عويل الملائكة ـ حسن النوّاب
بعد اسبوع خمد لهيب المعركة الشرسة في جبهة الجنوب وانحسر عدد الجرحى في وحدة الميدان الطبية حتى تلاشى تماما قبل ليلة، سنحت بعدها ايام راحة متقطعة استغل زمان السومري بعضا من وقتها حين يجن الليل بكتابة رسالة طويلة الى نيران، انجزها في غضون ثلاث ليال على ضوء فانوس نفطي ودسّ رزمة الأوراق بمظروف ازرق كبير بعد ان ثبت عليه عنوانها ثم خرج من ملجئه ليصل برسالته الى مسؤول الحانوت حتى يحملها الى بريد المدينة، بينما كان ينقل خطواته الى عجلة الحانوت اعترضت طريقة سيارة عسكرية بدفع رباعي، سمع صوت الآمر يهتف من داخلها
هيا اصعد..
صعد زمان دون اعتراض الى جوار الآمر الذي كان يجلس خلف مقودها وانطلقت السيارة بهما الى شارع إسفلتي يفضي الى المدينة، تناهبت أفكار سيئة رأس زمان للحظات بيد ان ابتسامة الآمر العريضة دعته يطمئن بعض الشيء وتجرأ ليسأله
سيدي.. الى اين تأخذني ؟
في نزهة لن تنساها طيلة العمر
لا اظن ان هناك نزهة جميلة بهذه الحرب
اجل.. عندما نصل الى المدينة ستراها بعينيك
هل بمقدوري ان اودع رسالتي في صندوق البريد قبل ذهابنا الى نزهتك الموعودة ؟
ممكن جدا
سمع ضحكة الآمر تزغرد من فم ثمل، بينما اجنحة قلق عادت ترفرف بنذير سوء في دهاليز دمه، صحيح ان آمره يحمل قلبا طيبا ويحتسي كحولا بإستمرار ولذا يراه بقلب منشرح طوال الوقت، لكن دعوته وصلت فجأة وربما سيجد نفسه بعد قليل في معتقل للإستخبارات العسكرية ويخضع للإستجواب على نشاط سياسي اندثر، كل شيء متوقع في هذه الحرب ومن حكومة مدججة برجال أمن ومخابرات ومخبرين سريين من رأسها حتى اصابع قدميها، هز زمان رأسه طاردا افكارا مرعبة من جوف خاطره واطلق حسرة طويلة جعلت الآمر يعاود الضحك مرة اخرى منتشيا بالخمرة التي تمرح في رأسه ثم قال بثقة
سأجلي كل الهموم من صدرك هذا اليوم
ظلت السيارة تنهب طريقها حتى وصلت الى مدينة ازدحمت ارصفتها بمتاريس وجنود وشوارعها الضيقة بعجلات عسكرية، لما بلغا نهاية شارع يشطر المدينة الى نصفين، توقفت السيارة بجوار مبنى البريد، هبط زمان بسرعة الى داخله وانجز مهمة ايداع رسالته خلال دقائق خاطفة ثم عاد يهرول وجلس الى جوار الآمر واغلق باب السيارة التي انطلقت هذه المرة صوب زقاق ضيق غارق بأوحال ومياه آسنة، مما اجبر الآمر على ابطاء سرعته وبدأت السيارة تتهادى في لجة طين أسود مثل هودج فوق ظهر جمل، تملكت ابتسامة غامضة وجه زمان وقال في سره
تُرى الى اين يأخذني هذا الديك الرومي الثمل ؟
بعد مدة وجيزة توقفت السيارة امام بيت قديم تقشر دهان جداره مثل جسد محترق ازيل جلدا عنه في مواضع متفرقة، هبط الآمر بلهفة ودفع بابا خشبيا مصبوغة بدهان بني، لحق به زمان الذي وجد نفسه يقف في باحة مربعة مكشوفة الى سماء مكتظة بغيوم داكنة، تناهت الى مسامعهم صوت زغرودة حادة انطلقت من غرفة امام ناظريهما في ركن الدار، ثم بزغت امرأة بقوام نحيف ترتدي ثوبا بملمس ناعم وحمرة فاقعة تطرزه لآلىء زائفة، يكاد نهداها البضان ان ينطّان من صدرها الى وجه الآمر الذي فتح ذراعيه واحتضنها بشهوة عارمة وهو يرضع شفتيها المثقلتين بدهان وردي، صعق زمان للمشهد الإباحي الذي حدث امامه قبل لحظات وقبل ان يسترد انفاسه حتى يستوعب كل ذلك، كان الآمر قد رفع المرأة بين ذراعيه ودخل بها الى غرفة في ركن الفناء واغلق خلفهما بابا خشبية زرقاء بينما مكث زمان وحيدا مثل طفل تائه هيمن عليه ذهول، تلفت مستطلعا اركان البيت القديم الذي تنبثق منه رائحة رطبة ممزوجة مع دخان تنور يسجر على سطح الدار، رأى حمامات تقف على سور خشبي يؤطر الباحة من الأعلى حتى طفت ابتسامة عذبة على وجهه حين رأى ذكر حمام يحاول الصعود على انثاه، علق بصوت خفيض
هذا منزل جنسي بمعنى الكلمة.. مادامت كل الكائنات تمارس شبقها في فنائه علنا.
صار يسمع تأوهات الأنثى ولهاث قاس وحار ينطلق من الآمر تتخله ضحكات ماجنة تطلقها غانيته بين شهقة وأخرى حتى شعر ان لهبا يشب في عروق دمه ويوقظ على حين غرة ذكره النائم بين ساقيه، وثمة وهج يشع من عينيه ويستعر في صدره، تحرك كالمأخوذ ليجلس على كرسي من قصب متين، لكنه لم يتمكن من الصمود في مكانه ولهاث المرأة الشبقي بدأ يفيق جوعه الجنسي، نهض كالمفزوع مقررا الفرار وقبل ان يضع قدميه خارج المنزل امسكت بكتفه يد رقيقة وسحبت بجسده الى الباحة مرة اخرى، حين استدار برأسه وجد نفسه امام فتاة في ربيع عمرها تغطي جسدها بقطعة قماش شفافة بلون قشرة بصل أشقر تكشف عن مفاتن جسدها ونهديها الصغيرين العاريين وثمة ابتسامة بريئة مرسومة على ملامحها الفاتنة وبشرتها ينز منها العسل، بلع ريقه زمان وسألها
من انت ؟ ومن اي فردوس جئت ؟
تملكت الفتاة دهشة حائرة وقالت بغنج
انا اسمي فردوس
حقا.. يالها من مصادفة رائعة
امسكت بيده برفق وسحبته الى غرفة مقابلة الى الغرفة التي خفت بها اللهاث، لما دخل معها خلعت ثوبها الشفاف واصبحت عارية مثل شمعة ثم استلقت على ظهرها بمهل فوق فراش قذر مفروش على ارضية رطبة، فتحت ساقيها وهي تعصر بنهديها وتتلوى مثل افعى ثم نادت عليه وقد نفد صبرها
هيا اخلع ملابسك.. ماذا تنتظر ؟
بحاجة الى كأس ثقيل من الخمرة حتى اتمكن من ممارسة الجنس معك دون توتر.
نهضت فردوس وهي تكركر مثل حمامة مدللة، فتحت صندوقا صغيرا اخرجت منه زجاجة ويسكي، صبت له الشراب في كأس كانت موضوعة على الصندوق، شربها دفعة واحدة ثم اخذ الزجاجة من يدها وصب لنفسه كأسا ثانية ودلقها في جوفه، ولما بدأ بخلع ملابسه اهتز جسده كمن اصيب بصعقة كهرباء، هبط امام ناظريه مشهد نزع ملابسه في المعتقل تمهيدا الى جلده في حفلة التعذيب الأولى، عاد زمان ورفع بنطاله، احكم على خصره الحزام وانصرف من الغرفة تاركا فردوس في ذهول وحيرة، لما وصل الى باحة المنزل وجد الآمر يجلس بجوار غانيته على اريكة قديمة بيده الكأس مترعة حتى اقبل سؤال الآمر راكضا الى اذنيه
كيف كانت نزهتك يادكتور ؟
مذهلة
لابد من اقتناص الأيام قبل ان تأكلنا الحرب..
اجل.. اجل
هل تريد كأسا ؟
اجل اتمنى ذلك..
ناولته الغانية كأسا طافحة بشراب زيتي مع شيف ليمون.. كرع نصف الكأس هذه المرة، شعر ان نشوة لذيذة بدأت تزحف بتؤدة في عروق دمه.. واستدار فجأة عائدا الى الغرفة التي مازالت في داخلها فردوس وصوت الآمر يلاحقة
يبدو انك لم تشبع بعد..؟
لم يرد على تساؤل الآمر، انما دخل الغرفة واغلق خلفه الباب، كانت فردوس لما تزل مستلقية على ظهرها وكأنها خمنت عودته، هبط على جسدها اليانع مثل غصن وقرّب كأسه من فمها الملوم كزهرة قرنفل، سألها بصوت لاهث
الا تشربين ؟
اخذت الكأس من يده ودلقتها على نهديها، بدأت قطرات كحول تسيح على بطنها الضامر حتى وصلت الى سرتها، حينها اخرج زمان لسانه وصار يلحس قطرات الكحول مع دمعه الذي بدأ ينهمر من عينيه على نهديها النافرين وهي تسمع صوته المشتعل بالشبق هاتفا اريد ان ادفن جسدي بين نهديك وانسى هذه الحرب.
في طريق عودتهما الى وحدة الميدان الطبية، بدأت سحب كآبة تزحف على وجه زمان السومري بينما كان الإرهاق واضحا على وجه آمره العابس نتيجة إفراطه بالشرب وممارستة للجنس وصوت مذياع السيارة يزعق بإنشودة وطنية تحث جنود الجبهات على مواصلة قتالهم بضراوة ودون كلل.. علق الآمر بلسان اثقلته الخمرة
لو كنت مطربا او شاعرا شعبيا لغنمت كثيرا بهذه الحرب
فاجأته صراحة الآمر لكن زمان لاذ بصمت قلق بينما عاد الأمر مستهجنا
يالها من حرب سافلة تطش نقودها في مخادع القصر وعلى رؤوسنا تنهمر قنابلها
وجد زمان الكلمات تقفز من فمه مثل خيول صاهلة ولم يتمكن من كبح جماحها
حرب عوراء مثل ابليس لها عين واحدة
طرب الآمر على تعليق زمان واطلق ضحكة من اعماق روحه ثم قال
كل جمعة سنغير على المدينة ماذا تقول ؟
اخشى من عواقب نزهتنا.. ان تجيء لنا بنكد لم نتوقعه
التفت الآمر الى زمان وقال بثقة
لاتقلق مادام آمرك يشرب منكرا ويمارس فحشاء.. و.. اووف
كادت السيارة ان تنحرف عن مسارها في شارع ابتل بمطر مازال يهطل لكن الآمر تمكن من احكام السيطرة على مقودها بمهارة وعاد يكمل حديثة
والاّ لم يكن بوسعي البقاء صامدا وسط غابة النار
سأله زمان بهدوء
بدون خمرة ماذا كنت ستفعل ياسيدي ؟
تجاهل الآمر سؤاله وهتف ساخرا
مادامت متوفرة الآن.. سأصمد طويلا.
استفهم زمان مرة اخرى
لا ادري هل ان جنديا ثملا مثلي سيذهب الى الجنة حين يموت في الحرب ؟
قهقه الآمر واجاب ساخرا بمرارة
يمكنك معرفة جوابا شافيا على سؤالك من مركز احصاء الشهداء هناك في السماء.
واشار بإصبعه الى سماء مظلمة ثم عاد يكركر بغباء مفرط، لما وصلت العجلة الى وحدة الميدان الطبية كانت بإنتظارهم عجلة بدفع رباعي مطلية بوحل اسود وعليها شبكة غش للتمويه من قصف الطائرات.. صرخ الآمر برعب
اللعنة.. ضابط الإستخبارات العسكرية ينتظرنا
هبطا من العجلة بسرعة واصبحا على بعد خطوات من ضابط كبير كان واقفا ينتظرهما، ضربت احذيتهم ارضا صبخاء بشدة وهما يؤديان تحية عسكرية له، رد عليهما بإحتقار وطلب من آمر الوحدة ان يتبعه الى الملجأ، ولما اصبحا في داخله جلس الضابط الكبير خلف مكتب بسيط بينما ظل آمر الوحدة واقفا والقلق يعوم في عروقه السكرى، طلب ضابط الإستخبارات منه الجلوس، جلس الآمر مرتبكا كأن الريح تحته وبدأ يصغي بأناة لكلام الضابط الذي توشح تاجان واربع نجمات فوق كتفيه
نحن بحاجة الى طبيب في ميدان رمي الفرقة عند الساعة السابعة صباحا من يوم غد..
تنفس الآمر الصعداء وقال بسرعة خاطفة
تأمر سيدي.. طبيب واحد فقط ؟
سأله ضابط الإستخبارات بإسترخاء
هل بوسعك ان توفر لنا اكثر من طبيب ؟
اجاب آمر الوحدة الطبية متلعثما
لديَّ اثنين.. واذا كنتم.. عفوا سيدي اذا كنت بحاجة لهما، فسأنوب عنهما بالعمل لحين عودتهما
ضحك ضابط الإستخبارات منتصرا وسأله موبخا
اذا كنت لا تمتلك غيرهما فلماذا تعرض كرمك علينا زيفا ؟
عفوا سيدي.. كنت اعني ربما تحتاجون الى اكثر من طبيب
عاد ضابط الإستخبارات وسأله بخبث
وهل تعرف ماذا سيحدث غدا في ميدان رمي الفرقة ؟
تبسم آمر الوحدة تملقا واجاب
في الواقع لا اعرف سيدي
نهض الضابط الكبير وقبل ان يخرج من الملجأ قال بحزم
ليكن الطبيب هناك في الموعد والا ستكون عقوبته وخيمة.
تأمر سيدي
انصرفت عجلة الإستخبارات العسكرية من وحدة الميدان الطبية بوقاحة واستهتار وتركت خلفها زوبعة غبار ثقيل دخل الى خيمة الجرحى وبدأت ذراته تستقر على وجوههم وجراحهم اليانعة، بينما عاد آمر الوحدة الطبية الى الملجأ منكسرا وقد تبخرت الخمرة من رأسه، ظل ساهما خلف مكتبه يفكر بطلب ضابط الإستخبارات الغريب ولماذا اراد طبيبا يوم غد في ميدان رمي الفرقة ولم يظفر بجواب يقنعه، ولأن زمان مازال طبيبا متدربا ولايمكن له من ادارة ردهة الجرحى على اكمل وجه فقد قرر آمر الوحدة ان يرسله الى ميدان رمي الفرقة صباحا..
انطلقت سيارة الواز بزمان الى المكان حتى وصلت قبل الموعد بدقائق، لما هبط من العجلة شاهد شاحنات كثيرة تقف برتل طويل على جانب من صحراء مترامية الأطراف، بينما كانت هناك سرادق على مقربة منه ازدحمت بها مقاعد فارغة، ماهي الا لحظات حتى توقفت عجلات رباعية وهبط منها ضباط كبار ودخلوا الى السرادق وجلسوا على الكراسي بإرتياح، ثم شاهد مجموعة جنود رماة يتخذون امكنتهم امام مثابة واسعة للرمي زرعت بها اوتاد كثيرة بشكل النسق، كان عدد الأوتاد اكثر من عشرين وتدا، لم يتمكن زمان من احصاء عددها بالضبط، اقترب ضابط برتبة صغيرة وطلب منه ان يكون قريبا من الرماة، حث خطاه حتى اصبح بمسافة قريبة خلفهم وقد توزعوا امام أوتاد منتصبة، وظل واقفا بحيرة وإرتباك.. لا يعرف ماهو العمل الذي ينتظره والذي جاء من اجله، بينما كانت ريح باردة تعول في المكان، وصعدت مجاميع من جنود الإنضباط العسكري الى الحافلة الأولى، بعد لحظات هبطوا منها وهم يقودون على عجل جنودا حفاة شحبت وجوههم وفقدوا قدرتهم على الكلام ثم اوثقوا اجسادهم المرتجفة بحبال غليظة الى أوتاد منتصبة في مثابة الرمي، واشار ضابط يقف على مسافة منه الى الرماة.. حتى انطلق رصاص كثيف من بنادقهم على جنود مصلوبين على الأوتاد.. كاد زمان ان يخرّ على الأرض من هول المشهد الدموي، لكن يد الضابط التي أعطت الإشارة الى الرماة اسندت جذعه وسمع صوتا يحذره
تماسك يادكتور.. لأن قائد الفرقة يراك
اريد بعض الماء اغسل به وجهي حتى استرد الوعي
هرع احد جنود حماية القائد مستفسرا ولما عرف ان الطبيب بوضع حرج يكاد يغمى عليه، حرر زمزمية من حزامه العريض وسكب ماءها على وجه زمان الذي هجمت على اوصاله رعشة خوف حادة.. وسمع الضابط يأمره
هيا يادكتور تحرك وتأكد من موتهم جميعا.. حتى نجيء بغيرهم
تحرك زمان بخطوات متعثرة كالمأفون الى أجساد سبحت بدم حار.. ولما وصل الى اقرب وتد في طريقه سمع هسيسا ينبثق من جسد جندي مدمى سرعان ما خفت، رفع خطواته بصعوبة الى وتد آخر لفحص جندي مصلوب عليه تهشم رأسه بطلق رصاص كثيف، ولما اراد ان يجس بإصابع مرتجفة نشف بها الدم نبض ذلك الجندي..لم يتمالك نفسه وسقط على الجثة متشبثا بكتفيها كما لوانه يريد عناقها وماعاد يتذكر شيئا.
رواية عويل الملائكة من المؤمل صدورها عن دار العين في القاهرة.
AZP09























