
قصيدة أمنيات لاتموت
أرهاصات الحب تختلط بالسلام
وجدان عبدالعزيز
حقيقة الحياة والتمسك بها، هي التزام بخطوط الحب والسلام تجاه الاخر، وهذا معناه هناك وعي وادراك كنه الحياة، لذا كان هناك صراع بين الالزام وهو الامر الصادر للنفس من خارجها، وهنا يحمل قدرا من الاكراه، بينما الالتزام هو امر نابع من داخل النفس، لذا كان محببا للانسان، الذي يجعله يلتزم أخلاقياً بما يراه مناسباً، وعده بعض الباحثين هو المسؤولية الاخلاقية، كونه نص على (أن يتحمل الشخص نتيجة اختياراته العملية من الناحية الإيجابية والسلبية أمام الله في الدرجة الأولى، وأما ضميره بالدرجة الثانية وأمام المجتمع في الدرجة الثالثة)، ولذا قد تتحقق السعادة عبر اتجاهات : الاول الاتجاه الروحي:
روح حقيقية
يرى هذا الاتجاه أن الروح حقيقة الإنسان وجوهره، وأما الجسم؛ فما هو إلا أداة تستعملها الروح، ولهذا، فإن حقيقة سعادة الإنسان سعادة روحية، وهي لا تتم إلا بالاهتمام بها، وتحقيق متطلباتها وتطهيرها وتزكيتها من العلائق المادية والنوازع الشريرة، وبذلك تصبح مالكة الجسم تسيره حسب مشيئتها وتتحرر من قيود الجسم وأغلاله ومتطلباته، ولذلك لا ينبغي الاهتمام بالجسم، لأن الاهتمام به يقوي النوازع المادية، فتتسلط المادة على الروح فتشقى.
والثاني : الاتجاه العقلي ويرى هذا الاتجاه أن السعادة هي الشعور الغالب بالسرور الدائم في جميع الظروف، وهذا الشعور يأتي نتيجة إخضاع السلوك لحكم العقل، واتباع قوانينه والتمسك بالفضائل التي يأمر بها، وقد ذهب إلى هذا الاتجاه، أرسطو والرواقيون في العصور القديمة، وديكارت وكانْتُ في العصور الحديثة، فالسعادة الحقيقية عند أرسطو تحصل نتيجة الحصول على جميع الخيرات التامة، فهو بذلك يجمع بين الخيرات الخارجية الحسية من المال والنعم الأخرى، والخيرات الداخلية النفسية من الحكمة والمعرفة والفضيلة، إلا أنه يفضل الخيرات العقلية والنفسية على الخيرات الخارجية، أي أنه يرجح الخيرات المعنوية على الخيرات المادية.
الثالث : الاتجاه المادي: يرى أصحاب هذا الاتجاه، أن السعادة هي التي يشعر بها الإنسان نتيجة إشباع دوافعه الطبيعية وغرائزه الحسية، وقد تطور هذا الاتجاه وأخذ صوراً مختلفة على هيئة مذاهب خاصة، منها مذهب القورينائية أتباع (أرستبوس) تلميذ سقراط، وقد فسروا السعادة التي نشدها سقراط باللذة الحسية، واهتموا باللذات العاجلة بدلاً من الآجلة، ونشدوا إشباع الدوافع في حينها وأوصوا بعدم تأخيرها لأنه يؤدي إلى الشعور بالحرمان والكآبة، وهذا شقاء نفسي وبهذا يجب المسارعة في طلب اللذات ولا حياء ولا خجل في طلب اللذات في أي صورة كانت، ومنها مذهب المنفعة التطوري الذي يمثله هربرت سبنسر، ولسلي ستيفن، ويرى هذا المذهب أن الحياة السعيدة تكون في التوفيق بين مصلحة الفرد ومصلحة المجتمع، وهذه الاتجاهات كلها تبحث في موضوعة السعادة، وقد رأينا فلاسفة منذ سقراط وأرسطو وأفلاطون يبحثون عنها، إلى العصر الحديث، فلاسفة مسلمون وغير مسلمين، غاية الأخلاق السعادة. نعم.ولكن السؤال: أين تكمن السعادة؟ أين تجدها؟…قزم يظن السعادة في العملقة، وفقير يظن السعادة في الغنى،ودميم يظن أن السعادة في الجمال، ووضيع يظن أن السعادة في الجاه، وآخر يظن السعادة في الجنس أو في كأس…وهكذا مما يتحصل ان السعادة شيئا نسبيا، يسعى لها الوعي الانساني تكامليا، حتى يكون سلّمها الاتصال بالذات الالهية عبر الفلسفة الاسلامية .. هذه المباحث تبادرت لذهني وانا اتلقى قصيدة الشاعرة اسماء القاسمي (أمنيات لاتموت)، والتي حملت لنا روحا من التفاؤل والتمسك بالحياة، عبر وعي قصدي واضح تجاه اشياء الحياة امتزجت فيه الذاتية بالموضوعية ..فهناك احساس نقلته القاسمي من خلال كلماتها .. تقول الشاعرة :
(وأنا الغريبةُ في المدى
صوتي مرايا النُّورِ
ذاكرتي الصَّدى
أمحو خطوطَ النّارِ في صدري
وأرقبُ كلَّ حلمٍ سوفَ يأتيني غدا)
المدى، اي فضاءها، حيث يعيش الانسان غربة، لكن وعي الانسان وادراكه كنهها جعل الشاعرة تتخذ طريق الالتزام، وترقب طريق الحلم، ثم تقول :(سأعيدُ من ماءِ الرؤى/أيّامَنا الخضراءَ في فرحِ السنابلْ)، دعوة صريحة للحياة والسعادة والنماء بدالة كلمة ماء، وكلمات الخضرة والسنابل، وكون الاستاذة اسماء القاسمي شاعرة، التزمت بالقصيدة بقولها :
(سأعيدُ ترتيبَ القصيدهْ
من يغسلُ القلبَ الموشّى بالنـــدوبْ
ويزيحُ ما قد رانَ من معناهُ كي يجدَ الدروبْ
سيقولُ: هدهدْ خاطري
إني رأيتُكِ يا حياتي دونَ نافذةٍ
ولكنْ كانَ معناك الإشاريّ الذي
يجلوهُ صوتُ الماءِ
قد سبقَ السماءْ
صوتي الذي ينسابُ في صمتِ المساءْ
ستطوفُ حولي الأحرفُ السّمراءُ
والأسماءُ قاطبةً
ونرسلُ في الأثيرِ حنينَنا
نحنُ الحكايةُ كلّها
نحنُ الحياةْ
سنعيدُها بخيالِنا حتى تضيقَ بنا الحروبُ
يضيءَ في آفاقِنا برقُ النّدى والأمنياتْ)
التزام اخلاقي
والاقرار حسب الالتزام الاخلاقي تجاه الاخر، تقرر الشاعرة : (نحنُ الحكايةُ كلّها/نحنُ الحياةْ)، وهناك اصرار بوعي لدعوتها للحياة والسعادة والسلام، (سنعيدُها بخيالِنا حتى تضيقَ بنا الحروبُ)، فهذه ارهاصات قصيدة (امنيات لاتموت)، حملت لنا الحب الذي يولده السلام، فالسلام شيء جميل جداً ويكون ذلك بعد حدوث صراع ما مهما كان، سواء كان الصراع في الدولة او بين دول مختلفة او بين اصدقاء او زملاء في العمل او حتى عائلة، فلتحقيق السلام المتكامل والوصول الى الراحة النفسية الجيدة والشعور بالامن والاستقرار والسلام، يجب علينا اتخاذ اجراءات منسقة ومتكاملة ومناسبة، وذلك لمعالجة وازالة الاسباب التي قادت الى النزاع والعنف من جذوره، حتى لا تعود مجدداً، كما ان هناك العديد من انواع النزاعات، التي قد تحدث وتؤدي بتأثير سلبي على الافراد والمجتمعات، هي النزاعات السياسية والقانونية بالاضافة الى البيئية او الانسانية، وهناك العديد من انواع العدوات ايضاً ، لكن يجب ازالتها جميعاً لتحقيق السلام والاستقرار ..

















