قراءة في رواية ذبابة من بلد الكتروني لنهار حسب الله

قراءة في رواية ذبابة من بلد الكتروني لنهار حسب الله
سرد مناهض للحرب
فيصل عبد الحسن
ما ان تقرأ رواية نهار حسب الله ذبابة من بلد ألكتروني حتى تتغير الكثير من قناعاتك حول حجم الكارثة التي واجهتها عائلات عراقية كانت تحلم بأن تعيش حياة الستر، والقناعة بما قسم لها الله من مصائر وأرزاق، لكنها وجدت أوضاعها بعد الأحتلال، وسقوط النظام السابق في 9 نيسان 2003 تسوء وتصير حياتها أكثر صعوبة، فبعد ذلك اليوم كشف غطاء القدر عن المجتمع العراقي، فعرف الناس، كمية الخراب الذي تسببت فيها الحروب وحجم الفوضى، التي صارت إليها مؤسسات الدولة بعد نهبها، ومقدار الفقر الذي خلفته سنوات الحصار عليهم.
صفحات من الألم ترويها لنا ذبابة أمريكية للأبحاث أنتقلت مع الجنود من أحد المعسكرات الامريكية لتحط معهم في بغداد في يوم 9 نيسان يوم إسقاط التمثال في ساحة الفردوس، ولتنتقل بعد ذلك بين الأماكن كعين كاميرا عاقلة تنقل لنا صور الخراب، والدمار وما دار على عائلة عراقية هي عائلة نجلاء أم علي الذي يقتل أبنهم في الحرب وتفقد جثته، وكما هو معتاد في العائلات العراقية يصبح الموت أمرا أقل أهمية من مسألة العثور على الجثة، وتصير الجثة هي المآل الذي لا ترتاح العائلة إلا بالحصول عليها ودفنها، لتتنفس بأرتياح وتستقبل حياتها من جديد، ولا أدري هل نسلم بهذه الظاهرة العراقية الغريبة أم نعتبرها نشازا أمام تقديس الحياة، وأعتبارها الأهم بكثير من الحصول على جثة المرحوم لقبرها.
عين الكاميرا
يستخدم الروائي حسب الله ذبابته القادمة من عالم الرفاه، والتكنلوجيا المتطورة كعين الكاميرا لينقل لنا أشجان عائلة نجلاء وزوجها الشيخ الثمانيني، وأبنهم المهندس يوسف العاطل عن العمل، والذي يذهب إلى مدينة الطب أثناء فوضى الأحتلال ليبحث عن جثة أخيه علي فيجدها متفسخة من خلال صورة في حاسوب المستشفى، وسط ألاف الجثث، ويرى هناك صورا مرعبة تقشعر لها الأبدان، وكلها تروي حكاية مأساة الحرب وضياع الإنسان البسيط في أتونها، وعذاباتها، ونجد أمل أبنته الصغيرة، ذات الوجه البريء تعاني من سرطان الدم، وهي ضريبة أخرى دفعها العراقي خلال سنوات الحصار، بسبب سوء التغذية والأعتدة المستخدمة في الحروب السابقة.
وفي هذا الخضم المتلاطم من المآسي نجد سارة وهي وردة متفتحة في العشرين من عمرها، تمتلىء أنوثة ومشاعر رهيفة، لكنها تصاب بمرض الكآبة لفقدها أخيها علي فقد كان صديقا مخلصا لها وأخا حانيا، فهي لا تستطيع أن تنساه أو تصدق أنه قتل، وأنها لن تراه بعد اليوم حيا، ونجد أيضا صورة مشرقة للمرآة العراقية متمثلة بفردوس التي يكنيها الناس بأم محمد، لكنها كانت عاقرا ومشلولة، ومحمد هذا لم يكن سوى مجرد حلم لم يتحقق لها، وهي تنتقل من مكان إلى آخر بواسطة كرسي متحرك، لكنها كانت متفائلة وتعمل المعجنات والحلويات لأطفال المحلة، وتحاول أن تبدد حزن جيرانها، ولا ندري كيف يمكن لواحدة مبتلاة كهذه المرأة أن تخفف أحزان غيرها ؟ هي مفارقة الحياة التي يضعنا الكاتب أزاءها.
الخوف من المجهول
أن ذبابة حسب الله تصور أحزان الآخرين من الجنود الأمريكيين أيضا، الذين كانوا يحلمون بحرب نظيفة تزيل حاكما دكتاتوريا، وتحل محله حكما ديمقراطيا، لتنسحب إلى بلادها وينسى الجنود ما حدث، لكنهم يصطدمون بواقع مر شديد الكابوسية من خلال تزايد قمع الجنود للمواطنين العراقيين، وتصاعد العنف في كل مكان من بغداد، وضياع القانون، ونهب مؤسسات الدولة، فلا تجد المجندة الشقراء سوى البكاء لضياع أيامها بعيدا عن وطنها، وعن خسارتها لأفراحها مع أصدقائها في بلدها، من اجل بلد ساخن ووسخ، وخطير كالعراق، كما تراه، ونجد الحزن مضاعفا لدى المجند فريدمان الذي تنتابه الهواجس من هذا البلد الغريب، الذي وجد نفسه فيه مقاتلا لجنود مجهولين يظهرون فجأة، ويختفون فجأة مخلفين الموت بين اصدقائه المجندين، عالم مرعب، وحر لا يطاق، وأجهزة كثيرة يحملها، وجميعها لا تحميه من القلق والخوف من المجهول، فيقرر وقف كل ذلك العذاب برصاصة واحدة من بندقيته ينهي بها حياته.
تقنيات الرواية
أن رواية ذبابة من بلد ألكتروني، هي رواية قصيرة أو ما تعارف عليه نقديا بالقصة الطويلة Novelette) وفي فصول كثيرة منها يقترب النص من شكل المسرحية، وروحها بالرغم من تسيد السرد عليها، فالدايلوجات فيها، التي تقال بلسان الذبابة، هي حوارات تنقلها لنا الذبابة عبر حكيها السارد، أما المنللوجات الداخلية، فلم تستعمل في الرواية إلا نادرا، كما انها مكتوبة بأسلوب بسيط خال من أي تعقيد، كما يحدث عادة في الحياة الحقيقية، فلا افكار عظيمة، ولا تفلسف، ولا وصف أدبي صعب، مما جعلها صالحة للقراءة للفتيان والكبار، ورسالتها رسالة مفعمة بالإنسانية، التي تدين الحرب بكل الدعاوى التي تأتي بها، فلا مبرر حسب الكاتب لأي حرب مهما كانت مطلوبة وتبدو محقة، فهي ستكون سببا لكوارث بشعة سيدفع ثمنها الناس البسطاء، الذين يعيشون على الكفاف يوما بيوم، انها روت عن هؤلاء الناس وعاشت مأسيهم، ودافعت عن حقهم في الحياة الحرة الكريمة بعيدا عن شبح الفقر، والخوف من القتل والفقدان والمرض، ودفع ثمن طموحات حكام لم يخلفوا وراءهم سوى الذكريات المريرة، والأحوال السيئة لهؤلاء الناس البسطاء، وتسببوا لهم بكوارث الحرب والأحتلال لبلدهم، كما أنها رواية أدانت الناس المستسلمين لأقدارهم ويكتفون عادة عند حدوث المأسي بالبكاء أو يضربون كفاً بكف، ولم نجد في مقطع من مقاطع الرواية، ما يعبر عن رؤية سياسية محددة لأبطالها تعبر عن رفضهم، أو ما يضمرونه لمواجهة ألقوات المحتلة لبلادهم، او تصورهم لشكل حياتهم في ظروف واقعهم الجديدة، فهم صامتون عن كل هذا، وكأنما يخافون من رقيب يسجل عليهم كل كلمة أو كل فكرة تطرأ على بالهم، والكاتب نقل لنا شكلا من أشكال التغييب الفكري تتسبب به عادة عقود كثيرة من القهر السياسي، والأعتياد على الصمت، والأكتفاء بالقليل الذي يبقي الإنسان بين الحياة والموت، وتحمل ما ترمي به الأقدار عليه، وهي كوارث من صنع صمته، وقبوله بما يجدر به رفضه، والوقوف في وجهه لتغييره، ولمنع وقوع المصائب.
صدر عن دار الينابيع » دمشق سوريا » ط1 عام 2012
/8/2012 Issue 4271 – Date 7 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4271 التاريخ 7»8»2012
AZP09