غرائب يسردها القاص بلغة مباشرة

غرائب يسردها القاص بلغة مباشرة

تحليل نفسي لنمو المشاعر العدوانية

أحمد زكي الأنباري

مجموعة قصصية للأديب الباحث : جواد عبد الكاظم محسن صدرت المجموعة عن دار الفرات للثقافة والإعلام في الحلة (1437هـ / 2016م) ، ضمت المجموعة سبع عشرة قصة هي : (العرّافة ، وبها سمّيت المجموعة ، الفتاة الغريبة ، الرحيل إلى السماء ، أحلام خطيرة ، علاوي ، بائع النفط ، صدق ، كفي بالأجل حارسا ، من مقالب السراج ، مفارقة ، واحدة بواحدة ، الجار الغريب ، لن يضيع الخير ، الصورة ،كاتم الأسرار، الرجل المبصر، الفلاح والغيمة) .

قبل الدخول إلى فضاء المجموعة من المهم أن نلاحظ بأن هذه المجموعة تنتمي في مجملها إلى الثمانينيات من القرن الماضي ،وعليه علينا أن نأخذ بالحسبان نمط الكتابة القصصية في تلك الفترة وتقنياتها الأسلوبية ، واضعين نصب أعيننا أن القصة نص خاص ، قائم على مشابهة الواقع ، وهي كالشعر في صنعها للصور الفنية ، وقصص المجموعة يجمعها قاسم مشترك أعظم ، هو أن كل قصة منها لها هدف انطلق إليه القاص مستعينا بأدواته الفنية ورؤاه ، التي شكلت المعمار الفني لكل قصة منها ، من حيث الوحدة والتكثيف والدراما ، كما أن هناك سمات مشتركة بين قصص المجموعة فاللغة فيها بسيطة نقية واضحة متدفقة ، ولها انسيابية في سردها ، وتعاملها بايجابية مع وجدان المتلقي ، الذي يشده إلى هذه القصص المتعة والمعرفة الإنسانية ، وهي تعالج الأحداث بصورة مباشرة ،أي واقعية ا وان يتدخل خيال القاص لينتج نصا لا يصعب وجود مثله على ارض الواقع ،لاسيما في القصة الأولى التي حملت اسم المجموعة عنوانا لها ( العرّافة) و( أحلام خطيرة) .

قصة (العرّافة) حلم يستبطن فكرة ذكية تقنعت برمز واضح ، وغاص عميقا في خلجات البطل الذي وجد في الحلم حيزاً أمينا للتعبير عن معاناته من خلال الرمز الذي جسد دوافعه ورؤاه المقموعة في واقعه ،ودور العرافة التي هي على التطلع إلى معرفة المستقبل ، أما قصة (الفتاة الغريبة) فقد سردها القاص بلغة مباشرة وهي قصة واقعية ، دون أقنعة أو خيال ، حضرت فيها المعاناة الإنسانية ، من خلال معاناة البطل علاء الذي تحمل ما لم يكن يتصوره، ومن خلال المتابعة والقراءة المتأنية لأحداثها التي انصهرت بحدث واحد ، هو السلوك المختلف للإنسان الذي يطمح أن يبني وطنا بفكره وإنسانيته، وبين جلاد لا يرى وجها للتفاهم ، إلا من خلال العنف والتنكيل بالضد النوعي له، دون أن يعلم بأنه قد تسوقه الأقدار لشكر ضحيته.

أما (الرحيل إلى السماء) ، وظف الموروث الشعبي ومعتقداته ،من خلال الحاج علوان الذي يرمز إلى بقايا الماضي ، وهو يعايش حرب الحاضر العبثية التي فقد فيها ولده وعقله ،في هذه القصة تعددت فيها الأصوات إضافة لصوت السارد نستمع لصوت الحاج عمران والمختار وملكة ، وفيها الحوار شغل حيزا منظورا في السرد ، أما قصة (أحلام خطيرة) فهي قصة قصيرة إذ امتدت على صفحة واقل من نصف الصفحة، ورغم قصرها فهي اتسمت بنضوج صياغتها الفنية وكثافة رؤيتها ، انطلقت إلى الهدف برمزية استبانها القاص في رؤى تعكس معاناة الواقع الذي يعيشه الإنسان ، وهو محاصر بأعين الرقباء الذين يرون الأحلام خطيرة.

حاول السارد في قصة (بائع النفط) أن يعرض لصورة من صور الطفولة المنتزعة من طبيعتها ، وزرعها في حقل غير حقلها ، نتيجة العوز والفاقة والحرمان والحاجة ، والدعوة للاهتمام بالطفولة ورعايتها ، وفي قصة صدق وهي أكثر إلتماعا في المجموعة ، من حيث أسلوب التناول والحبكة الفنية في عرض شخصية البطلة بخلجاتها النفسية وانفعالاتها المؤثرة في الشخصية عند مواجهتها المواقف الصعبة ولو على حساب مشاعره، وقصة (كفى بالأجل حارسا) وظف القاص مأثور كلام أمير المؤمنين علي (ع) إمام البلاغة والبيان والإنسانية ،بحسه الفني ، حيث البسها ثوبها المناسب، بقدرته على الإثارة وشد المتلقي إلى القصة والشغف بها.  و(من مقالب السراج) تمتعت بالقدرة الفنية على صياغة الحدث، الذي يؤسس للدهشة في نفس المتلقي بأسلوب التداخل السردي، بحيث يشعر المتلقي أن هناك قصتان : قصة قاسم السراج والازدحام ، وقصة النملة والحصان ، وهي قصة مفارقة قصة جميلة ، كشف القاص فيها أن التجربة اصدق معيار للاختبار والحكم على سلوكهم مع الآخرين ،وقصة (واحدة بواحدة) تغوص قي عمق التفكير الإنساني في اللحظات الحرجة التي تتطلب حسما ، وصعوبة الاختيار ،وفيها اشتغل القاص على تبادل الأدوار بين الراوي وبين البطل حيث يتحول إلى سارد ، وبذلك يكون المتلقي أمام قصتين ، يوصلان إلى هدف واحد، وقصة الجار الغريب، عالج القاص فيها السلوك الإنساني المنطوي على ذاته والذي يضع جدارا من القطيعة بينه وبين الآخرين . وفي قصة (الصورة) اشتغل فيها القاص على التحليل النفسي لنمو المشاعر العدوانية نتيجة الحرمان ،وقصة (كاتم الأسرار) لهذه القصة خصيصة متميزة ، لان كلماتها مجللة بالمهابة ، والمرثاة ، تتناسب مع فقدان كاتم الأسرار الصادق ، وقصة (الرجل المبصر) جاءت متميزة عمن سبقها من القصص حيث اعتمد في لغتها تكنيكا حداثويا ، وبرؤية فنية عالية .. وهي تعكس الأمل … والإصرار على الإحساس بالحياة، وقصة (الفلاح والغيمة) اختار القاص أن يكتبها بأسلوب عرفه كتابنا القدامى وهو الحكاية على لسان الحيوان والجماد وحوارها مع الإنسان،وهي قصة جذابة وفكرتها جميلة ، وهدفها البحث عن الاســــتقرار .