قادة غيّروا مجرى التاريخ
هنالك قادة لهم بصمات مؤثرة في تاريخ الأمم ومنهم من عمل لصالح بلده فقط وآخرون عملوا لصالح بلدانهم والإنسانية وآخرون أضروا بالأنسانية،وكل هذا وذاك يكتب لهم في سجلات التاريخ سواء سلبا أو إيجابا. ومن هذه الشخصيات شارل ديغول الرئيس الفرنسي السابق، شارل ديغول الذي يعتبر مؤسس الجمهورية الفرنسيةالخامسة.
ولد ديغول عام 1890 في مدينة ليل الفرنسية لاسرة كاثوليكية محافظة، وكان والده معلماً للتاريخ والادب. دخل كلية (سان سير) العسكرية، وتخرج منها ضابطاً عام 1912 وهو في الثانية والعشرين من العمر، ولقد شارك في الحرب العالمية الاولى وجرح اثناءها عام 1914 ومن المفارقات ان رئيسه المباشر في تلك الحرب كان الجنراك (فيليب بيتان) الذي اصبح في الحرب العالمية الثانية العدو الاول له وذلك بسبب تحالف بيتان مع الالمان.أسر عام 1916 من قبل الالمان ومكث في الاسر سنتان ونصف، اي حتى انتهاء الحرب وتوقيع الهدنة.
حين اندلاع الحرب العالمية الثانية كان ديغول عقيداً في الجيش الفرنسي وقائداً لسرية مدفعية، الا ان القيادة العسكرية قررت ترقيته الى جنرال، وكلفوه بمهمة صد الهجوم الالماني على باريس، حيث كانت تحت قيادته أكبر فرقة عسكرية في الجيش الفرنسي. الا انه فشل في صد الهجوم الالماني، وغادر فرنسا سراً بعد ان رفض معاهدة الهدنة والاستسلام، ثم سافر الى بريطانيا وقابل رئيس الوزراء ونستون تشرشل، ومن هناك اعلن انضمامه للحلفاء في مواجهة المانيا النازية، على الرغم من توقيع حكومة بلاده اتفاقاً مع الزعيم الالماني ادولف هتلر.ومن لندن اسس ديغول (حكومة فرنسا الحرة) لتكون مقابل (حكومة فيشي) التي كانت قد تحالفت مع الالمان، وهكذا اصبحت لفرنسا حكومتان واحدة تحت سلطة المحتل الالماني ومقرها في مدينة (فيشي) بقيادة الماريشال بيتان، والثانية في انكلترا بقيادة شارل ديغول وانقسمت فرنسا على ذاتها قسم مع (بيتان) والقسم الار مع (ديغول).وكان ديغول قد دخل التاريخ عام 1940 حينما وجه نداءه الشهير الى الشعب الفرنسي قائلاً “ايها الفرنسيون لقد خسرنا معركة، ولكننا لم نخسر الحرب وسوف نناضل حتى نحرر بلدنا الحبيب من نيّر الاحتلال الجاثم على صدره”.
وقد عقدت حكومة فيشي محكمة غيابية لديغول بتهمة الخيانة العظمى، فصدر عليه حكم بالاعدام، الا ان الامر انعكس تماماً بعد ان انتهت الحرب وعاد منتصراً مع جيوش الحلفاء، فقد وجه ديغول تهمة الخيانة العظمى لـ(بيتان) وحكمت عليه المحكمة بالاعدام، مع ان الحكم لم ينفذ لكبر سن (بيتان) حين كان قد تجاوز التسعين من عمره.
ديغول وبريطانيا وامريكا.اثناء الحرب اتفق ديغول مع الحكومة البريطانية على ان تدفع له كل ميزانية حكومته في المنفى، وتغطي جميع نفقات حربها ومقاومتها في فرنسا، واشترط ديغول ان تكون تلك المبالغ على سبيل الدين، وليس هبة او مكرمة، وكان في هذا متحرزاً من ان يطلب منه ثمناً سياسياً مقابلها. قد تعامل الحلفاء مع ديغول باعتباره انه يمثل نصف الفرنسيين وليس جميعهم، وان فرنسا في واقعها دولة مهزومة ومحتلة بالكامل من قبل الالمان، الا ان ديغول الذي كان مبهوراً بتاريخ بلاده وامجادها القديمة، كان يرفض بشكل حازم هذه النظرة، وقد سببت له تلك المعاملة مشاكل شخصية مع حليفيه الرئيسيين البريطاني تشرشل والامريكي روزفلت.
وتذكر بعض المصادر التاريخية ان ديغول رد بغضب على تشكيك تشرشل بتمثيله فرنسا قائلاً “انا اقاوم النازية الى جانب انكلترا ولكن ليس لصالح انكلترا، واتحدث باسم فرنسا ولست مسؤولاً امام أي احد غيرها”.
من جانبه فان الرئيس الامريكي روزفلت قد رأى في فرنسا مجرد دولة مهزومة، وبالتالي ليست شريكاً في تحالف المنتصرين، ونظر الى ديغول على انه مجرد دكتاتور او انتهازي في احسن الاحوال، ولكن ديغول كان كثير الاعتداد بنفسه وببلده فرنسا وعامل الرئيس الامريكي على انه مجرد امريكي مغرور وطلب مرة من تشرشل ان يبلغ روزفلت بأنه لن ينحني ذليلاً امام الامريكان.
ويعتقد بعض المؤرخين ان روزفلت ربما كان يسعى للقضاء على القدرات الصناعية الفرنسية وتهميش دورها في اوربا والعالم، وتحويلها الى مجرد دولة تابعة لـ(الانجلوساكسون) ، لكن ديغول كان شديد الاصرار والتزمت في ان بلاده التي تحررت بفضل الحلفاء، لايمكن ان تكون دولة ثانوية.
هذه النزاعات والخلافات بين ديغول وحلفائه ادت الى فيما بعد الى خروج فرنسا من الحلف الاطلسي، ومحاولة تقربها من الاتحاد السوفيتي، كما ان فرنسا اعترفت وبشكل رسمي بالصين الشيوعية، وقد اعتبرت تلك الاحداث في حينها على انها ضربات دبلوماسية موجهة للسياسة الخارجية الامريكية بعد الحرب.
ديغول في الجزائر
رغم ان ديغول قاتل لسنين طويلة ، وقدم تضحيات كبيرة من اجل استقلال بلاده، وتخليصها من الاحتلال الالماني، وكذلك من هيمنة امريكا وبريطانيا السياسية بعد توقف الحرب، الا انه رفض منح الجزائر استقلالها، وقامت قواته بارتكاب افضع المجازر عام 1945 ففي 8 آيارمن ذلك العام خرج الجزائريون للتعبير عن بهجتهم بانتصار الحلفاء على المانيا النازية، لانهم رأوا في ذلك انتصاراً للديمقراطية على الدكتاتورية والظلم،وطالب الجزائريون باستقلال بلادهم وتطبيق مبادئ الحرية وحق تقرير المصير التي رفع شعارها الحلفاء طيلة الحرب العالمية الثانية، وقد عمت المظاهرات عموم الجزائر وكانت كثافتها في مدينة (سطيف). إلا ان الفرنسيين عاملوا المتظاهرين بقسوة شديدة وارتكبوا مجازراً بشعة بدأت في 8 آيار 1945، حيث استعمل الجيش الفرنسي قواته البرية والجوية والبحرية، وقامت هذه القوات بتدمير قرى بأكملها، واستمرت هذه الاجراءات الفرنسية نحو سنة كاملة واسفرت عن سقوط عشرات الالاف من الشعب الجزائري غالبيتهم من المدنيين والعزل. وكان العكس يجري في فرنسا فقد وسع ديغول من مساحة الحريات السياسية والاجتماعية والمدنية، فمنح النساء حق التصويت في الانتخابات بعدما كان محظوراً عليهن ذلك، ثم قام ديغول بتأسيس الضمان الاجتماعي للفرنسيين من الفقراء وابناء الطبقات المتوسطة. في عام 1946 اضطر ديغول الى ترك السلطة في بلاده، بعد ان اشتبك مع الاحزاب الاخرى في مشاكل عديدة، فاتهم انصاره تلك الاحزاب بمحاولة خلق جو مشحون بالدسائس والمؤامرات ضد ديغول، وبعد تخليه عن السلطة، عاد الى قريته الصغيرة (كولمبي لدو إغليز) ليقيم فيها.
وعقب استقالته توالت عدة وزارات على الحكم، وتميزت تلك الفترة من عمر فرنسا بالاضطراب السياسي، حيث لم تستطع اي من الحكومات المتعاقبة ان تستمر في السلطة لاكثر من عام واحد واحياناً بضعة اشهر، ومع تصاعد الثورة الجزائرية واصلت الاحزاب حكم فرنسا بشكل مرتبك وراحت تتخبط وهي تبدو عاجزة تماماً عن مواجهة الثورة او الحد من تصاعدها، وفي فترة حكم الاشتراكيين بقيادة (غي مولييه) وفشلهم في السيطرة على الثورة الجزائرية، لم يجد الفرنسيون بداً من اللجوء مجدداً لديغول وذلك بعد حوالي 12 عاماً من خروجه من السلطة. وبعد تردد لم يدم طويلاً وافق ديغول على تولي السلطة من جديد لانقاذ بلاده من المستنقع الجزائري، وهكذا تسلم ديغول السلطة من جديد مؤذناً بقيام ما تسمى (الجمهورية الخامسة) عام 1958 حيث حاز على حوالي 80 بالمئة من اصوات الشعب الفرنسي كما فاز حزبه (الوحدة من اجل الجمهورية) بـ200 مقعد في البرلمان الفرنسي وفي بداية الامر وعد ديغول الشعب الفرنسي بأنه لن يتخلى عن الجزائر وفعلاً فقد بذل كل ما بوسعه لتنفيذ وعده وجرب جميع الخيارات المتاحة لكنه فشل، الامر الذي اضطره لاعلان ان ليس هناك حل او خيار امام فرنسا سوى الانسحاب من بلد ظلت تحتله قرناً ونصف القرن، وتصفه بأنه فرنسا الجنوبية.وقد وجه “اليمين المتطرف” اتهاماً لديغول بالخيانة العظمى، بسبب تخليه عن الجزائر، وحاولوا اغتياله ثلاث مرات، الا انه في النهاية وقع قرار استقلال الجزائر مع اعضاء جبهة التحرير الوطني الجزائري.
وفي 24 من ايار 1968 اعلن شارل ديغول عن استفتاء حول جملة من الاصلاحات الاقتصادية والاجتماعية والجامعية بعدما عمت شوارع باريس ومناطق فرنسا الاخرى المظاهرات المناوئة لتلك الاصلاحات، ثم اجل ديغول موعد الاستفتاء الى يوم 27 نيسان 1969 بناء على اقتراح من رئيس وزرائه (جورج بومبيدو) لمصادفة الفترة مع الانتخابات النيابية، وقد صرح ديغول انه في حالة عدم موافقة الاكثرية من الشعب على اصلاحاته فأنه سوف يستقيل، فظن الكثيرون ان تلك التصريحات غير حقيقية والمراد منها في حقيقة الامر كسب عواطف الشعب الفرنسي لقبول اقتراحات ديغول الاصلاحية.
جرى الاستفتاء في الموعد المحدد وكانت نتيجته ان 52 بالمئة رفضوا الاصلاحات بينما وافق عليها 48 بالمئة.
وبعد عشر دقائق بعد منتصف تلك الليلة صدر بيان موجز عن ديغول سمعه الفرنسيون والعالم وجاء فيه حرفياً: “اعلن توقفي عن ممارسة مهامي كرئيس للجمهورية. يصبح هذا القرار نافذا عند ظهر اليوم:29/نيسان/1969 ذهب شارل ديغول الى قريته الصغيرة ليقضي سنته الاخيرة حيث توفي في السنة التالية (مساء 9 تشرين الثاني 1970) بعد عمر ناهز الثمانين، وقد ترك ديغول وصيتين نادرتين وهما:
الاولى: الا يحضر جنازته رؤساء ولا وزراء ولا سياسيون
الثانية: الا يُحفر على قبره الا ما يلي :”شارل ديغول 1890-1970″.وبهذا أسدل الزمن الستار عن شخصية غيرت الكثير الكثير في مجرى التاريخ محليا”في بلده فرنسا” وعالميا وأثرا سلبيا في موقفه من قضية إحتلال الجزائر وإرتكاب مجازر وحشية أزهقت أرواح مايقارب المليون والنصف من الشهداء فضلا عن الخراب والدمار الذي لحق بالبلد،بالرغم إنه وافق مرغما على استقلال الجزائر ولكن”بعد خراب البصرة”مثلما يقول المثل العراقي.
حسن السراي- بغداد



















