
قصة نخلة البرحي من د. أحمد
محسن حسين
في كل عام وفي مثل هذه الايام يبعث لي الصيق العزيز الدكتور احمد عبد المجيد رئيس تحرير صحيفة (الزمان) طبعة العراق صورة لرطب البرحي من نخلة له في منزله. هذا العام تسلمت اليوم عن بعد حصتي من برحي د احمد ومعها قصة نخلة البرحي انقلها لجميع الاصدقاء:
لم تكن نخلة البرحي موجودة بين أنواع النخيل تاريخياً، إلا أنه يقال إن أصلها دقلة، أي لا يعرف لها أصل إنما جاءت من النواة، ويطلق عليه في العراق والسعودية «الغيباوي»? ومما يذكر أيضاً أن أول ظهور للبرحي كان في قرية «كوت زيدان» في منتصف القرن التاسع عشر الميلادي وكوت زيدان من قرى منطقة أبو الخصيب على شط العرب جنوب البصرة، وأخذ اسم البرحي نسبة للمنطقة التي ظهر فيها اسم «البراحة» أي الأرض الخالية من المباني، وقد أكد الشيخ عبد القادر باش أعيان هذه المعلومة في دراساته المتعددة، وقد حافظت عليه الحكومات العراقية المتعاقبة في العهد الملكي ومنعت تصديره إلى الخارج.انتقل البرحي إلى المملكة العربية السعودية بواسطة عبدالله بن محمد البسام، وهو أول من نقل فسائل البرحي إلى القصيم، والقصة طريفة جداً، كما يذكر في معجم بلاد القصيم الجزء الأول، إذ إن عبدالله البسام أخذ فسيلين ولفهما بحصير من الخوص وحملهما على بعير وأخذ بعيراً آخر يحمل ماءً كافياً لسقاية الفسيلين واستغرق السفر من البصرة حتى القصيم حوالي 3 أسابيع، وكان يسقي الفسيل بشكل مستمر، ولمّا وصل عنيزة غرس الفسيلين في مزرعته «المويهرية» ولكن أحد الفسيلين مات ولم يعش في الأرض ونجح الفسيل الآخر، وجميع البرحي في المملكة العربية السعودية جاء من هذا الفسيل، ويضيف صاحب «تحفة المشتاق في أخبار نجد والعراق» ان آل البسام غرسوا في مزرعتهم عام 1905 فسيلاً آخر من نوع السكري جُلب من البصرة أيضاً. يستمر عطاء نخلة البرحي حوالي 50 عاماً وتعطي النخلة أول إنتاج لها بعد 4 سنوات من غرس الفسيل.
ونخلة البرحي أجمل شكلاً من بقية النخيل وتمتاز بسعفها الأخضر طويل الخوص، وكانت هذه النخلة تشكل غابات تحجب الشمس فيتغزل بدر شاكر السياب بعيون حبيبته فيمثل أهدابها بسعف النخيل فيقول:
عيناكِ غابتا نخيلٍ ساعةَ السحَرْ
أو شُرفتان راح ينأى عنهما القمر..
أن البرحي لقبه البعض بـ«المارون غلاسيه وهي حلوى فرنسية شهيرة لذيذة الطعم وغالية الثمن، تصنع من منقوع مجمد الكستناء بالعسل، ولقد انتشرت واشتهرت في فرنسا في نفس وقت انتشار البرحي، وتتشابه من حيث طعمه اللذيذ به.
معجم البلدان
للبصرة شأن كبير في أمور شتى منها شهرتها بالنخل، وفي «معجم البلدان» يقول ياقوت الحموي: «سمعت الأصمعي مرارا بقول: سمعت هارون الرشيد أمير المؤمنين: نظرنا فإذا كل ذهب وفضة على وجه الأرض لا يبلغان ثمن نخيل البصرة». ومن جميل ما يروى أن الحمام المطوق (الفاختة) الموصوفة بحسن صوتها تعلن في صياحها عندما يطلع النخل «هذا أوان الرطب». ويقول زهير بن أبي سلمى: وهل ينبت الخطي إلا وشيجة وتغرس إلا في منابتها النخل وقيل عن ضفاف شط العرب ونخلها:والنخل حول النهر مثل عرائس نضت غدائرها على غدران والطلع من طرب يشق ثيابه متنشرا كتنشر الجذلان وقيل أيضا: باسقات النخل في الطلع النضيد تتهادى كالعذارى في الحلى كل ذلك في البصرة وعن شط العرب، حيث كانت تمتد غابات النخيل فيها مسافة 173 كلم من القرنة إلى الفاو، بعمق يتجاوز أحيانا 10 كلم. قال عنها زكي مبارك، العلامة المصري الشهير، حينما زارها في ثلاثينات القرن الماضي: «لم أر في أسفاري، وهي كثيرة، غابات بهذه المسافات تنتج كل أشجارها فاكهة تؤكل». والواقع أنه كان المزروع منها يقارب المائة والعشرين ألف جريب، والجريب مساحته 4 آلاف متر مربع، وتزرع فيه بين 80 و100 نخلة، فيكون مجموعها نحو 11 مليون نخلة فاقت أصنافها 500 صنف، من أشهر هذه الأصناف موضوع بحثنا وهو.. البرحية أو البرحي.
وبعد أن كان العراق المصدّر الأول للتمر في العالم تراجعت زراعته ومن ثم تصديره، حتى أن الزائر لمدينة البصرة، والذي يرغب بمشاهدة غابات النخيل في مكانها الأصلي التقليدي أي من نهر الخورة بداية الطريق إلى أبي الخصيب وحتى رأس البيشة في الفاو سيجد أراضي قاحلة سبخة لا وجود لآثار النخيل ولا إلى زراعة أخرى إلا ما ندر، وهذه المنطقة كانت الأكثر كثافة للنخيل في التاريخ القديم والحديث.























