قصتان قصيرتان.. تقلّب العقل
زاهد الحمزاوي
لا أمل في العودة , سئم كل الاصوات التي تحاوره , برر كل موارد النقاش وحولها في صالحة وحصر نفسه في بوتقة المبررات التي لاتقنع الغير , كان متيقنا ان الافاق ستفتح له بعجالة ليحقق مايبتغيه , كان على معرفة بتلك التجربة , فقد اخبرته سنون القحط والحرمان والشوق الى ملاعب صباه , خدعته مظاهر الحياة وساقه حنين الابوة للمغادرة , حيث لا أهل ولا اصحاب , لم يحمل بين طيات فكره سوى الذكريات التي جعلها مندثرة في عقله , ولم يشعر يوما ما انها ستتكالب عليه لتسلبه لبه , ربما سكن فؤاده وأسرته بالقرب منه , حتى شعر بالاكتفاء في فتراته الاولى , فهو بين اسرته يتناغم معهم في الكلام ويتنقل معهم حيث الاجواء الجميلة , حتى ارتوت نفسه منها ومُلأ عقله من صورها , بدأت مقارنات العقل تعمل عملها , وبدأ التفاضل بين ذكرياته القديمة وحاله الجديد , مهما حاول ان يبعد القديم ليضع محلها ماهو جديد , العاطفة تسوقه الى تفضيل ما مضى , يعزز كل ذلك فيه الشوق الحارق الذي يعتصره وهو يسمع نداءات وصور وضحكات الاقارب التي تمر عليه عبر اجهزة الاتصالات المرئية , يحاول ان يحول مسارات كل ذلك بايجابية الواقع وانه سينجلي.
الايام حبلى تناغم اطراف القلوب لتوهن مشاعرها مرة وتجعلها متقدة مرة أخرى , بدأ يتحدث عن مصلحة من تعلق به , فلا يهتم بماتحمله الاقدار له , المهم في كل ذلك هو ان نحقق السعادة لذوينا , فنحن خلقنا من أجلهم , والابناء قرة عين وثمرة فؤاد , هذا أخر ما كان يفكر به ويجعله الاول والاخر في حديثه .
في وقتين يشعر فيهما بالضياع , لايمكنه الهروب منهما , عندما تنقطع امتدادا الشمس وهي في غروبها الاخير وكانه لايعود بالنسبة له , بل سيستمر وهو يقطع أوصال قلبه , فالشوق الخانق يعتريه , ليس منه مهرب الا تلك الحدائق التي تنكسر اشعة الشمس على سفوح اوراق اشجارها , ووقت اخر عند نهوضه من النوم وهو محمل باعباء ليلة أمس بكل ماتحملة , وهو يلتمس تلك الرطوبة المتوزعة على صفحات وسادته , يوهم نفسه بانه يوم جديد ويصدقه ولعل خروجه في ذلك اليوم الذي كان فيه على موعد مع منظمة رعاية اللاجئين , يأمل نفسه أثناء سيره بأمنيات الانتقال وتحقيق مراده , كل مايدور في ذهنه هو ان يكون بابا للقاء الاحبة والاصدقاء والاهل , الامر ليس بجديد عليه فقد مرت شهور متعددة والموقف يعاد عليه في كل شهر مرة واحدة , يمني نفسه بتلك الاماني , ولا نتيجة منها .
أخر ما اراد ان يقوله ويعبر عنه وقد خرج من جوفه , لم اعد اتحمل اريد نفحة من عبير ارض بلادي اتنفسها , فكانه كان متيقنا انها هي التي تحمل في طياتها الحياة لا غيرها , لا منفذ له من ان تعاد له الحياة الا بتلك الصور التي ارسلت له عبر جهازه النقال فيها تراب من بلاده , لم يحدد اي ارض في بلاده , اي جزء هو يستنشقه , فلم يفرق بين أجزائه , ما أن وقعت عيناه على أول صورة تمثل نسمات تلك الارض حتى انسابت دموعه بصورة لا أرادية وهو يشمها بقوة وتتعالى انفاسه عالية وبشدة . لا بد من انهاء كل ذلك , فنحن خلقنا فيها وبين جوانبها , هذا أخر ما كان يقوله ودموعة مسترسلة .
لايجعل عيناه تلتقي باحد حتى من معه , وعن طريق الصدفة التقت بعيني زوجته فقرأ مافيها , ولم يجد فيه جديدا عما يدور في فكره , سوى ندم وحيرة والم وفراق , وترددات في الاقدام والاحجام , قرأ في عينها القلق والاكتأب حتى انها لو لفظت كلاما واحدا كان بكائا لشدة ماتشعر به , كانً شيئا يجثم على صدرها , لم تعرف البياض الا في ذلك الخيط الذي يحتضن الافق من جانبية , الذي لايدوم طويلا حتى يغزوه الاحمرار الذي يعتري الافق , الليل ينتهي عند هذه الاسرة بشكل روتيني لكنه فيه شوق وحب , لان معظمة ينتهي في المراسلات مع من يحملون الحب والوئام لهم , كل الوقت يكون لهم حتى تنتهي الليل والكل قد فارقت الروح جسده وهم في عالم اخر يغطون في نوم عميق الا القائم باعمال البيت والمسؤول عليه فانه يصاحب نومه احلام تصدر اصواتها , فساقه الحلم وهو في ورشته التي غادرها وكيف يتحدث مع صبية يعملون معه , ويتسامر معهم في الحديث والضحك , ليخبره احدهم ان قد انتهى وقت العمل فلا بد من الذهاب الى بيوتنا لنستريح , فاجابهم نعم نعم هو ذلك , والفرحة على وجهه حيث كان مع موعد مع اصدقاءه الذي يقضي جزءا من الوقت معهم ويعده مهما ليومه , وبعدها يجلس مع اهله ليتسامروا , هم بالذهاب اليهم … فسمع صوت يقول له انتبه لنفسك فشخيرك عالي جدا ويزعجنا , فانقلب على الجهة الاخرى وقد فتح عينية التي اخذت تدور بسرعة لتصور ذلك المكان فوجد نفسه انه في حلم والحياة على طبيعتها ولازالت الاضواء التي جاءته في حلمه بعيدة عنه .

















