
كتاب النقد الثقافي.. رؤية القاصد
فتح الآفاق لقراءة معرفية وجمالية جديدة – منذر عبد الحر
حين وصل حقل النقد الأدبي إلى مفترق الحيرة في التعامل مع النص، بدأ المجتهدون فيه بخطوات معرفية لإنقاذه وبث الروح فيه مستنبطين كشوفاتهم من كل العوامل التي تؤدي إلى إنجاز أي عمل أدبي، ولاسيما النص الشعري، فجاء النقد الثقافي منطلقا من رؤية شاملة للنص، باعتباره إنتاجا معرفيا وثقافيا نابعا من علاقات متنوعة مع ظروف بيئية واجتماعية تحقق لغة خاصة واداء مرتبطا بنسيج الفرد الفاعل ضمن مجتمعه.
هنا، يمكن الإعلان عن إلغاء نظرية موت المؤلف التي ذاع صيتها وأخذت من النقد ما أخذته، وكذلك وضمن تصور ( النقد الثقافي) فقد فقدت آفاق ومستويات التعبير النقدي المنبثقة من مدارس محددة عدم قدرتها على التفاعل والتعامل مع النص الأدبي بكل جزيئات جمالياته ودلالاته وقيمه أيضا…
ولعل النقد الثقافي الذي جاء كرد فعل على البنيوية اللسانية، و السيميائيات، والنظرية الجمالية، التي تعنى بالأدب باعتباره ظاهرة لسانية شكلية من جهة، أو ظاهرة فنية وجمالية ، بدأ في الغرب في ثمانينات القرن العشرين ليكون توجها يلامس حقبة ما بعد الحداثة ، وقد كُرّس كمصطلح مع بداية تسعينات القرن الماضي مع الناقد الامريكي ليتش حيث أصدر عام 1992 حيث أصدر كتاباً بعنوان ” النقد الثقافي – نظرية ادب لما بعد الحدثة ” ، وقد يطول الحديث ويتشعب عن المديات التي اشتغل عليها هذا التحوّل المهم في عملية النقد الذي اعتاد العم وفق مناهج ونظريات نقدية ، لم تستطع الوصول إلى أغوار النص ودلالالته المختلفة ، لذلك جاء النقد الثقافي مخرجا مما أسماه المتابعون بأزمة النقد ،
على الصعيد العربي يكون عبد الله الغذّامي الناقد والمفكر السعودي من المبكرين الذين اشتغلوا بجدية وفق هذا التوجه و قدم جهدا لافتا في هذا المجال، واستفاد من طروحات الفكر الغربي، إضافة إلى التحليلات والاستنتاجات الاجتماعية التي قدمها عالم الاجتماع العراقي الدكتور علي الوردي…
نفد ثقافي
أما في العراق فإن هناك جهوداً نقدية ، لم تشخّص من قبل كتابها على أنها نقد ثقافي ، لكنها دخلت أجواء هذا التوجه بتعاملها المختلف مع النصوص الأدبية ، التي فرض بعضها نفسه على الاختيار غير التقليدي للقراءة ، وأعني هنا كتابات الحداثة في ألوان الأدب كافة ، وقد أورد هنا أنموذجا نصيا أثار ضجة وجدلاً أدبيا في حينه – منتصف ثمانينات القرن الماضي – وهو النص السردي “رؤيا البرج ” للمبدع محمد خضير ، حيث تناوله بعض النقاد بقراءات غير تقليدية ومنهم الاستاذ عبد الرحمن طهمازي والدكتور مالك المطلبي .، ونقاد قلائل غيرهما .
لا أريد التوسع هنا في العمق التاريخي ، وجذور نشأة النقد الثقافي في العراق ، لأنني بصدد قراءة ما أنجزه الشاعر والباحث المثابر المجتهد الدكتور حسين القاصد في كتابه الجديد ” النقد الثقافي – رؤية جديدة ..الصورة الثقافية والتشبيه الثقافي في الشعر العربي ” ..
الشاعر حسين القاصد لم يفاجئني شخصيا بكتابه هذا ، لأنني أعرفه شاعرا مختلفا ، وباحثا يقف طويلا عند الثوابت ليعيد تشكيلها وقراءتها وفق فهمه العميق لها ، لذلك بدا في بعض آرائه ومواقفه الثقافية بعيدا عن أقرانه من المتكئين على قناعات وثوابت يعتقدون أنها لا تناقش ، وأنها ركائز ومسلّمات ، بينما أعاد القاصد تفكيكها والبحث المعمّق الواعي فيها ليعطيها البعد الذي يراه هو مناسبا ، وعلى هذا الأساس فقد قدّم مؤلفات تبدو مشاكسة لما اجترحته من موضوعات مسكوت عنها ، أو يتم تجنبها من قبل الباحثين والنقاد ، وأعني هنا كتبه ” الناقد الديني قامعاً ” الذي صدر عن دار الينابيع في دمشق عام 2010 ، ” والنقد الثقافي ..ريادة وتنظير وتطبيق – العراق رائدا – “عن دار التجليات في القاهرة عام 2013 ، وقد تم اعتماده ضمن منهاج الدراسات العليا في إحدى جامعات الجزائر ، وكتابه ” القصيدة الإعلامية في الشعر العراقي ” وهو ضمن إصدارات مشروع بغداد عاصمة الثقافة العربية ، وتم اعتماده ضمن منهج الدراسات العليا في جامعتي البصرة وذي قار ، ثم كتابه ” الجريمة الثقافية في العراق ، علاقة الشاعر والسلطة وأنساقها المضمرة ” وقد صدر هذا الكتاب عن دار عدنان في بغداد عام 2016 ، إضافة إلى عشرات البحوث ، وكل هذا العطاء ينطلق من الرؤية الذاتية المبدعة للنقد الألفها الدراسات السابقة المنشورة ضمن هذا الحقل النقدي الحديث المثير للجدل .
تبدأ سيمياء قراءة الكتاب من عنوانه ، الذي يبني معماره بدقة متناهية ، ودلالات تكون أحيانا واخزة للآخرين ، فالإهداء جاء إلى ” عميد الأدب العراقي ..العلامة الأستاذ علي جواد الطاهر ..الذي قال عنه المؤلف ” شكراً لأني أراك كل يوم !! ” وهذه الإشارة تستدعي وقفة وتأملاً وقراءة عميقة واعية تشير إلى المؤثرات النقدية التي تركها الراحل علي جواد الطاهر في العملية النقدية ، لا على الصعيد المحلي حسب ، وإنما على الصعيد العربي ، ولاسيما في المملكة العربية السعودية حيث زرع بذورا أثمرت عطاءات مهمة يعود الفضل فيها إلى علمه وقدرته على تقديم الدرس النقدي بأسلوب متفرد مميز .
يذكر الدكتور حسين القاصد في مقدمته ” بعد كتاب ” النقد الثقافي ريادة وتنظيرا وتطبيقا – العراق رائدا ” وكان ردا على ” سرقات الغذّامي ” من عالم الإجتماع العراقي الدكتور علي الوردي ، وعميد الأدب العراقي العلامة الدكتور علي جواد الطاهر ، والعلامة الدكتور محمد حيبن الأعرجي وآخرين من كبار النقد والأدب في العراق ، وقد ناقشتُ فيه أوهام الغذّامي من تأنيث القصيدة وما إلى ذلك ، والكتاب عُّدَّ الأول في النقد الثقافي في العراق بحسب الناقد الدكتور سمير الخليل حيث قال في مقدمة كتابه : كان أول من ألّف كتابا مختصا بالنقد الثقافي هو حسين القاصد ثم تلته الدكتورة بشرى موسى صالح ثم هو ” سمير الخليل ” .
ذكرتُ هذا المقطع من المقدمة ، ليكون شهادة على قضيتين ، الأولى ريادة القاصد باعتبار أحد أعلام النقد العراقي ” سمير الخليل ” والقضية الثانية ما فعله عبد الله الغذّامي متجاهلا هذه الأسماء الكبيرة التي أشار إليها القاصد ، وهذا الأمر يصبّ في الحرص على الأمانة الثقافية والتاريخية والأخلاقية التي لابد أن ندرك خطورتها ، وما قاله القاصد لم يكن مرتجلاً ، أو منفعلاً أو متعصباً مدافعاً عن أساتذة أجلاء ، ممن يعدّون ركائز مهمة في نسيج الهوية الثقافية والمعرفية للعراق ، ولا أبالغ إذا قلت الهوية العربية بأبهى صورها ، واللافت هنا أن أهمية طروحات القاصد أخذت بها الجامعات المتخصصة وجعلتها ضمن مناهجها للدراسات العليا ، وهذا دليل على بعدها العلمي الدقيق ، وطرقها جوانب مهمة لا بد أن تغنى بالدراسة والبحث والتعمق فيها .
أما الذين انزعجوا من انتقاد القاصد للغذّامي ، فهم القابعون خلف أسوار قناعاتهم المتحجرة أمام أصنام الثوابت ، والذين يرون في طروحات الغذّامي مسلمات يجب أن لا تعبث بها القراءات المختلفة ، وكان عليهم أن يذهبوا للحوار العلمي الهادئ وأن يناقشوا القاصد في ما ذهب إليه بأدلته العلمية الدامغة ، وفي قراءته المتأملة الفاحصة في طروحات الغذّامي ، الذي أقدّر أنا شخصيا جهوده الجبارة في مجال النقد الثقافي ، ولكن التصحيح العلمي الناضج لبعض طروحاته لا يعد مثلبة في مساره ولا عيبا في مسيرته ، لكنها الأمانة العلمية ” يقول القاصد في ” التوطئة ” : للغذّامي آراء شخصية أطّرها بإطار التساؤلات في مقدمة كتابه ” النقد الثقافي ” الصادر عن المركز الثقافي العربي ، ومنحها شرعية التعميم والشمولية وهي في حقيقة الأمر نتائج أوهم بها نفسه قبل القارئ ( هل جنى الشعر العربي على الشخصية العربية ؟ هل هناك أنساق ثقافية تسربت من الشعر وبالشعر لتؤسس لسلوك غير إنساني وغير ديموقراطي ، وكانت فكرة ” الفحل” وفكرة ” النسق الشعري ” وراء ترسيخها ؟ ” …
ثم يواصل القاصد فحصه لطروحات الغذّامي في مقطع آخر من التوطئة فيقول ” .لقد أسقط عبد الله الغذّامي كل ما قرأه من كتب عالم الاجتماع العراقي الدكتور علي الوردي على الشعر ليجعله سببا في السلوك الشاذ وسببا في العيوب الاجتماعية وتفشيها ، متناسيا أن الدكتور الوردي كان بصدد أسطورة الأدب الرفيع ، لا بصدد تحميل الشعر مسؤولية السلوك الاجتماعي الشاذ “
اخر الدلائل
إلى آخر الدلائل والإشارات التي تتحدث عن الأخطاء الفكرية وحرف الدلالة عن هدفها من أجل ترسيخ قناعة ذهب إليها عبد الله الغذّامي في طروحاته ، واعتمدت كمسلّمة في النقد الثقافي من قبل متابعيه وقرّائه ، وعليه جاء تصحيح الدلالة من خلال طبيعة النص المكتوب للوردي الموجّه نحو قضية مختلفة عما أراده الغذّامي في المحمولات التي ذهب إليها .
ثم يوضّح الدكتور حسين القاصد الأبعاد الفنية والاجتماعية التي ذهب إليها الشعر من خلال نماذج منتخبة وآراء دقيقة ، ليأخذ بأيدينا إلى رؤيته الجديدة في النقد الثقافي ، فيتحدث عن الصورة الشعرية قائلا عنها ” ليس بالتشبيه الفني المعروف سابقا تبنى الصورة الشعرية ، فهناك ما هو ثقافي ويؤثث صورة رائعة ليس من مقوماتها التشبيه ، من هنا لنا أن نجترح الصورة الثقافية وأنواعها ” .
ثم يضع لنا أربعة أنواع للصورة ” الثقافية” في الشعر ، مستشهدا بنماذج وقراءة دالة على كل نوع من الأنواع وهي ” الصورة اللغوية ، والصورة التوضيحية ، والصورة النفسية ، والصورة الفلسفية ” ، ثم يأخذنا إلى فصل مهمة مثير هو ” كسر أفق التوقع الثقافي ” مبتدئا بسؤال دالٍ على مسعاه في هذا الفصل ، والسؤال منطلق من بيت شهير للمتنبي ” ما كل ما يتمنى المرء يدركه ….تجري الرياح بما لا تشتهي السفن ” أما السؤال فهو ” ماذا لو اتفقت الرياح والسفن ؟ ” هنا يكمن أفق التوقع الثقافي ، الذي يأتي كسره ملمحا قرائيا لنماذج اختارها القاصد بدراية ووعي ليؤكد هذا المنحى من النقد الثقافي ..أما الفصل الآخر فيحمل عنوان ” الإيقاع في النقد الثقافي ” يقول في مستهله ” لن أذهب باتجاه الإيقاع المتعارف عليه في البلاغة والأسلوبية والنقد الأدبي ، أنا بصدد قراءة الإيقاع بعين النقد الثقافي وأحسب أنها قراءة غير مسبوقة ” وفي هذه القراءة يذهب بعيدا عن توقع النقاد والمعنيين ، فهو يناقش قصائد مغناة تحوّلت إلى دلالة أخرى بارتباطها بالموسيقى وحققت التأثير الأبلغ في بعدها هذا ..ثم يأتي على فصل في غاية الأهمية وهو الإيقاع ونسق الاتكاء الثقافي ، وهو مبحث ذكي جميل يتمثل باستغلال نجاح النص المعروف والبناء وفق آلياته ومرتكزات نجاحه .ثم يأتي إلى فصل الإيقاع بوصفه خادعا ثقافيا ، حيث اعتماد المفاهيم والمعاني السائدة ، والبناء الإيقاعي عليها ” جعلها شعرا موزونا” لتحقق تأثيرا أوســـع..
بصراحة ، قدّم لنا الدكتور حسين القاصد في كتابه هذا مفاتيح مهمة للتوسع في كل باب فتحه ، فكل فصل أو مبحث هو مفتاح كتاب كامل مهم مثير مبدع في النقد الثقافي ، وأكتفي هنا بالعرض الموجز للكتاب على أمل قراءته بالشكل الموسّع الذي يستحقه .























