كلام بالقيراط ـ صلاة وخمرة ــ حسن النوّاب
عندما قررت قبل شهور الأبتعاد عن ابنة الكروم والأستعاضة عنها بالصلاة ، فقدت خلال اسبوع معظم اصدقائي الذين دهشوا من قراري الأيماني هذا ، فقدت التواصل معهم الذي كان يجمعنا بناءً على تشابه المزاج والأفكار النافرة والرغبات المشتركة التي كانت بيننا ، واصبحوا يشعرون بالمرارة كلما رفعوا انخابهم من امكنتهم البعيدة وفي اذهانهم ان صديقهم المؤمن لا يشاركهم بنخبه الآن ، انما يتخيلونه منشغلاً بصلاته وقراءة القرآن ، بالطبع كان من الصعب فقدان ثلة من اصدقائي لكني وجدت في طقوس عبادتي نفحات نور كانت قادرة على ملأ الفراغ المهيب الذي تركوه في معاقل روحي الموحشة في غربتها التي تجاوزت العشر سنوات ، اجل قررت عدم الأقتراب من ابنة الكروم في مهجري مهما كانت مغرياتها من حيث الطعم واللون والتعتيق وقدرتها على بث النشوة العارمة والمتعة المؤقتة في عروق دمي ، لكني لم احسم امري بعد عندما تحين لحظة سفري الى البلاد ولثم ارض السواد ، اذا ما رزقني الله بزيارة الى الوطن والتقيتهم بصخبهم وجنونهم وتمردهم وعبثهم ، ذلك اني لا اعرف ان كنت سأنجح بالثبات على قراري هذا ام ان عيونهم اللامعة بالشوق ستدفعني الى الجلوس معهم حول مائدة صاخبة في نادي الأدباء ، ربما اتمكن من كبح دعواتهم المثيرة والمغرية ، غير اني اشعر بالأستسلام عندما يكون برفقتي اعزّ صديقين ينتظران رؤيتي هناك بعد رحيل الغالي الشاعر كزار حنتوش ، ولا اذكر اسميهما حتى لايشعران بالحرج ، اذ سيكونان سببا جوهريا بهزيمتي على ما اظن من مواصلة مناسك عبادتي ، فهما يفرضان سحرا طاغيا لا استطيع مقاومته حين يتعلق الأمر بدعوة الى جلسة مع ابنة الكروم ، والبرهان ان معظم الأصدقاء اصبحت علاقتي معهم فاترة ، الا هما اللذان مازالا يراهنان على قدرتهما بإقناعي في التراجع عن قراري العبادي الذي مازلت متمسكا به كحبل نجاة في بئر لا قرار لها . لكن السؤال الملحاح الذي رأيته يشخص امام ناظري ، لماذا معظم الأصدقاء شعروا بخيبة امل واغلقوا نوافذهم بوجهي ، بينما ظل هذان الصديقان بحماسهما العاطفي ووفائهما الذي يقطر حنيناً ودمعاً ، كلما طرقت باب احداهما حين يعصف بي الشوق ، ويبدو ان الجواب ليس صعبا ، ذلك ان معظم الأصدقاء اكتشفت ان علاقتي بهم قائمة على سد فراغ يومي يدعهم يستأنسون بساعاته عندما اشاركهم مجونهم بكأسي الطافحة شوقا برغم بعادها عنهم ، بينما وجدت بصديقيّ ثمة علاقة روحية عصية على التفريق حتى لو اصبحت خطيب جامع مثلا وهما اصبحا اكثر امعانا بجنونهما وعبثهما ، لقد اكتشفت بطقوس الصلاة التي مارستها من قبل ولكن بشكل متقطع والتي اواضب عليها الآن ، ان قدرتها على البناء الروحي لا تضاهيه اية قوة اخرى سواء كانت عبارة عن كتاب او رحلة استجمام او جلسة عاصفة مع ابنة الكروم ، ناهيك عن احساسك بالطهر الذي يرافقك طوال الوقت ، لكن هذه الصلاة لم تتمكن من ايقاف زحف عينيّ لملاحقة جسد امرأة استرالية في شارع عام كأنها زورق شمعي يبحر على الرصيف ، مثلما لم تتمكن صلاتي على منعي بمزاولة جنوني وعبثي حين اذرع شاطىء المحيط الهندي تحت المطر بحثا عن عاشقة تقيم في ارض بعيدة ، وكل حدسي اني اصادفها ذات غروب تداعب موج المحيط ، فثمة شيطان عنيد مازال يلاحقني ويغويني على ارتكاب بعض المعاصي الخفيفة التي يمكن حذفها بقليل من الدعاء والإستغفار ، وفي مكالمة هاتفية مع اختى الكبرى هناك في كربلاء اخبرتها اني عقرت ابنة الكروم منذ شهور ، زغردت فرحا وقالت لقد ارحتها وارحت روحك من عذاباتها ، وربما لا يصّدق الجميع نتيجة فارق الوقت بين مكان اقامتي وباقي اصقاع العالم ، ان الفجر يطل هنا قبل معظم المدن ، ولأني ابقى ساهرا كل يوم ، اشعر عندما اصلي الفجر ، اني اول مخلوق في العالم يؤدي صلاته الى الله كل فجر ، مثلما اشعر ان دعائي يصل مستريحا الى مشكاة السماء وبمنأى عن زحام ادعية المؤمنين الآخرين ، وذلك لأني سبقتهم بالصلاة ، اجل كل فجر في مهجري البعيد اشعر اني اول مخلوق على البسيطة يسجد الى الله ، ورمضان كريم ايها القرّاء الأعزاء .
AZP20
HSNO
























