كلام بالقيراط ـ المسيح مشرّداً ـ حسن النوّاب

كلام بالقيراط ـ المسيح مشرّداً ـ حسن النوّاب
مازالت دماؤهم البريئة تضيء محراب كنيسة النجاة ، وصليب ابن مريم المجدلية عليهما السلام يردد ترنيمة الحب ويقطر دما ودمعا في كنائس البلاد حين قال لها ‘لاَ تَلْمِسِينِي لأَنِّي لَمْ أَصْعَدْ بَعْدُ إِلَى أَبِي. وَلكِنِ إذْهَبِي إِلَى إِخْوَتِي وَقُولِي لَهُمْ إِنِّي أَصْعَدُ إِلَى إِلهِي وَإِلهِكُمْ . وأقول ماذنب هؤلاء النصارى في وطني ، الذين لا ناقة لهم ولا جمل حتى تلاحقهم هذه النكبات والفجائع، فحياتهم مسالمة على الدوام ، ولم يسجّل التأريخ اية مثلبة جُرمية عليهم قد ارتكبوها بحق آخرين على ارض السواد ، طيّبون السريرة والأبتسامة تراها مضيئة على وجوههم السمحة ، يبادرون الى خدمة الناس دون مقابل ، وابواب كنائسهم مفتوحة للجميع ، لهم وقفة الشجعان في معركة الطف من خلال ولدهم وهب الكلبي الذي نذر دمه فداء الى الحسين عليه السلام مع امه ولم يمض على زواجه سوى شهرين ، كما اشتركوا معنا دفاعا عن الوطن في جميع الحروب التي حدثت ، رائعون في مجالسهم ولا يتحدثون بالغيبة والنميمة على احد ، عايشتهم في جبهات القتال وعلى مقاعد الدراسة ، ودخلت بيوتهم في قرقوش ، كرماء وطيبون مثل طعامهم وشرابهم ، واذكر في سنوات الحصار القاسي ان كنيسة الأرمن في ساحة الطيران اصبحت ملاذا للفقراء والمعدمين ممن طحنهم الجوع ، ورأيت بأم عيني كيف ان القس الوديع يوّزع اكياس الطحين على الجائعين ، وكان للصعاليك بعض نصيب منها ، عندما اخذنا جان دمو ذات ظهيرة باردة الى الكنيسة وعرض عوزنا على الراهب الأنيق ، فلم يتردد من منحنا كيس طحين سرعان ماعرضناه الى البيع وبثمنه امضينا ليلة دسمة الطعام والشراب ، حتى متعهد نادي الأدباء الأخ نوح كان كريما معنا نحن الذين شحّت النقود في جيوبنا ، وكان يهبنا مانريد بقوائم دين ملأت جيوبه دون امل من ايفاء دينه ، بل اني غادرت العراق وبذمتي ديون لم اسددها حتى الساعة اليه ، وهنا في استراليا تفتحُ الكنائس ابوابها في الآحاد لتقديم الخبز الحار والطعام اللذيذ والفواكه الطازجة الى من تقطعّت بهم السبل من مشردين وغرباء ، ولك ان ترى خليطاً من اجناس الناس تفدُ الى هذه الكنائس دون ان يسألهم احد عن اصل موطنه او منبع مذهبه ، الجميع سواسية على مائدة يسوع المسيح عليه السلام ، مثلما تجد جمعيات خيرية يشرف عليها متبرعون من انصار المسيح يوزعون الملابس والأغطية والأفرشة على القادمين دون السؤال عن هويتهم ، مثلما اذكر عندما دعاني صديقي كريم بولص مطلع الثمانينيات لقضاء ليلتين معه في مدينة قرقوش ، لمّا كنّا نتلقى التدريب على سياقة الدبابة في معسكر الدروع في تكريت ، واقترح على مسامعي بقلب رحب ان ابقى برفقته واتجنّب عناء السفر الى مدينتي كربلاء ، وهناك في قرقوش تلمّستُ ضيافتهم بأبهى صورها ، وبساطتهم الشفيفة وحنوّهم حين زرت كنيسة قرقوش الموغلة بالقدم ، واخذني الى كرميلس وبربارة ، وظلت تلك الزيارة راسخة في ضميري ووجداني ، ليلة امس كتبتُ اسأله عن احوال اهله هناك في قرقوش ، اجابني بأسى ان كل شيء قد دمّر وانهم يقفون بطوابير طويلة للفرار بجلودهم من الوطن ، تاركين بيوتهم وحقولهم وثروتهم وذكرياتهم نهباً للدواعش الذين امعنوا بغيّهم ووحشيتهم ودمويتهم ، المسيحيون مشرّدون وكنائسهم تلتهب بالنيران ، اقدم كنيسة في الموصل اضرم الدواعش في صلبانها النيران ، واذا كان اليهود قد وضعوا اكليل العوسج على رأس المسيح المصلوب ، فأن الدواعش غرزوا حرابهم السود في عيون ابنائه النصارى ، ووشموا منازلهم بحرف النون بعد ان طردوهم كغرباء منها ، هائمون على وجوههم مع صلبانهم في ارض السواد ، الحياة ضاقت بهم مثلما ضاقت بسواهم من المهجرين من مدن اخرى ، وكربلاء التي فتحت ذراعيها لهم تشعر بالخجل والمرارة ، فأحفاد عيسى بن مريم ووهب وجون خادم الحسين عليه السلام مكبلون بالحزن والدمع والحرمان والضياع ، الا تبّاً للدواعش والخونة والساسة الجوف البلهاء الذين يتدافعون بالمناكب على مناصب المنطقة الخضراء وامام انظارهم يبصرون المسيح عليه السلام مشرّدا في وهاد ارض الأنبياء .
AZP20
HSNO