغرابي ففي هذه الاوضاع التي نعيشها اليوم اجد القليل ممن يبكون على عماتهم مثلك انت، ربما على امهم او ابيهم نعم .

فدعتني الى الجلوس في غرفتها لتقص علي حكايتها مع عمتها .

اسمعي يا عزيزتي : كانت عمتي (طلبة) او (طلوبة) كما اعتدت ان اناديها تعيش معنا مذ كنت صغيرة ومازالت حتى توفيت  وكانت قد عزفت عن الزواج لرعاية جدي وجدتي (رحمهما الله) وعلى الرغم من انهما قد وافاهما الاجل وهي ماتزال شابة الا انها اختارت رعايتنا وكل افراد العائلة على ان تعيش حياتها الخاصة فترين ان الجميع يحبها كثيرا فما مرض احد الا وكانت عمتي سباقة في زيارته والسؤال عليه وما من عمة لي او من بناتهن قد ولدت الا وكانت مرافقة لها في المستشفى ترعى الام والطفل معا، كانت عمتي ملأى بالحب والحنان لا تنسى عيدا او نجاحا او تخرجا الا وذكرته حاملة قالب الكيك المزين الذي كانت تصنعه بيديها وتحضر هدية معها . وعلى الرغم من كونها موظفة بدوام كامل الا انها  كانت تقضي كل ذلك بعد انتهاء الدوام ،فكما نحن نتحمس للعودة الى البيت طلبا للراحة كانت هي تتحمس اكثر لزيارة اخواتها الاخريات كل خميس فلا اذكر انها قد فوتت خميسا الا وذهبت للاطمئنان عليهن وعلى ابنائهن محملة بالفواكه والعصائر والحلويات التي كانت تصنعها رحمها الله.

كانت تحدثني والدموع تنهمر حبات حبات على وجنتيها واقول في نفسي : مرحى لها أبهذا القدر تحبينها ؟ اخذت لحظات تأخذ فيها انفاسها ،تمسح دموعها وتترحم على عمتها العزيزة ثم اردفت قائلة :

كانت عمتي الحبيبة رحمها الله محبة للحياة حتى اخر ايامها تحب الضحك والتفاؤل فترينها مبتسمة ووجها بشوشاً وكانت دائمة تقول (شوفوا الحياة اشكد حلوة) كانت محبة للألوان الجميلة والتغيير في الملبس و ديكور المنزل كانت تحب النباتات والزرع حتى حولت احدى زوايا البيت الى حديقة خاصة بها وترينها تخاف على نباتاتها وازهارها من الحر في الصيف و البرد في الشتاء فتنقلها من هنا وهناك حرصا عليها ،حتى بعد وفاتها علمت انها قد اوصت ان يكون قبرها جميلا وقريبا من الاشجار والنباتات .

ما من احد من عائلتنا لا يحب (عمة طلوبة) صغيرا كان ام كبيرا كما ويعرفها الجميع لأنها كانت تداوم على زيارتهم والسؤال عليهم فكانت تصل الرحم وتتفقد الاقارب وتحب جمعة الاهل فكانت تجمعنا على غداء او عشاء في الاعياد والمناسبات . لا اذكر يوما انني سمعت منها كلمة ازعجتني بل كانت على العكس تجعلني اضحك بكلماتها الجميلة دائما .

قلت لها : اعذري لي  صراحتي ،علك تبالغين قليلا من شدة حبك لها ؟

فأجابتني بسرعة : لا لالا لو حضرني مجلس عزائها لأدركتي كيف ان الجميع احبوها حتى الجيران ، كم ذرفوا من الدموع على رحيلها . قالتها والدموع تنهمر على خديها بحرارة فطلبت منها الهدوء وان تسأل الله لها الرحمة فبدأت تردد وكـأنها تتحدث على لسان عمتها الحبيبة:

زوروني يا احبابي زوروني ولاتنسوني فمالي سواكم انتم اهلي وابنائي فادعوا لي فليس لي من ولد يدعو لي او يزورني بعد مماتي.

ثم قالت: رحمك الله ياعمتي طلوبة ادعو الله ان يجعل مثواك الجنة.

زينة عبد القادر منصور