قيم الرجولة في علم النفس ومفردات مجتمعيّة – عبد الرضا سلمان حساني

قيم الرجولة في علم النفس ومفردات مجتمعيّة – عبد الرضا سلمان حساني

مرايا مجتمعيّة

قبل أكثر من 400 عام، قال الشاعر الإنگليزي وأحد رجال الحاشية الملكيّة هناك (.. قبل أن أتزوّج، كان لديّ ست نظريّات حول تربية الأطفال، والآن لديّ ستة أطفال بدون نظريات..).

ربّما ينطبق هذا المضمون على مناحي أخرى عديدة في الحياة ومنها الخطابات السياسيّة قبل وبعد أيّ انتخابات.

وإذا ما أردنا وضع مقاربة أو أكثر لتحديد مساحات تطبيق وتطابق هذه المقولة وغيرها من الأمثال، لابدّ من إدراج عوامل مؤثرة قريبة من مضمون هذا المقال والتي وجدتها في علم النفس.

نستطيع أن نقول بأنّ علم النفس وفروعه المتعدّدة، التي يمكن أن تصل الى عشرة فروع، كانت وماتزال تشغل فضاءاً  واسعاً  من البحث والتطوير والتحليل في شتى الميادين العلميّة والمعرفيّة والإنسانيّة.

وعلم نفس الطفل وعلم النفس التربوي هما فرعان من هذه الفروع اللذان أردتهما أن يكونا مدخل مقالي هذا على الرغم من أنّ عنوانه  أوسع من ذلك بكثير حسب شواهده في بعض ممّا سأرويه. أمّابعض  الفروع الأخرى فهي؛ علم النفس المجتمعي والقضائي والعام والصحّي والسريري والصناعي وعلم نفس التسويق والمستهلك وكذلك العصبي.

وبما له علاقة بالمرايا أيضاً أضيف، حين تصبح الصورة هي بحث عن الحقائق تحت رماد الحرائق، وعندما تزدحم  الحروف والنقاط في الكلام وتكثر العروض،  فإنّ المرايا لا تجمّل وجوه ودواخل الناظرين فيها. وعليه،  فمن أين نأتي بمرايا لبعض من هم في سنّ البلوغ؟! سننتظر  ما تأتي به تكنولوجيا الطلاء في تصنيع المرايا بالأبعاد المناسبة.

الرجولة في فئات عمريّة:

لكي نقرّب المشهد الى الأذهان، أدرج مايأتي:

1- المكان هو  بيروت  والزمان هو شهر حزيران (يونيو) 2021 حيث إستدلّتني خطواتي الى شاطىء البحر وقريباً من أمواجه المتراطمة المتمردة. جمع وجماعات من كل الفئات العمريّة واقفون وجالسون وكثير  يسبحون وعيونهم نحو مداد البحر البعيد في سرابه وواقعه.

جلستُ بالقرب من فتية وهم منشغلون بالسباحة وعرض حال نوع القفزة ومسافة الركض قبل القفز،  مستثمرين هرمون الأدرينالين في بناء قدرة  المواجهة والقفز من ارتفاع عال نحو البحر وهو مبدأ إنفعالي معروف للمواجهة أو الهروب  في لحظات التعرّض للخوف.

سألني أحدهم : من أين أنت؟

فأجبته، وهنا تجمّع الفتية وسألوني اذا كان لدينا بحر  نسبح فيه مثلهم، واسترسل آخر في الكلام ليقول (كيف يستطيع الإنسان ان يعيش بدون بحر؟).

وإنبرى فتى آخر ليتحدّث بشكل مبسط عمّا يحدث في العراق ولينان وكأنّه يشكو الى البحر والصخر والرمال من ملوحة الأحداث وليس من ماء البحر. كانوا جميعهم رجال موقف في عمر فتية، وغيرهم كثيرون في شواهد ومشاهد بيروتيّة، ربّما تجعلك تشعر بأنّها متألّمة ومؤلمة الآن وسط زغاريد أمواج البحر  للناس هناك.

2- وهناك في أرض قطاع غزّة الطفل أمير في عمر لم يتجاوز سنته الرابعة أو الخامسة، يتحدّث مع أمّه أمام صورة المسجد الأقصى. يقول بأنّه  يريد أن يذهب الى القدس، وتحاولأمّه أن تحذّره ،  لكنّه يصرّ ليكون مع شهيد.

إنّه أمير قيم الرجولة مع الأكرمين في التضحية والإيثار في عمر مبكّر جدّاً يرتقي في فلسطين أرض العرروبة. ومن معلّقة عمرو  بن كلثوم نقتبس بيت الشعر الذي تصدح به حنجرة أمير  ليقول

( إذا بلغ الفطامَ لنا صبيّ

تخرّ  له الجبابرُ ساجدينا )

3- وعلى أحد أرصفة أسواق الشورجة في بغداد، كان فتى يبيع أنواعاً مختلفة من الحاجيات بسعر ألف دينار.

ثمانون سنتاً في حينه) لأي قطعتين. دفعتُ له ثمن ما أخذت وأضفت مبلغاً بسيطاً طالباً من الفتى بأن يعطي المتبقي من الحاجات الى أي شخص (محتاج) يمرّ عليه. وفجأة ردّ عليّ ليقول(.. إذا جاء شخص محتاج فسأعطيه حاجيات من عندي..). هكذا رأيته بعمر الرجولة، مثلما نرى ونسمع عن  أباة الضيم والمضحّين من الشباب والفتية في سموّ  قيم الرجولة ورفعتها.

ولكي تتطابق الشواهد مع ماهو مقروء نقول، إنّ الدفاع عن مبادىء سامية أو قضية عادلة لايتوقّف عند فئة عمريّة محددة أو جنس معيّن ولا تمنعه حدود جغرافيّة أو لغة.

إنّ قيم الرجولة تظهر في كلّ زمان ومكان لتوحيد وتقوية العنصر الإيجابي دون النظر الى جزئيّات تُضعف وتفرّق وتفرّط بالمواقف البنّاءة.

علم النفس في سلالم

وبعيداً عن سطوة البراغماتيّة والمزاج، فإنّ مواقف الرجولة لاتنحسر في السياسة أو  في مواجهات معيّنةوإنّما ترتقي في تجسيد  أخلااقيّات المهنيّة (ethics) وماهو الأقرب الى طراز شخصيّة للفرد والمجتمع الإيجابي بأكمله وتطابق ماضيه المعروف والمألوف مع واقعه دونما تفريط وتقليل شأن.

وبموجب ماقرأنا في فصول علم النفس، فإنّ شخصيّة الفرد تبنيها عائلته والمدرسة والبيئة المحيطة منذ عمر الطفولة. فهي مثل الطين الرطب تشكّله كيف تشاء، ليحمل وقعها وطبعها الى عمر الرجولة مروراً  بسلالم الفئات العمريّة المتتابعة. وكذلك يأتي دور اختيار نوعيّة المعلّمين في تنمية المهارات المعرفيّة وبناء وتعميق المقدرة الإبداعيّة في الصف الدراسي. ولا ننسى عوامل النمو الجسدي للطفل كالجينات المتوارثة والتغذية الصحيحة والمؤثرات الطبيعيّة كقوة الجذب وتغيّرات المناخ وغيرها. ولابدّ أن نشير الى مدارسنا أيام زمان التي كانت توزّع  الحليب السائل وحبوب دهن السمك مجاناً والزامنا  بتناولها أثناء احدى الفرص مابين الدروس وكانت حصص درس الرياضة البدنيّة لاتُترك حتى ولو في برد الشتاء (حصص تربويّة-تعليميّة !). وفي كلّ الأحوال، يتوجّب  تحقيق والتحقق من التوازن النفسي في مراحل النمو الإجتماعي بموجب العوامل آنفة الذكر  مضافاً اليها العامل  الإيجابي  من تأثيرات مواقع التواصل الإجتماعي وفق نمط المتغيّرات التي تلقي  بظلالها هنا وهناك.

سطور الختاملماذا يتحدّث الإعلام  ووسائطه عن (دولة) أو ( لادولة)، وكأنّ كيان الدولة يتحدّد بسياسة الحكومات وما يرافقها ؟إنّ الدولة قد تأسّست في تاريخها، وإنّ تراجع أداء الحكومات في تنفيذ برامجها وتعاملاتها هو (لا حكومة) وليس( لادولة). ففي العراق مثلاً، لم يؤسس الإحتلال الدولة العراقيّة وإنّما تشكّلت فيه حكومات متعاقبة!

{  پروفسور  فيزياء الپلازما  – عضو معهد الفيزياء في المملكة المتحدة)