الفخراني: القصة واحدة من صديقاتي الجميلات
قاص يهوى التجريب والنزعة الأخلاقية
حاورهُ – عِذاب الركابي
قرأتُ إبداعهُ قبلَ أن ألتقيه ، وكان إبداعهُ القصّصي والروائيّ صورة كاملة لهُ ، بورتريه بحروف وخطوط وألوان الكتابة التي يهوى ، ويعشقُ ، ويتنفس .. كأنّني أعرفهُ منذ زمنٍ ، وقدْ التقينا كثيراً على شاطيء المعاناة .. ربّما لأنّ المبدعين كما الكواكب يضيء بعضها للبعض ، ومعاُ مهندسو الجمال في هذا العالم من خلال الكتابة .. والعشق .. والتواصل !!
. كاتب يهوى التجريب مع العالم والكتابة ، وقصّصهُ ( تلعبُ مع العالم) .. هذا هو العنوان المخمليّ الذي يدلُ عليه ، وهو يسكنُ آمناً في شارع النُّور ، ويرعى حقل الكتابة الضوئيّ ..!!
. القصّة القصيرة في أبسط تعريفاتها (شابة جميلة) ، وهو يتغزلُ بها برؤى مُستفِزة جديدة ، عطرها التجريبُ ، وفستانها الزاهي خيالٌ ابتكاري .. مثير من صنعهِ وحده .. ومثلما تستقرُ المعشوقة في أعماق القلب ، وتتحكمُ في نبضهِ ، كذلكَ القصّة وهي تهمسُ لأصابعهِ أنْ تنطلقَ في جنونها الضروريّ ، ولقلبهِ أنْ يعانقَ بنبضٍ جديدٍ هذهِ المحبوبة – القصّة جميلة الجميلات !!
. كاتبٌ متميزٌ في إبداعهِ ، يسيرُ بخطىً واثقةٍ ، يشبهُ كثيراً نخلةً باسقةً ، وهي تحرصُ على طعم تمرها ، وخضرة سعفها ، وتسكبُ دمعاً لؤلؤياً وهي تدفيء عصافيرها الملونة .. يسعدُ بالكتابة ، وهو من( السعداء القلائل) الذينَ تحدّث عنهم ( ستندال) في أعمالهِ ..!!
. قلتُ له – ياصديقي- إني أرى جمالَ القصّة القصيرة في شاعريتها ، وهي تغترف من الشعر زلالَ روحهِ ، دون أن تحتاج أو تأبهُ بفوضى قوافيه ، فقال:إنّ جمال القصّة في إنّها قصّة فقط ، وتثبتُ بتقنية عالية ذلك !!
محمّد الفخراني كاتبٌ شديد المثابرة ،الكتابة شمسهُ ودليله ، وهي وحدها مَنْ يُجمّل العالم ، وتحيل الإنسان إلى كائن أسطوريّ .. مبدعٍ .. وحالمٍ ، يُمكن أن يأذن للشمس أن تشرقَ بنفسجية الضوء ، ويشير إلى الربيع بأنْ يستعجلَ خطواته الملائكية ، وللأطيار أن تصدحَ بأعذب وأرقّ الألحان !!
محمّد الفخراني .. العالم لديه ، بفعل الكتابة ، صالح أبداً للجمال.. والأمان .. والحبِّ !!
{ إذا أردتَ أنْ تقدمَ نفسَكَ إبداعياً، بلغةٍ مقتصدة مكثّفة، كيف يُمكن أن ترسمَ (بورتريه) بألوان بسيطة ساحرة للقاص والروائى محمّد الفخرانى؟
-كاتب يهوى التجريب مع العالم والكتابة، وأترك نفسي لهما كى يجرّبا معي كل أفكارهما.
القصّة واحدة من صديقاتي
الجميلات
{ قارئ سيرتك الإبداعية، سيجدُ نفسه أمامَ قاص بارع، وهو يقرأ عناوين مجاميعك القصصية.. هلْ القصّة القصيرة حياة، كما يقولُ البعض أمْ أنّها موسيقا كونية متنوعة، كما تلدُ على حبال القريحة.. وتلبسُ ثوب القصيدة لديك.. أمْ ماذا؟ ما تعريف القصّة القصيرة لديك؟
-القصة شابة ذكية، جميلة، متمردة، لا تكبر فى العمر، ولأنها كذلك فهى تثير غيظ القلوب والعقول العجوز الخاملة، هذه الشابة الرائعة لا بد ستتعرض للاضطهاد أحيانًا، تسمع كلامًا لا يعجبها، لكنها، وأنا أعرف ذلك عنها جيدًا، لا تبالي بأيّ من هذا كله، هى تعرف أنها فى مكان خاص داخل كل قلب، تثق أن بإمكانها أن تخطف حياة كاملة فى طرفة عين، تخترع عالمًا بضحكة واحدة منها، الكل يعرف عنها ذلك، لذا فهي مرعبة وجميلة، القصة واحدة من صديقاتى الجميلات.
. الكتابة لا تعنيها المقارنات الضيّقة .
{ أربع مجموعات قصصية مثيرة، ورواية واحدة، رُغم قول كبار المبدعين أن الرواية هى الأسهل؟ ماذا ترى؟ وما وجه الصعوبة في القصّة القصيرة؟ أمْ أنّ لكلّ إبداع شروطه وطقوسه، أبجديتها عسلُ الروح.. ورمادُ الجسد!؟
-الكتابة الحلوة، هذا ما أفكر فيه، أتعامل مع القصة والرواية على أنهما “كتابة”، ليس فيهما من هى أصعب أو أسهل من الأخرى، لا أضعهما فى مواجهة أو مقارنة، أراهما معًا داخل فكرة “الكتابة”، تسعدنى أيًا منهما عندما تمنحنى شيئًا حلوًا، الكتابة لا تعنيها المقارنات الضيقة التى يضعها البعض، هى أذكى من ذلك. أكتب ولا أكون مشغولاً إذا كان ما أكتبه قصة أم رواية، فقط أكون فى “حالة كتابة”.
. القصّة ذكيةٌ بطبيعتها .
{ يقولُ ( جان سكاسيل) فى إحدى مقطوعاتهِ الشعرية الجميلة:
(لا يخترعً الشعراءُ القصائدَ،
فالقصيدة موجودة في مكان ٍ ما، هناك!
منذ زمن ٍ طويل ٍ جدًا، هى هناك!
ولا يفعلُ الشاعرُ شيئاً سوى أنْ يكشفَ عنها)!!
قلْ لى : هلْ القصّة كذلك ؟ أعنى أنها حالة شعرية، كما قرأتها فى “قصص تلعب مع العالم” أم مخزونٌ تراكمى؟ أمْ ماذا؟ ما الذى يجمعُ بينَ الشعر والقصة القصيرة؟ وما مدى التأثير والاستفادة من فضاءات القصيدة؟ هلْ تمتعُ وتفوز القصّة القصيرة بكونها الشعرى؟
-ما يجعل القصة أكثر جمالاً، هى أن تتمادى لأبعد حد فى أن تكون قصة، عليها أولاً أن تثبت أنها قصة، بعد ذلك يمكنها أن تلون عينيها بروح الشعر، أو لغة من قاع الشارع، تضع الورد حول معصمها أو تتعطر بعرقها، تمشط شعرها وتضع فيه فيونكات ملونة، أو تتركه وحشيًا متربًا، لها أن تمد يدها وتأخذ ما تريد، والقصة ذكية بطبيعتها، لا تأخذ إلا ما يناسبها ويزيدها جمالاً وتمردًا. أعرف أن كل الفنون تتواصل مع بعضها بعضًا، كيف لا تفعل والكون كله لا يتوقف عن ذلك لحظة واحدة.
إنّ رؤية الكاتب للعالم والكتابة
أهمّ شيء
{ يُؤكدُ تولستوي العظيم فى مجمل أعمالهِ القصصية والروائية على أخلاقية الهدف فى العمل القصصى والروائى، وقد تجاوزتْ الرواية الحديثة الأمريكية اللاتينية والأوربية والعربية المكتوبة فى شمال أفريقيا على وجه الخصوص ذلك بكثير..، كقاص وروائى قلْ لى هلْ يشكلّ الثالوث المحرّم ( الجنس – الدين – السلطة) إضافة كبيرة للقصّة والرواية أمْ التكنيك هو الأهم – كما يقول صنع الله إبراهيم ؟
– لا شىء يمثل إضافة إلى القصة أو الرواية إلا ما تحتاجه كلٌ منهما بالفعل، لا شىء مجاني، وكل ما تحتاجه القصة أو الرواية مهم لحياتها وجمالها، فى رأيى أن رؤية الكاتب للعالم والكتابة وعلاقته بهما، هما أهم شىء، هما ما يمنح العمل روحًا وجوهرًا، ومن خلالهما تتشكل أفكاره، لغته، حتى التكنيك الفنى يمكن ابتكاره من هذه العلاقة. وأقصد بالعلاقة مع العالم، محبته، محبة العالم، ثم ليأتى أىّ شىء بعد ذلك.
{ فى مجموعتك القصصية “قصص تلعب مع العالم” خليط، طبخة شهية من الفانتازايا والسريالية والشاعرية العالية.. والموسيقا الهادئة نتاج ذاكرة فوتوغرافية غاية فى الدقة، هل “أنسنة شخوصك” وراء كل هذا أم هو أسلوب تشويق ومتعة، فلماذا لا تقرأ القصة بأدوات القصيدة؟ أليسَ كذلك!؟
-بالدرجة الأولى لم أكن أعمل على “أنسنة” مفردات وكائنات العالم، وإنما تعاملت على أن تلك هى طبيعتها بالفعل، لم أحولهم إلى كائنات تتكلم، تشعر، ترى، وتسمع، لكنى فقط سمعتهم، عرفت كيف يرون، ويشعرون، فهمت لغتهم، ومشاعرهم. أفكر أنى فى حياة ما لهذه المجموعة تخيلتهم يمارسون كل هذا الأشياء، اخترعت لهم كل فعلوه وشعروا به، وفى حياة أخرى للمجموعة نفسها، لم أفعل غير أنى كتبت حياتهم التى عرفتها من علاقتى الخاصة معهم، وهذا يعيدنا للفكرة الأهم فى رأيى عن الكتابة، وهى علاقة الكاتب بالعالم والكتابة ورؤيته لهما.
الكتابة تجعلُ العالم أجمل
{ الكتابة لعبة.. مغامرة.. وفنّ تشكيل العالم، واللعب معه بأبجدية مرواغة، والتدخل فى كيمياء الأشياء، وتنغيم الكون!! هلْ هذا ما أردتَ أن تقوله فى ” قصص تلعب مع العالم؟ أم هناك شىء آخر.. حدّثنى!!
-طوال الوقت تتطور علاقتى بالعالم والكتابة، فى الفترة التى كتبت فيها ثلاثيتى القصصية، أفكر أن الكتابة يمكنها أن تجعل العالم أجمل، والإنسان أيضًا، أؤمن بذلك، الكتابة قارة على التغيير، يمكنها أن تؤثر فى الإنسان، تجعله يعيد التفكير، تُشعره بالجمال، وأن العالم لا يزال وسيظل مكانًا صالحًا للحياة، أنه يستحق هذا العالم، والحياة فيه، أما الكتابة، دعنا لا نتكلم عنها، كل الكلام سيبقى مجرد كلام، دعنا نمارسها، نغامر معها، فنعرفها ونستمتع بها أكثر، لا شىء أفضل من ذلك.
في الكتابة يتحولُ الخيالُ إلى واقع .
{ كتبَ أندريه مالرو فى (الإنسان العابر والأدب) يقول: “صارَ أحد طموحات الرواية هو الإمساك بالخبرة الإنسانية من خلال الخيال” أىّ تأمّل يقودك إليه هذا القول الموضوعى الجميل؟ أهو خيال – الواقع أمْ الواقع – الخيال؟ أهو شرط أن يبنى السرد على خيال ٍ منتج؟ ماذا ترى؟ لماذا يصرّ بعض الروائيــــين على أنّ أبطالهم خياليون؟؟
– فى الكتابة، يتحول الخيال إلى واقع لأنه صار بين أوراق ودفتى كتاب، ولنفس السبب يتحول الواقع إلى خيال، ثم إنك عندما تكتب خيالاً، وتجعل القارئ يصدقه، فإن هذا الخيال يصير واقعًا فى عقله ووجدان قارئه، وفى رأيى أنه صار واقعًا فى مكان ما على الأرض، وربما كان فى مكان ما قبل كتابته، أن تقدم الخيال فأنت فى النهاية تقدم أفكارًا، عندما يصدقك القارئ، فإنه يصدق الفكرة أو المعنى فى خيالك، مثلاً، عندما تكتب رواية أو قصة تخييلية، وتقدم فيها الكون على أنه روح واحدة، وحالة دائمة من التواصل بين مفرداته، فإن هذه الفكرة ستعيش داخل وجدان القارئ، وسيتعامل مع العالم من خلالها ربما حتى دون أن يشعر، أما ما يُطلق عليه كتابة واقعية فهى مجرد تكنيك فنى، الكاتب يمارس ألعابًا فنية وتكنيكًا ليوهم قارئه بأن ما كتبه قد حدث بالفعل. يمكننا بنظرة واحدة أن نعرف أنه، ومنذ بداية الكون، لا وجود لمسافة بين الواقع والخيال، وإذا كانت موجودة بشكل ما، فإن الواقع والخيال يتبادلان أماكنهما طوال الوقت، كى يؤكدا أن تلك المسافة المزعومة ليست حقيقية.
أحبّ الكتابة وأقدّمُ لها كلّ شيء .
{ كمبدع ٍ متميز ٍ نلتَ عديد الجوائز، وآخرها ( التشجيعية)، ما فعل الجائزة للمبدع ؟ أهى حافز للمزيد من الإبداع أمْ أنها مسؤولية أكبر وقلق دائم؟ ماذا ترى؟؟
– لا أفكر فى الجائزة على أنها مسئؤولية، هى شىء يسعد الكاتب لبعض الوقت، وقيمتها المادية تمنحه الفرصة كى يوفر المزيد من الوقت للكتابة، لكن، على الكاتب أن يتجاوز الجائزة فى أسرع وقت، كما أن أىّ كتاب، ومهما حصل على جوائز، سيقف فى النهاية بمفرده. أنا لا أنظر إلى الكتابة بالأساس على أنها مسؤولية، ستبدو لى عندها كأنها قيد، أو عمل ثقيل الروح، هى أجمل وأكثر تحليقًا من أن تكون مسؤولية، أحب الكتابة، أؤمن بها، وأقدم لها كل شىء، وهى تستحق، لكنى لا أتحمل تجاهها أية مسؤولية، أفكر أنها تحب ذلك، أن أبقى حرًا، حتى منها هى، أنا أحمل لها الحب، أفعل ما أفعله لأنى أحبها، وهذا أقوى سبب أفعل لأجله شيئًا ما، الكتابة “فكرة تُجمّل العالم”.
الأمانُ هو أن تقبلَ العالمَ
{ فى روايته الجميلة “الغرنقو العجوز” يقولُ كارلوس فوينتس (ليسَ هناك مكان آمن فى العالم).. ما رأيك فى هذا القول؟ هلْ الكلمات عاجزة عن تصميم خريطة لعالم آمن ؟ كمبدع متى تشعرُ بالأمان؟ أعنى هل لديك -والوقت يوسع من جحيمه- مكان آمن؟ صف لى تضاريسه أيها المبدع الجميل؟
-بالنسبة لى، العالم مكان آمن، أقبله وأحبه على ما هو عليه، ربما كان “فوينتس” يقصد بجملته سياقًا ما، لكنى فى كل الأحوال أرى العالم مكانًا آمنًا، وصالح للحياة والجمال، كل شىء يتوقف على الرؤية الشخصية، أفكر أن الأمان هو أن تقبل العالم، ليس عن ضعف أو قلة حيلة معه، وإنما عن قوة، حب، وقدرة على التعامل معه، أنا أقبله بكل ما فيه، وأن تقبل العالم فهذه أفضل طريقة لتغيّره.
{ آخر رواية لك “فاصل للدهشة” – 2007 ، وآخر مجموعة قصصية “طرق سرية للجموح” 2013 .. ماذا ينتظر القارئ من جديد للمبدع محمد الفخرانى؟
-أنتهى الآن من روايــــة، أتوقع أن تصدر فى النـــــــــــصف الأول من 2014.