كلام على الماشي مديح
حسن النوّاب
مضت أكثر من عشر سنوات بيننا، لكني لم التقه حتى الآن،وتوطدت علاقة الصداقة معه من خلال الرسائل الالكترونية التي كانت من طرف واحد هو انا، احيانا ارسل قصيدة او انطباعا نقديا عن مجموعة شعرية اثارت انتباهي او تداعيات نثرية وفي احايين كثيرة اكتب رسائل شخصية له حين يحاصرني المنفى بقسوة وحشته، رسائل تقطر ثمالة ووقاحة وصراحة وصعلكة لا يطيقيها أي انسان، لكنه كان في كل مرة يرد على تلك الرسائل العبثية بنشر المادة الأدبية المرسله له من قبلي، مرة واحدة طيلة العشر سنوات اجابني معاتبا كي ارحمه من رسائلي الفوضوية، وارسل أعماله الشعرية الكاملة بصيغة الوورد، عسى انشغل بقراءتها واكف عن الهذر الخشن الذي اكتبه في رسائلي اليه، غير ان ذائقتي الشعرية شعرت بالرعب حين تصفحت اعماله الشعرية الكاملة، لم اتمكن من مواصلة القراءة لقصائدها المسبوكة كقطعة ذهب باهظة الثمن، وهجست ان شعره يتوغل الى اقصى منطقة في جنوني ويحاول الاستحواذ عليها ويشل قدرتي على تدوين قصيدة جديدة، ولذا توقفت عن مواصلة القراءة لقصائده خشية على موهبتي الغضة من الانطفاء وحفاظا على وهمي الشعري من العطب نتيجة السحر المنبعث من أشعاره مع بريق روح صافية تؤطرها، اركنت اعماله الشعرية الكاملة جانبا بملف على شاشة الحاسوب، وكتبت له معترفا بوضوح عن فشلي بمواصلة القراءة لشعره الضاج بالحياة والأسى واللوعة مع صنعة شعرية مقتدرة، وكعادته لم يرد على رسالتي لكنه بعد يومين نشر نصا لي جزاءا لصراحتي القاسية، كما لو انه يعلمني التهذيب باناقة كتومة، وقبل اسبوع ضاق ليل المنفى بروحي وجنوني، وحين توقدت ثمالتي كتبت له رسالة طوبائية رثة مليئة بالأوهام والنرجسية الفارغة والتجاوزات غير المعقولة والمقبولة على كاتبين هما ابرز من ينشرون في صفحته الثقافية، وحين قرأت رسالتي في الصباح وبعد ان تبخرت الخمرة من رأسي ارتعبت من فجاجة الكلمات التي ارسلتها الى بريده الالكتروني، وبقدر ما تفاقم قلقي وشعرت بتأنيب الضمير لازعاجه دون سبب، غمرني بعد ساعة الاطمئان وقد اقتنعت مع نفسي ان هذا الكائن السماوي المتفرد لا يمكن ان يغضب على طفل متمرد كتب سطورا ثملة اعتاد على شغبها منذ عشرات سنين خلت، لكني قبل ليلة قادتني المصادفة لقراءة مقال قصير في جريدة لبنانية كتبته الشاعرة عناية جابر عن هذا الانسان والشاعر الذي تحملني كثيرا، وارتجف قلبي حين علمت انه يرقد في المشفى مع زوجته ليس نتيجة مرض داهمها او حادث سير لا سامح الله، انما ليهب احدى كليتيه لشريكة عمره حتى يعينها على العيش لسنوات جديدة في الحياة، لقد شعرت كم ان روحي ضئيلة أمامه، وان ما اتشدق به من عذابات صادفتني في الحرب والحياة، ما هي الا ذرة تراب صغيرة جدا تحت خطى هذا الانسان الصموت والصبور والمعذب كنبي غريب على هذه الأرض، ولم تنفع العبرات التي هطلت من عيني بعد قراءة هذا الخبر من ازاحة الشهقات السود التي كنت أقذف بها عبر رسائلي الالكترونية، وهرعت مثل ظامئ الى قصائده وانغمرت بمطالعتها بقلب مهشم تكاد نبضاته تسيح على الأرض من خجلها المر، وصورة كليته التي وهبها الى زوجته ترتسم امام ناظري مثل مشكاة تقطر نورا ووردا ..واقرأ في شعره اذ يقول
سأظلّ أذكرُ السيفَ والنطعَ
سأظلّ أذكرُ الذهبَ والفضّةَ
سأظلّ أذكرُ الجوعَ والفيافي
سأظلّ أذكرُ الصعاليكَ والأيائلَ
يجيئون للشرب من راحة يدي المثقوبة،
وأنا متكئ على حافةِ المدينة
مُحطمُ القلبِ كصقرٍ
مُنقطع الجذورِ كعاصفة.
اجل ايها الشاعر المبتلى بالألم .. اجل يا أمجد ناصر .. كان الله بعونك وانت تقطف لقية لا تقدر بثمن من جسدك المضيء حتى تهب الحياة لنصفك الآخر، وكان الله معك دائما وانت تبسط راحة يدك كوسادة يغفو عليها الصعاليك مثلي، طوبى لك الشعر والأمل والحياة التي اراها صغيرة جدا امام قلبك الشاسع بطيبته وتبره ونوره ومطره، ياه كم ارتوت روحي القاحلة منهُ .. ايها النبي الغريب عد لنا بسرعة فمازلت طفلا بمحراب عشقك العجيب واغفر لي شطحاتي الثملة، اعرف انك ستغفر لي ولكن ترى هل سأغفر لنفسي..؟
/5/2012 Issue 4205 – Date 21 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4205 التاريخ 21»5»2012
AZP20
HSNO
























