كتاب البروفيسور بنكت كنوتسون
الحكمة العربية في الاستشراق السويدي
قراءة كريم رشيد
تنوعت مواقف المسشترقين من الفكر العربي والاسلامي تنوعا حادا جعل البعض منهم يتصدر منازل متباينة ومتطرفة تجاه الثقافة العربية والأسلامية، فعمد البعض الى الأيحاء بأن الفكر العربي والأسلامي محض أشتقاقات وتنويعات على الفكر الأغريقي والمسيحي فيما سعى أخرون بقصد او بدون قصد الى الأيحاء بانه فكر سلفي متحفي يخلد الأرث بوصفه مرجعية مقدسة غير قابلة للتجديد ولا تتوافق مع الحياة المعاصرة. وعلى النقيض من كلا الاتجاهين حاول بعض المستشرقين فهم الفكر العربي والأسلامي عبر دراسة وتحليل أمهات الكتب في الأبداع الأدبي والفلسفي والديني. فيما ركز آخرون على دراسة الواقع المعاصر ومعطياته السياسية والفكرية. أما البروفيسور السويدي بنكت كنوتسون أستاذ اللغات السامية في جامعة لوند السويدية، فقد أختط لنفسه مسارا مختلفا في كتابه الجديد الذي صدر مطلع هذا العام و يحمل عنوان الحكمة العربية حيث عمد في هذا الكتاب الى دراسة عدد من مقولات الحكمة العربية في كل من التراث العربي والأسلامي وكذلك في الواقع المعاصر، مستشهدا ب 316 مقولة من الحكمة العربية القديمة والحديثة داعما أياها بالشرح والتحليل والتفسير ليسهل على القاريء معرفة وفهم مرجعية تلك المقولات وأغراض تداولها اليومي. وليسهل على المستشرقين الجدد ممن يسعون لتعلم اللغة العربية أو تداولها عمد أضافة الى ترجمته للنص العربي الى اللغة السويدية، عمد الى توضيح كيفية نطقها بالعربية الفصحى فأدرج تلك النصوص كما تُنطق بالعربية مكتوبة بحروف سويدي. وجاءت نصوص المقولات مصنفة تصنيفا أدبيا وفهرسيا دقيقا يُسهل على القاريء العثور عليها وفهما ونطقها، كما أنه عمد الى وضعها في الكتاب باللغة السويدية والعربية معا وجنبا الى جنب ليوفر للقاريء العربي والسويدي فرصة ثمينة للأطلاع على جانب واسع من الحكمة العربية. وينسجم ذلك التصنيف والترتيب الدقيق الذي جاء به الكتاب مع الثقافة السويدية التي تشتهر بولعها بالدقة والترتيب والوضوح. فتنظيم فصول الكتاب وتصنيف المقولات تحت عناوين مختلفة وبترتيب أبجدي منح الكتاب صفة المرجع القاموسي الأكاديمية.
ما أن تبدأ بقراءة الكتاب حتى تدرك مباشرة عمق الخبرة التي يمتلكها مؤلفه كنوتسون باللغة العربية الفصحى التي أمتدت صلته بها لخمسين عاما، فهو من أكثر المستشرقين السويديّن المعاصرين العارفين باللغة والثقافة العربية بحكم دراسته لها وعمله الذي أمتد لسنوات طويلة في الوطن العربي.
ومن بين ما يميز هذا الكتاب أيضا المقارنات الكثيرة التي يشير أليها الكاتب بين عدد من مقولات الحكمة العربية بما يوازيها من أمثال وحكم في الثقافة التركية والأوربية والغجرية والعبرية. ولأنه أورد عددا من الأقتباسات الشعرية والأيات القرانية والأحاديث النبوية والأمثال الشعبية فقد أصبحت مساحة الدراسة المقارنة بمقولات الحكمة في ثقافات أخرى مساحة واسعة ومثيرة للأهتمام. فيظهر فيها تقاربات وتباينات وتناص يثبته بالقرائن والدلائل والحُجج. ومن بين أكثر تلك المقارنات أثارة ما يورده الكاتب من تقاربات بين الحكمة العربية ومقتبسات من الانجيل والتوراة. ويبرز بوضوح تقارب المباديء والمعايير الأخلاقية والأجتماعية في الديانات الكبرى.
وعبر أسشتهاداته المتنوعة يفند الكاتب بشدة الأحكام المتعسفة التي حاول بعض المستشرقين تعميمها حول الشخصية العربية وأتهامهم لها بما لا يليق بها. فيورد الكثير من المقولات التي تبرز قيمة العلم والتعلم وقيمة الصدق والأمانة والضيافة العربية وقيم التعايش الأجتماعي والحضاري مع الآخر.
وكان البروفيسور كنوتسون مدركا للعلاقة التقليدية الكلاسيكية بين مقولات الحكمة العربية ومصادرها المتنوعة في المجتمع العربي وعلى الاخص، البادية العربية بما أنتجته من شعر ونثر وتقاليد وأعراف والريف وما انتجه من علاقة مع البيئة والعائلة والقبيلة، والمدينة وما أنتجته من حضارة متنوعة الأطياف.
في مقدمة كتابه يبين كنوتسون ملامح قرائته للشخصية العربية مبتدأ بالتأكيد على إداركه للعلاقة بين الشخصية العربية واللغة العربية، ليست تلك المبنية فقط على الأرتباط القائم ما بين اللغة العربية والقرآن الكريم فحسب، بل أيضا تلك الوشائج المتينة مع اللغة التي سبقت الأسلام وتجسدت في الشعر والنثر والحكاية وأصناف أخرى من الأبداع الأدبي تمتد الى الشعر الجاهلي وغيره . ومن بين ما يوضحه في مقدمة الكتاب أعتباره أن العرب فنانو الكلمة المنطوقة منها والمكتوبة. ويبين عشق العرب للكلمة وما لها من أثر في ثقافتهم وحياتهم اليومية. ويقول بينما في أغلب اللغات هناك جنسين من الأدب هما الشعر والنثر ففي العربية هناك أيضا السجع مشيرا الى أن ذلك يتجلى في أبلغ أشكاله في لغة القرآن الكريم.
وبينما يوضح كنوتسون أثر اللغة في القرآن الكريم على الصياغة اللغوية لمقولات الحكمة العربية لا ينسى ان يعرج بسلاسة مشوّقة ليكشف عن الصلة الحميمة بين الشخصية العربية والشعر، ومن ثم بينها وبين ثقافة الكلام المدعّم بالأستشهاد المتواصل بالأمثال والحكم والأبيات الشعرية والآيات القرآنية والأحاديث النبوية والمقولات الفلسفية. ويروي لنا قصة صداقته الحميمة بأحدى الشخصيات المقدسية التي لم تكن قد حصلت على أي تعليم مدرسي لكنها كانت تفاجئه دوما بما لديها من خزين معرفي واسع في الأدب والحكمة العربية والحياة.
ولأن مقولات الحكمة والأمثال تعكس ثقافة المجتمع وشخصيته فقد عمد المؤلف الى تنويع أستشهاداته التي صنفها تحت عناوين مختلفة ولم ينسَ ان يضمنها أسشتهادات لمقولات سيساية من الواقع المعاصر مرفقا أياها بتعليقاته الشخصية. ومن بين تلك المقولات أقتباسات لرؤساء عرب سابقين قضت عليهم ثورات الربيع العربي. ويورد المؤلف تلك المقولات ليوضح طبيعة الفكر الحاكم في تلك البلدان.
ولا تقتصر جهود بنكت كنوتسون في هذا الكتاب على جمع وشرح وتحليل عدد من مقولات الحكمة العربية بل تتعدى ذلك بكثير وتقدم للقاريء شرحا يوضح فيه مفاهيم دينية وسياسية أقترنت بالفكر العربي والأسلامي وأثارت جدلا واسعا في الغرب مثل مفهوم الجهاد في الأسلام والعلاقة مع الأديان الأخرى ومفهوم الشهادة وغيرها.
ويستخدم المؤلف التوصيف العربي الكلاسيكي للغة بوصفها بحرا أو محيطا لا أحد بوسعه بلوغ شاطئه البعيد للإشارة الى الثراء اللغوي الكبير للعربية، ويقدم للقارئ شرحا ميسرا وواضحا لبعض القواعد العربية عن كيفية تصريف الكلمات وأشتقاقاتها، مبينا ما في العربية من غنى في المردافات والأشتقاقات. ويشرح ذلك ويؤكده بالمقارنة مع قواعد لغوية في لغات أخرى. ويشير أيضا الى أهم مرجع أوربي في شرح أصول وقواعد اللغة العربية والذي يُعد أنجيل المعنيين من الأوربيين بتعلم اللغة العربية وهو كتاب
W.Wright. A Grammar of the Arabic Language, Cambridg 1896-98.
/8/2012 Issue 4280 – Date 18 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4280 التاريخ 18»8»2012
AZP09
























