فنان المَّايلْ آرت.. صورة قلمية مُقْرَبة للمغربي بنيونس عميروش:
خطاب سياسي مُضمر يجهز على الأدب والفن
فيصل عبد الحسن
الصورة في حياة وبحوث ومقالات الفنان بنيونس عميروش لها قيمة كبرى، فالصورة وتلويناتها والأصغاء لما تبثه في داخله من موسيقى كانت دوماً ملهمته في كل ما مارسه خلال العقود الثلاثة الماضية في مجاله الفني. يقول عميروش في أحد مقالاته عن الصورة والتصوير، أن أحد أسماء الله تعالى هو” المصور” وقد ورد الأسم وصفاته والفعل المشتق من التصوير في آيات قرآنية كثيرة: كقوله تعالى “هو الله الخالق البارئ المصور” الحشر 24 وقوله تعالى: “هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء”، آل عمران 6، وعن أكتمال خلق جدنا آدم على نبينا وآله وعليه السلام ــ نحن البشر ــ يقول سبحانه وتعالى ” ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا”، سورة الأعراف، آية 11.
الحس الحرفي
بنيونس عميروش الذي ولد عام 1960 في مدينة وجدة، ونهل من فضاءات هذه المدينة ومن تأريخها، وحضارتها، فهي تقع إلى الشرق من المغرب قريباً من الحدود الجزائرية، وهي ايضاً ليست بعيدة عن البحر الأبيض المتوسط إذ لا تبعد عنه سوى ستين كيلومتراً.
وما تحمله تسميتها بوجدة من أرث تأريخي، فقد سميت هذه المدينة بهذا الأسم، لأن المغاربة الذين تابعوا “سليمان الشماخ ” قاتل مولاهم إدريس الأول، الذي أسس إمارة مستقلة عن الدولة العباسية، فعثروا عليه في تلك الربوع في رحلة عودته إلى بغداد بعد أن أنجز مهمة تسميم المولى إدريس الأول بمسواك مسموم، التي وكلت إليه من قبل العباسيين.
تجد اصداء هذا التأريخ في الكثير من اعمال الكولاج لهذا الفنان، كما تجدها فيما عمله من تجميع لصور من التراث المغربي القديم، وما عرضه من لوحات في معارضه التشكيلية في الكثير من المدن المغربية وما قدمه من بحوث.
الفنان عميروش، الذي عمل أستاذاً في جامعة المولى إسماعيل بكلية الآداب والعلوم الإنسانية في مدينة مكناس للفترة بين سنتي 2004 و2010 وقد درس لطلبته مواد الفنون التشكيلية وتأريخ الفن الحديث.
أجاب عن سؤالنا عن سر اعجاب طلابه واصدقائه الفنانين بمحاضراته وأعماله الفنية، فقال: أظن أن الأمر يتعلق بسيرورة طبيعية وشخصية أكثر من تبني موقف.
هي الصورة التي يراني عليها أصدقائي من المبدعين والكتاب وبخاصة المقريين مني والذين أتعامل معهم بدون تكلف وبكل أريحية. فقط، أصبو إلى أن أكون صادقا مع نفسي ومع الآخرين، كما أحب أن أكون صادقا في اشتغالي إن على مستوى الفعل التشكيلي أو على صعيد الفعل النقدي الذي أعتبره هو الآخر شكلا من الأشكال الإبداعية، في الوقت الذي أعيد فيه بناء وقراءة العمل الفني عن طريق اللغة التي أعشق أَدَبِيَتَها.
أحاول من جهتي الإسهام في انتعاش الخطاب التشكيلي والأدبيات الجمالية الموصولة بالمجال البصري عموما. مع الوقت، من الطبيعي أن يحس الواحد منا بمسؤولية ما يُنْجِز، فيمسي محكوما بالحس الحِرَفي الذي يجعله غير متسامح حتى مع نفسه. “
الطفرة الرقمية
عميروش الذي كان رئيساً لجمعية “أنفاس” للفنون التشكيلية بمكناس للأعوام (1992 – 93، 95 – 96)، ولايزال عضواً نشيطاً بعدد من الجمعيات الثقافية المغربية ومنها: ” الجمعية المغربية للفن الفوتوغرافي، اتحاد كتاب المغرب، عضو شرفي بجمعية الباحثين الشباب في اللغة والأدب بكلية آداب مكناس، جمعية نقاد الفن بالمغرب.
يرى أن التكوين الفني في المدارس والمعاهد والكليات بالمغرب ينبغي تطويره، والعمل على الأستمرار فيه وعدم منعه كما حدث في الفترة السابقة من قبل الوزير السابق للتربية “محمد الوفا”، فالفنان مهموم بالأجيال القادمة من محبي الفنون، يقول عن ذلك: ” نعرف جيدا مدى تسارع تقدم التكنولوجيا التواصلية التي تتخذ فيها الصورة قطب الرحى، بعد أن تلاشت الحدود بين الفنون، وصارت فنون التشكيل متداخلة مع كافة الأجناس الإبداعية الأخرى، وصرنا في مواجة استفاقة يقظة للوسائط التعبيرية المنحدرة إلى ما بعد أواسط القرن الماضي: التجهيز أو المُنْشَأة installation، الأداء المشهدي أو المُنْجَزَة performance، الهابنينغ happening، التراكيب السينوغرافية، الفوتوغرافيا…
ومع هذه الطفرة الرقمية التي فَعَّلت الانتقال من الكيميائي إلى المغناطيسي، صرنا نُجابِه بأنماط فنية جديدة تدخل في إطار فنون التِّقانَة والفنون التيكنولوجية: الصورة الرقمية، الأنفوغرافيا infographie، أعمال الفيديو الثلاثية الأبعاد، المُنْشَآت التفاعلية، الأنفوسينوبلاستي، أشكال التيكنوكلر…
هذه بعض المبتكرات التي أضحت تسم الإبداعات التشكيلية و الفنون البصرية كافة، بقدر ما أمست من المداخل الأساسَة في إنجاز تصاميم التلاؤمية (الديزاين) والإشهار والصناعات الإبداعية على وجه العموم.
من هنا وجب التساؤل عن موقع كل ذلك في منظومتنا المدرسية وحتى الجامعية. إذا كان وزير التعليم السابق (محمد الوفا) قد أقصى التربِيَتَيْن التشكيلية والموسيقية ضمن تخصصات المراكز الجهوية لمهن التدريس، مما يؤدي إلى تقليص فرص استفادة التلاميذ من التعليم الفني ويعمل على مضاعفة ضحايا الحائزين على باكالوريا الفنون التطبيقية، فإن الجامعات المغربية تظل مفرغة من كليات الفنون الجميلة التي يمكن أن تتيح لهؤلاء الحصول على الإجازة والدكتوراه، علما أن التكوين الجيد والعالي في الفنون مرهون بوزارة التعليم العالي كسائر المسالك الأدبية والعلمية كما هو الشأن في الأقطار العربية وفي العالم.
وإذا كان المعهد الوطني للفنون الجميلة بتطوان، التابع لوزارة الثقافة، يحاول جاهدا تطوير دفاتره البيداغوجية، وحقق للطلبة المتخرجين مطلب معادلة الدبلوم بشهادة الإجازة، فهل يستطيع أن يستوعب الطلبة المقيمين في مختلف الجهات الشرقية والجنوبية من البلاد مثلا؟ أعتقد أن تكافؤ الفرص مرتبط بالديمقراطية الجغرافية أيضا.
في هذا السياق نأمل نجاح مشروع “المدرسة العليا للفنون التطبيقية” بكلية ابن مسيك سيدي عثمان بالدار البيضاء، والتي تم الإعلان عن شروعها في استقبال الطلبة بداية من الموسم الجامعي المقبل.
أشير في هذا الصدد إلى أننا أصبحنا نلاحظ اليوم خطاباً سياسياً مُضمراً يتجه نحو الإجهاز على الأدب والفن بدعوى لا جدواهما في سوق الشغل، وقد عايَنْتُ مدى إحساس تلاميذ الشعب الأدبية بالدونية في الثانويات بخاصة…
والإجهاز على الأدب يلحقه الإجهاز على الفنون باعتبارهما الشقيقَيْن اللذيْن يصنعان وجدان الأمم وحضارتها. وعليه، فإن الرُّقَي بالتكوين الفني رهين بالقرار السياسي الذي يمتلك الوعي بِأن كليات الفنون لا تقل أهمية عن كليات العلوم. بل وجب التذكير بأن للفنون علومها (علوم الفن) التي تدرس في كبريات الأكاديميات والمعاهد والجامعات العالمية.
المَّايلْ آرت
بنيونس عميروش مترجم ومؤلف للعديد من المقالات والدراسات المتعلقة بالفنون التشكيلية، وما يتعلق بالصورة عموماً، وكتابه “معجم الفن المعاصـر” يعد احد الكتب الفنية المهمة التي صدرت في المغرب في السنوات الأخيرة، يقول الفنان عن فهمه للفن التشكيلي وتجسيده للجمال:
” تتصاعد قيمة الجمال ونُحِسُّه أكثر حين نقارنه بالاجَمال. الأوضاع والمَشاهد والإشارات والعلامات في تشابُكها وتقاطعها وتناقضها، هي ما يضاعف مسألة الإثارة التي تجعل المتلقي في حالة ذهنية متفاعلة ومُتسائِلة.
لعل ذلك ما ينبغي أن ترمي إليه اللوحة وليس تقديم أجوبة أو حلول. فيما تنفتح على تعدد القراءات والتأويلات التي بدورها تنضاف للعمل ككل وتُكَمِّلُه.
لذلك تجد مناظر وعناصر دلالية مقلوبة ومنزاحة استناداً إلى مفهوم تحويل الصورة ومنحها وِجهة جديدة وغير مألوفة مع قدر من التجريد، من ثمة تحويل العالم المرئي بكل الإمكانات المُتاحة على صعيد المرجع والدلالة كما على صعيد المتعارف من المفاهيم، دون الإخلال بالنُّظُم التشكيلية التي تستدعي الكفاية الحِرفية والمعادلات المحسوبة. ذلك أن التلقائية المفرطة الخالية من أي عقلنة تِؤدي إلى الفجاجة في الغالب الأعم.
عميروش الذي حاز على جائزة لجنة التحكيم بالصالون الدولي السادس للفن المعاصر حول الموسيقى، في مدينة أنجو بفرنسا العام 1996، ونظم عدة معارض فردية و شارك في العديد من المعارض و اللقاءات الفنية بالمغرب و خارجه، أجاب عن أسرار أهتمامه بالبياض والسواد في لوحاته:
” أول ما تقوم به القماشة العذراء، هو الغواية الكامنة في استقطاب السواد، باعتباره المرشح الأول لإشباع البياض، على اعتبار الكون نور والكائنات ظِلال. على الأقل كما تَتَمثَّل العينُ العالَم. في عملي القائم على التقنية المختلطة والكولاج أساسا، فإن الجَوَّ البصري العام الذي تفرضه الإلصاقات الأولية هو المُوجِّه الرئيس في تحديد الألوان.
فحين أنتقي فوتوغرافيات باللونين الأبيض والأسود، أكون مضطراً للتعامل مع زَمنِها البُطولي، فأكتفي بإضافة القليل من الأحمر (أو أي لون آخر بحسب السياق البصري) حتى لا أُضْعِف التضادات الأنيقة والمعبرة وخاصة القوية التي وحدهما الأبيض والأسود القادران على بلوغ درجاتها القصوى. مع التذكير بأن الأبيض يستوعب جميع الألوان في حالته الضوئية، بينما يشكل الأسود انعدام اللون، أي العدم.
لقد رأينا أيضاً اهتمام الفنان بالطوابع البريدية، التي جسدها في العديد من لوحاته، فوضح أسباب هذا الأهتمام قائلاً: ” المسألة تتعلق بطريقة تعبيرية من خلال الأظرفة البريدية المفعمة بالدلالات الإنسانية والنوستالجية وبالقيم التوثيقية، من حيث هي وسيلة تواصل ورقية ومادِّية، مما يجعل مُدَّة حياتها أطول.
ناهيك عن بعدها الجمالي المُحَمَّل بالآثار: طوابع البريد، طوابع الختم، العلامات، الكتابة… ذلك ما دفعني لانتقاء وتجميع ما أحتفظ به من أظرفة لإعادة تركيبها، أو لإعادة معالجتها تشكيليا، بناءً على تكثيف الكتابة (كتابة سريعة لقصائد بعض الشعراء) وإضافة طوابع بريدية من صنيعي، وهي في الأصل صور لبورتريهات صغيرة لفنانين (فنانون من العوالم التشكيلية والموسيقية…) من المغرب والعالم. وإذا كان الأمر يتعلق بطرح شيئ كما تفضلت بالسؤال، فكأني أقيم تكريماً رمزياً للفنانين عبر الطوابع البريدية، كما تفعل مِؤسسات الأمم المتقدمة بمبدعيها وأدبائها إيماناً منها بإصرار هؤلاء على نشر الفكر والقيم الراقية والنبيلة في المجتمعات، وهو الفِعل الذي ليس في مَقْدُرة السّاسة على كل حال.
يبقى أن أشير إلى أن استثمار الأغلفة البريدية في فن التصويرLa peinture عُرِف منذ ستينيات القرن العشرين في العالم الغَرْبي مع تيار “المَّايلْ آرت” الذي يمكن ترجمته بـ”الفن البريدي”.
























