كلام بالقيراط ـ قيامة الفلوجة ـ حسن النوّاب
محنة قاسية ومؤلمة تعيشها مدينة الفلوجة ، انما فجيعة تستغيث في شوارعها وبيوتها وجوامعها وبساتينها ومدارسها ودوائرها الحكومية ، ما من عراقي غيور لن يستدير بصره متألماً نحو هذه المدينة الذبيحة التي اختنقت بدخان القنابل والتي تمرح في شعابها قوافل ظلامية لا شفقة في قلوبهم ولا رحمة ، دمها يسيل في مكان ، حتى اختلط الحابل بالنابل في قلبها الذي كان آمنا ، وينام مطمئنا قبل شهور ، وعلى حين غرّة تحولت الى ساحة معركة دامية ، قصف عشوائي على منازلها ، وطائرات مغيرة تفتش عن غربان الشر في سماء مظلة ، وجنود صرعى بين ساعة وأخرى ، دم عراقي طهور ينزف هناك ، اختلط دم الفلوجيين مع دم الجنوبيين في معارك عمياء لا هدى لطريقها ، وسط فوضى ومجاعة وفيضان وامراض تفتك بأناسها الطيبين ، هاجرت معظم عوائلها بحثا عن ملاذ آمن في شمال كردستان ، بينما هناك عوائل منكوبة من هذه المدينة المفجوعة نزحوا الى مدن اخرى من البلاد وهم يعيشون في ظروف قاسية من الحرمان بعد ان تركوا منازلهم نهبا للإرهابيين والغرباء ، مدينة الفلوجة تعيد ذكرى الهجرة الجماعية لأهالي البصرة ابان الحرب العراقية الإيرانية ، عندما اصبحت البصرة تحت رحمة القصف الإيراني الذي احرق نخيلها وحمامها ودمرّ مبانيها واحال شارع العشار الى مقبرة تنعب فيها الغربان ، حينها جابه البصريون ظروفا في غاية القسوة نتيجة فرارهم الى مدن اخرى حتى احتج احد البصرين هاتفا يالبصرة دونج ذلينه ، اجل فالعراقي لا يشعر بالنعيم الا في بيته وهذه حقيقة يجب ان نعترف بها ، مهما كانت ضيافة الآخرين سخية وكريمة ، وان التشرد والتشرذم والنزوج الذي يلاحقهم دون هوادة ،والقتل الأعمى الذي يفتك بأهلنا في الفلوجه يضعنا امام امتحان حقيقي ، وان الوقوف مع اهلنا في مدينة المنائر يجب ان يكون واضحا بالبيّنة والبرهان ، فلا تكفي ضيافتنا لأناس عزل ينزفون دمهم البريء في كل لحظة هناك ، واي حظ منكود جعل من الفلوجة حاضنة للإرهابيين ، بل اي مخطط شيطاني قذر ذلك الذي جعل الدواعش يتكاثرون كالجراد في المنطقة الغربية من البلاد ، الفلوجيون ايها السادة ، اهلنا الاعراق ، ولنا فيها اصدقاء واقرباء وعشاق وشعراء ورجال دين احرار واساتذة جامعيين وضباط كبار نذروا نهران دمائهم فداء لأرض السواد ، وان المعركة الدامية التي تدور رحاها بكل عنف عند مشارفها ، ستصبح في قلب الفلوجة بعد ايام ان لم اقل بعد ساعات ، ولذا على الجيش الذي هب للدفاع عنها ان يكون بحرص تام على كل قطرة دم في مدينة الفلوجة ، فما جدوى قتل ارهابي برصاصة بينما رصاصتك الأخرى تطيش بسبب الفوضى وتصيب قلب انسان فلوجي بريء ، امهلوا الناس في الفلوجة حتى يخرجون بهدوء وليس تحت وابل القصف والرصاص ، وجهزوا لهم المأوى والعيش الكريم الذي يستقبلهم ، حتى لا يتشردوا في بقاع بلادهم بحثا عن سقف آمن ، وعلى الحكومة ان تتصف بالحكمة والبصيرة وقراءة خريطة العمليات بخبرة ضباطها الكبار قبل الإقدام على معركة خاسرة لا سامح الله ، ذلك ان اي هدر عشوائي لدماء اهل الفلوجة سيكون جريمة لا تغتفر وعار لا يمحى من جبين الجندي العراقي ، مثلما نوجه النداء الى اهالي الفلوجة الشجعان الذين لقنوا الغزاة دروسا في الصبر والمطاولة والقتال ، ان يفرقوا بين الصالح والطالح الذين يسعى الى تدمير مدينتهم بل الى نسفها واحالتها الى خرائب مهجورة واستباحة دمائهم واشاعة الفوضى بينهم ، لأن الأرهاب مثل الغربان ينتعش على الخرائب والأطلال ، وهذا ما تنشده وما تسعى اليه قوافل الأرهابين في مدينتكم التي حباها الله وجعلنا نراها ماسة خضراء على خصر الفرات ، ولابد ان نقول كلمة الحق عنكم ، فأنتم اكثر العراقيين في زمن الإحتلال من ذاق عذابات الموت والقصف والحرمان والإعتقال ، مثلما انتم تتعرضون هذه الأيام الى ابشع حرب دامية ، حتى تكاد قبور شهدائكم تفوق عدد الذين منكم على قيد الحياة ، اجل ايها الفلوجين الأحرار ، انها ساعة قيامة الفلوجة ، تمسكوا بالحكمة والصبر والإباء الذي عرفناكم وعرفكم العالم به ، وارفعوا صلوات التكبير في مآذنكم ، سائلين الله ان تكون النار بردا وسلاما عليكم ، اجل لقد ازفت ساعة خلاصكم من الظلام ، ها هو صديقي الشاعر ناجي ابراهيم الذي يسكن الفلوجة ويعيش محنتها لحظة بلحظة يكتب على صفحته في فيس بوك لا يعرف ان يفكر الاّ في اللحظة التي هو فيها،في النهار يغريه الهدوء بالمكوث طويلا،وفي الليل يسد عليه القصف كل المنافذ،منذ ثلاثة أيام ونحن تحت قصف شديد لم تألفه الفلوجة الاّ في حربها مع الأمريكان وهو يشتد الآن،ايها الأحبة من اقصى القلب الى اقصاه ما يدور الآن ويجري هو بين مصالح ومصالح بين فائدة وفوائد وربما فوائد وفائدة ونحن دائما وأبدا لا ناقة لنا فيها ولا جمل ، فهمُّنا العراقي واحد احد ، هي حرب على الكراسي والمناصب دربا الى المغانم ونحن اتخذنا الماء ربحا والبياض ديباجة والفراشات دليلا لا يضل الى الغناء ، فهم يريدون مني ومنك اما ان نكون الى الجانب الذي يحبون او لا نكون ولدينا ما يؤهلنا لأن نكون خارج الكون والكائنات ، ما كان العراق الاّ عراقاً يليق بمحبتنا وما كان حبنا الجبروتي هذا لو لم يكن هناك عراق يتسع لحبنا الكبير هي دعوة صافية الى الحياة واتركوا الحمام يقترح علينا ويجترح عراق محبة لكم جميعا .
AZP20
HSNO
























