
قريب من (الزمان).. بعيد عنها- سمير عبد الامير علو
أكثر من 45 عاما وأنا أعمل في الصحافة هاويا ومحترفا ، مراسلا ومحررا ، رئيس قسم ومحرر ديسك ،سكرتيرا للتحرير وبعدها مديرا له متنقلا في بلاطها بين صحافة الاطفال والمجلات والصحف اليومية والاسبوعية، في أروقة الاذاعة والتلفزيون ولاحقا الفضائيات ومواقع الانترنت الاخبارية وهذا كله داخل وخارج العراق .
ففي صغري لم تستهوني هواية قط مثل اقراني الاخرين ، لكن لحن الكلمات كانت هي هوايتي المحببة ، ففي الصف الرابع الابتدائي مثلا كنت أستمتع بمطالعة صحيفة (كل شئ ) التي كان يجلبها والدي رحمه الله عند عودته من الدوام الرسمي ظهيرة كل يوم ، وفي الصف الاول متوسط كانت مجلات الاطفال كسوبرمان والوطواط وميكي وتن تان تملأ أرجاء غرفتي حيث واظبت على شراء كل أعدادها ومجلداتها ، فيما بعد ،حال صدورها وبعد عام من ذلك قرأت (النظرات والعبرات) للمنفلوطي و(البؤساء) لفكتور هيجو و(الدوامة) لجان بول سارتر و(اللامنتمي) لكولن ويلسون و(الأجنحة المتكسرة) لجبران خليل جبران و(عبقرية علي) للعقاد و(الايام ) لطه حسين ووعاظ السلاطين لعلي الوردي وكل هذا بتشجيع من مدرس اللغة العربية الذي قال لي : هذا طريقك المستقبلي الذي أراك في جنباته وقد صدقت توقعاته على ما أظُن !
وعندما صدرت مجلتي والمزمار كنت من أوائل قرائها لكنني بعد ذلك بسنوات نشرت أول مساهمة لي تسلمت عنها 10 دنانير بالتمام والكمال وهكذا بدأت معي مسيرة الألف ميل !
قد أكون أسهبت في ذكر هذه المقدمة لكن لي فيها قصدا لابد أن يشار اليه ، وهي فترة عملي في جريدة (الزمان) بعد عودتي من دولة الامارات العربية المتحدة عام 2004 على الرغم من قصرها التي لم تتجاوز بضع سنوات لكنها سطّرت في الذاكرة ما لاينسى من الاحداث التي تميزها عن فترات عملي الاخـــرى .
ولا أجانب الصواب ان قلت أنني لم أحس بانتمائي لأية وسيلة إعلامية عدا (الزمان) فثمة سر ّ غريب يشدني إليها حيث كنّا نشعر خلالها باننا أسرة واحدة ذات رابطة لاتنفصم ، ومثلا فقد كانت وجبة الغداء تجمعنا بمحبة يوميا في قاعة التحرير يترأسها رئيس تحرير طبعة بغداد الدكتور أحمد عبد المجيد وكانت معظمها (غدوات)عمل يشير فيها الى ماقد يكون قد فاتنا مع حرصنا على الا يفوتنا شيئ ، وفي أحيان كثيرة كنا ننسى الوقت فهو يمر سريعا وأحيانا كنا نتناول وجبة العشاء في المكتب والبعض من هيئة التحرير ممن ليس لديه إرتباطات يبقى مع القسم الفني الذي يمتد عمله الى ساعات متأخرة من الليل قبل إيداع عدد الغد الى المطبعة .
أما الاماسي الرمضانية فكانت لها قصة أخرى حيث يجلب كل واحد منا فطوره من المنزل لتكون في النهاية سفرة منوعة يجتمع كل كادر الجريدة عليها ولم تكن تخلو من قفشات ومماحكات بين الزملاء الذين يتناوبون على تنظيف القسم بعد الانتهاء من الإفطار بكل أريحية وتعاون .
واعتقد ان الفترات العصيبة التي مرت بها (الزمان) كالمفخخات والاقتتال الطائفي في وقتها زادت من حدة التلاحم والمحبة بين الكادر لانك لاتعلم وانت في طريقك الى الدوام هل سترجع الى اهلك سالما ام لا ! ولعل حادثتي وفاة المغفور لها الانسة الهام رئيسة القسم الفني بمرض عضال وإستشهاد المحرر المجتهد علي خليل بعد أيام من إستشهاد شقيقه من أصعب الاحداث التي مرت بنا في تلك الفترة .
فجريدة (الزمان) إصدار يتحدى الزمان فرغم كل المصاعب التي تواجهها ورغم (المعارك) التي تخوضها من ناحية نقص التمويل المالي لانها مستقلة ولاتحابي أحدا على حساب أحد فقد حجبت الاعلانات عنها في مناسبات كثيرة ، الا انها قاومت كل ذلك لتصل الى العدد 7000 وهو لعمري إنجاز لم تسبقه اليها أية صحيفة أخرى في العهد الجديد !!
سنوات مرّت وانا بعيد ـ قـــــــــــريب عن (الزمان) لكن أيامها مازالت شهدا عــــــــلي طرف لساني لم تدانه حلاوة أخرى لن أنساها ماحييت ، وانا أحرص على متابعتها حيث يتفضل علي مشكورا رئيس التحرير بنسخة الكترونية منها بشكل يومي .
أنا انتمي للزمان بقوة وأحسها في وجداني بدون أية مواربة أو محاباة لهذا أو ذاك ويكفي انني رزقت في جنباتها بإبني البكر (زكريا) وبعدها بعامين جاءت (نادين) الى هذه الدنيا والزمان الرحب.























