
قراءة في الجزء الأول من ديوان عبد الوهاب إسماعيل
لا تلهمني غير دمي والظل المسجور
جاسم خلف الياس
حينما يتفاعل الشاعر مع ظاهرة طبيعة ، تفاعَلا كبيرا عبر الفكر والوجدان والخيال ، فإنه يسعى عبر هذا التفاعل إلى خلق فضاء شعري مؤثث بالدلالات التي تتعالق مع البنى الثقافية والاجتماعية والسياسية بشكل وآخر في أداء ترميزي/ إشاري/ تشفيري/ علاماتي، يشكل المعرفي والمجازي في الآن نفسه حراكه النصي.
والشاعر عبد الوهاب اسماعيل من هؤلاء الشعراء الذين ساروا في هذا الاتجاه باشتغال شعري له مميزاته الخاصة منذ مجموعته الشعرية الأولى (فاتحة النار) عام 1974وحتى مجموعته (لا بد من لا بد) عام 2017 مرورا بمجموعاته (طقس آخر) عام 1987 و (هواجس على مرآة خاصة) عام 2001 و (لا فضاء سوى وحشتي) عام 2007 و (غصون المنتهى) عام 2010 و (صبوات متأخرة) عام 2013 (النار لا تلهمني غير دمي) عام 2013. إذ شكلّت النار فضاءات المجموعات التي ضمّها الجزء الأول من مجموعته الكاملة الصادرة عن دار نون للطباعة والنشر والتوزيع عام 2019 في وحدة موضوعية مؤثثة بالأوجاع والحرائق ومنفتحة على الأفق الانساني عبر تواصله مع ذات الآخر ، فعبد الوهاب شاعر يتحسس إشكالات الوجود، وينصهر مع هموم الناس ، ويتغلغل في نبض وجدانه، ويتذوق سحر العذاب، ومن الظاهرات التي أشغلته كثيرا في شعره ظاهرة النار بوصفها ((الحي الأعلى ultra-Vivant .وهي داخلية وخارجية، تحيا في قلوبنا وتحيا في السماء، تصّاعد من أعماق الجوهر وتتبدى لنا حبا، ثم تعود فتهبطه إلى قلب المادة، وتختفي كامنة، منطوية، كالحقد والانتقام، وهي الوحيدة من بين جميع الظاهرات، التي يمكنها أن تتقبل كلتا القيمتين المتضادتين: الخير والشر، تتألق في الفردوس، وتستعر في الجحيم، عذولة وعذاب، مختبر بداية ورؤية نهاية، مسرة للطفل يجلس وديعا قرب الموقد، غير أنها تعاقب على كل عصيان إذا ما أريد الدنو منها كثيرا والعبث بلهيبها)) ().
إذ تشكلت هذه المفردة في عنوانين رئيسين من عناوين المجموعات الشعرية التي أشرنا إليها، فضلا عن تشكلها في عناوين بعض القصائد، ناهيك عن تشكلها في المتن بدلالات متعددة سواء أكانت الكلمة تدل على النار مباشرة (النار، الشعلة، الحرق، الحريق، اللهب، اللهيب، الشواظ، الجحيم، اللظى، الضرم) أو التي تدل على تقوية النار (التأجيج) أو التي تدل على صوت النار ( الزفير، الفرقعة، الأجيج) أو التي تدل على حرّ النار(احتدمت النار، الوهج، صلا النار، اليحموم، الأوار) …… وغيرها من الدلالات.
العنوان الرئيس (عنوان مجموعة)
بعيدا عن تنظيرات العنوان التي توالى كثيرون في كتابتها في الدراسات النقدية الحداثية وما بعد الحداثية بوصفه دالّا ذا أهمية كبيرة برمزيته وإيحائه وكشفه، وقريبا من الاجراء الذي كثيرا ما يصهر الثلج بين الانطباعي والأكاديمي أو يسعى إلى ردم الفجوة التي يعاني منها الاثنين، في هذه المنطقة تحديدا وقفت هذه المقاربة لتركّز في الإشارات والمحمولات. وإذا ما تعاملنا مع النتاج الشعري للشاعر عبد الوهاب بشكل تراتبي سوف يكون لمجموعة (فاتحة النار) الصدارة في هذا الإجراء، إذ تشكل هذه المجموعة بداية نتاحه الشعري، فعلى من يفتح النار عبد الوهاب اسماعيل وكتاباته غضة وطرية؟ وهل أراد أن يبشّر بقدومه الشعري عبر هذا العنوان؟ وهل يعني العنوان قوله المضمر: انتظروني فأنا من سيفتح النار عليكم؟ وهل وضع العنوان بقصدية عالية أم تم اختياره تبعا لوجود قصيدة في المجموعة تحمل هذا العنوان؟ وأسئلة أخر تتكفل المقاربة في الإجابة تصريحا أو تلميحا.
بعد متابعة عناوين القصائد التي وردت في المجموعة لم نعثر على قصيدة حملت هذا العنوان (فاتحة النار) كما لم تتضمن المجموعة على هذه الجملة في المتن؛ مما جعلنا نتأكد من أن الشاعر وظف المجاز هنا ليصرفنا عن الدلالة الظاهرة للنار إلى الدلالة المفترضة، وعلى هذا الأساس فإن الذي يفتح (النار) هو الشاعر، ولكن يبقى السؤال في دائرة الشك ، على من يفتح النار؟ ولعدم تمكننا من تدليل هذه النار على حقيقتها، لا تقلقنا سوى الدلالات المحتملة، وأقربها (النار= الشعر).
أما المجموعة الثانية التي وردت (النار) في عنوانها هي (النار لا تلهمني غير دمي)، وهنا نذهب إلى المجاز ثانية، فمتى ألهمت النار الإنسان دما في الحقيقة؟ ولماذا قال جملته الخبرية بهذا الشكل؟ وهل (النار = الشعر) في هذا العنوان أيضا؟
معنى مجازي
إذا ما أردنا التشكيك بجوهر العلاقة بين الدال والمدلول، والابتعاد عن المعنى المجازي بوصف المجاز (( كل كلمة جزت بها ما وقعت له في وضع الواضع ما لم توضع لها من غير أن تستأنف فيها وضعا لملاحظة بين ما تجوز بها إليه وبين أصلها الذي وضعت له في وضع واضعها)) (). فإننا سوف نماطل في الدلالة التي هي من طبيعة الشعر في أصول انبثاقه الانفعالي متلونا بتجربة الشاعر ، وفي ظروف أداته لمهمّته الفنية متفاعلا مع عاطفة القارئ وحركة عقله وخياله… فيلجأ واعيا أو غير واع إلى ألوان من الأساليب البلاغية تحاول أن تنقل المعنى وأن تصف نبض التجربة بطريق فيه التفاف ومداورة ومناورة وتلميح، فنجاح الشاعر في أدائه الشعري : توصيلا لحركة المعنى، واستحواذا على هوى القارئ، وتسلطا على حركة وجدانه وعقله، رهين بمدى نجاحه في إدارة اللعبة اللغوية، وفي إطالة أو تقصير هذه المماطلة الشعرية (). فالتضاد الموجود في البناء الاستعاري في الـ(أخذ) الذي تشكله (النار) والـ(عطاء) الذي يشكله الدم، هو الذي خلق جمالية العنوان، دون اجترار أو استهلاك أو تكرار لمعان جاهزة ومألوفة.
العنوان الفرعي (عنوان قصيدة)
لم يرد أي عنوان فرعي في مجموعات (فاتحة النار) و (طقس آخر) و (غصون المنتهى) و (صبوات متأخرة) أي عنوان تضمن مفردة (النار) لا تصريحا (النار ، الحريق، الاشتعال …..) ولا تلميحا ( الرماد، الحر، الشوط…..). وإنما ورد مرة واحدة ضمن قصائد مجموعة (هواجس على مرآة خاصة) بعنوان (اشتعال) ص 173. إذ يفتتح القصيدة باستفهام إنكاري، يستهجن فيه اشتعال المطر بلفظ ظاهري واضح، ولكن هل يريد الشاعر بهذا الاسلوب الطلبي السؤال عن المطر المشتعل الذي أيقظ رائحة الطين؟ :
((مطر مشتعل الجنبات
أرأيتم مطرا مشتعلا
أيقظ رائحة الطين
وخلّف ناطور الكلمات
مذهولا مبتهلا……..ص 173
في هذا المقطع نهضت شعرية المعنى على المفارقة التي شكلتها الاستعارة التنافرية (ماء/ حريق). وعلى هذا الأساس سعت شعرية المعنى إلى فكّ أسرها من الدال، بوصفه إشارة لغوية، واتجهت نحو توليد دوال ومدلولات تتوافق مع رؤية كل قارئ أغوته القراءة وتورّط فيها كما يقال وهو يتابع الشاعر في تداخلاته السردية التي زادت من عذوبة وتلقائية وطراوة قصائده التي ((تفتح أمام المتلقي فضاء التأويل والقراءات المتعددة، وتحيله إلى ذاكرة مسكونة بأجواء الطفولة ومفردات البيئة المحلية والموروث الشعبي والتاريخ والدين والأسطورة وروح البداوة، عبلا نبرة حادة مكتظة بالإيقاع، مفعمة بحرارة القلب، والتياع الروح)) (). وهذا ما وجدناه في أغلب قصائد الشاعر عبد الوهاب اسماعيل التي ضمها الديوان.
أما في مجموعة (لا فضاء سوى وحشتي) فقد جاءت القصيدة الثانية بعنوان (سبحات في حرائق الروح) ص235? وهنا جسّد الشاعر المفهومات، وجعل للروح حرائق، إذ استقى العنوان من المقطع الأخير في القصيدة:
((وطني ظلّ برغم حرائقه
وحرائق روحي
بردا وسلام)) الديوان: 241.
ووردت في المقطع الثاني من القصيدة أفعال وأسماء (يحرق، النيران، الحرائق) بالشكل الآتي وهو يخاطب الوطن:
((لا تتركني
لطواويس من الملح
وأشلاء قمر…..
لا تتركني لدم يحرق أطراف الشوق
بنافذة الليل
فنافذة الليل حجر
لا تتركني للحب فإن الحب زؤام
نفّض أزهار النيران ببستان الروح
وكانت بردا وسلام….
تتهجس نبض حرائقها
وتنسُّ مع اليبس المر
كأنّ لها في الجمر وطر)) الديوان 236.
في هذا المقطع تنفتح الدلالة الأولى في كل صورة على دلالات أخر، تشقيقا وتفريعا ، فتتجاوز ظاهر اللفظ إلى المخفي فيه، فـ((القصيدة بريق ومض يترك فيك رعدا كثيرا، والشعر اختزال في التقاط هنيهة البرق، فالشاعر يعرف كيف يشعل لحظة برق قليلة ويترك فيك لحظات رعد طويلة)) ().
أما القصيدة الرابعة من المجموعة التي حملت عنوان (واكتوت جمرتي بالغواة وقالوا تعال) ص 248? وهنا تتحول (النار) التي عبّر عن روحها بـ(الجمرة) من (الفاعل) الذي (يكوي) إلى (المفعول به) (المكتوى)، فيتبادر السؤال : هل يمكننا تأويل النص خارجا عن السياق اللغوي الذي وجد فيه؟ فإذا كانت اللغة عند هيدجر هي وطن الكينونة، وعند غادامير هي عمل الفهم، فإن غاية السؤال هو الفهم، والفهم يؤدي إلى التأويل بوصفه ((منهجا يعيد تحليل وتقييم كل المناهج الباحثة عن الأصول، إذ إن الأصل الذي يعيق التأويل، لابد أن يكون قد فقد طبيعته كأصل وتحوّل إلى عقبة، وهذا الشكل يأخذ بنية حركية تتجاوز هيكليتها، وتتمرد على حدودها كلما قبض عليها الفهم، وهي متلبسة في حال ثبات واستقرار)) (). وهذا ما يوجب علينا ربط المفتتح النصي:
بين تفاحة الإثم
أو صفرة البرتقال
وجع لا يقال
بالـ(الجمرة التي اكتوت بالغواة). وعلى الرغم من أننا الآن في وسط الحقل البلاغي الذي تحاول مجازيته اللغوية تحويل الصورة البلاغية إلى صورة شعرية عبر علاقتها الفعّالة بالاتزياح الذي يشكل خرقا للجملة المألوفة والمتعارف عليها في وضعها الحقيقي، فإنّ اللجوء إلى الصنع النادر شرط ضروري لخلق عوالم الشعر سحرية . فلا يراد من الألفاظ ما في ظواهرها، أو ما وضعت له في اللغة، وإنما ما يشار بدلالاتها إلى دلالات أخر. فالتأويل المتعطش لا يرتوي أبدا، والوصول إلى كلية الدلالات أمر في غاية الصعوبة، إذ يبقى القارئ في لهفة عارمة في توليد الدلالات. فـ((الدلالة لا تبلغ مرجلة الاكتمال مطلقا، لكنها نبدو في طور إنجاز مستمر، إنجاز تتناسل بموجبه الدلالات، وتشتقّ بعضها من رحم بعض دون توقف أو انتهاء إلى غاية)) ().
عنوان فرعي
أما في مجموعته (النار لا تلهمني غير دمي) فقد جاء فيها عنوان فرعي يتعلق بالنار مباشرة وهو (أودعتني في الظل المسجور) ص 421 وهنا أيضا يفعّل الشاعر لعبة التضاد الاستعاري (البرد/ الحرارة) فتنقسّم علاقات العنوان على محورين: الأول علاقات حضورية ( بنية سطحية) تمثل علاقات تشكيل البناء التي تعطي الألفاظ دلالاتها بمسّوغ معيّن في علاقاتها، وعلاقات غيابية (بنية عميقة) وتمثل علاقات الدلالة والترميز، وتبعا لهذين المحورين لا يكون الدال إلا رمز يشير باتجاه الغياب؛ ولهذا علينا أن نسعى إلى تعويم المدلول واستحضار المغّيب بحثا عن تخصيب مستمر للمدلولات على وفق تعدد قراءات الدوال مما يفيض إلى لا نهائية الدلالة.
كما جاء في المجموعة ذاتها عنوان فرعي آخر يتعلق بالنار بشكل غير مباشر وهو (شياط في قعر مرآة) ص 502 والشياط كما ورد في المعاجم والقواميس، الشياط أسم، وهو رائحة ما يحترق من الشيء، كالقطن مثلا، ويستهل الشاعر قصيدته بهذا المقطع:
((موقدها يحفل بالجمر
ومصباح الغرفة
ألهب زهو ستائرها
وانكسر المحظور)).
في هذا الاستهلال يقلقنا الشاعر، ليس لأنه تعامل مع المحظور الجنسي وكسره في لعب ترميزي واستعاري، وإنما في تجاوز ذلك إلى تصوير تخييلي يعيد انتاج الواقع، ويسهم في تعريته، على الرغم من الغرابة والغموص اللذين شكّلا المرجعية الفاعلة للإيحاء والجذب والتأثير في الإبداع الشعري الذي يعتمد بالدرجة الأولى على انزياح الدلالة أو الدلالات.
أما في مجموعته (لابد من لابد) فقد جاء عنوانان فيما تخلّفه النار وليس النار ذاتها أو صوتها أو حرّها، وهما (خلل الرماد) ص 512. و (غلالة الرماد). في القصيدة الأولى لم يأت الشاعر ولو بإشارة إلى النار ، فكانت كما قال حقا (خلل الرماد). أما في القصيدة الثانية فقد وردت النار تصريحا لا تلميحا في ثلاثة مواضع (( فالنار في مواسمي محروقة الصهيل……ص536). و ((لا تبرحي الحريق يا ضروعنا…..ص 540). و ((هل يقدح الزناذ …… ص544)) وفي أربعة مواضع أخرى ورد الرماد: ((بركة الرماد تعروني دما….. ص537)) و ((تبعثري فوق الرماد ………539)) و ((مذ خضّ الدم العاشق/ أو خاض بنا وديعة الرماد……ص540) و ((واحترقت غلالة الصبح الذي/ يطلع من مملكة الرماد……544)).
وفي ختام الدراسة لابد من الإشارة إلى أن الصور الشعرية التي وردت في المتون النصّية قد اتقنها الشاعر بشكل فعّال، وانزاحت مفردة النار وكل ما يتعلق بها عبر المجازات والاستعارات والتشبيهات، ولا يمكن مقاربتها مع العناوين الرئيسة أو الفرعية؛ لوفرتها، لذلك خصصت لها دراستين فيما بعد، دراسة عن النار واسمائها بشكل مباشر ، والثانية عن متعلقات النار من مجمرة وموقد ورماد …… وغير ذلك.
ثم يلظى العذر والعمر معاً.. مثلما يلهب في قشّ ضُرام ..(صبوات متاخرة)
هوامش
() النار في التحليل النفسي، غاستون باشلار، ترجمة نهاد خياطة، دار الأندلس للطباعة والنشر والتوزيع، ط1? 1984: 11.
() أسرار البلاغة، عبد القاهر الجرجاني، تحقيق محمود محمد شاكر، مطيعة المدن/ مصر، دار الكدن/ جدة، ط1: 1991: 304
() مماطلة المعنى في شعر المتنبي، أنماطها ومداها، عبد الملك بو منجل، عالم الكتب الحديث، أربد الأردن، ط1? 2010: 10.
() عبد الوهاب اسماعيل الشاعر المتفرد، معد الجبوري، مقدمة الديوان: 10.
() لغات اللغة، نظم الشعر والنثر بين الأصول والإبداع، هنري زغيب، دار الساقي، بيروت، لندن، ط1? 2011: 110.
() استراتيجية التسمية / التأويل وسؤال التراث، مطاع صفدي، مجلة الفكر العربي المعاصر، ع 30/ 31 ? بيروت- لبنان، صيف 1984: 5.
()النقد الروائي العربي الحديث/ واقعه وإشكالياته من خلال بعض المداخل، د. محمد الناصر العجيمي، مطبعة دار نهى للطباعة، صفاقس، ط1/ 2005: 266.























