عودة جلّوب -2-

عودة جلّوب  -2-

 

 

منهل الهاشمي

 

 

بعد القاء القبض على جلوب وفق المادة (4 ارهاب) إثر محاولته الارهابية الخائبة  لاغتيال المسؤول الكبير، ودع السجن بانتظار محاكمته. لكن والدته المسكينة التي ابتليت به ابتلاءً منذ ولدته،  قابلت المسؤولين الكبار في الداخلية ورجتهم بتوسل ذليل أن يطلقوا سراحه لكون عقله (على كدّة،  وهو بُهلي من اهل الله) على حد قولها،  واردفت قائلة على وفق تعبير النظام السابق للمستقلين في زمنه بانه (منغولي وإن لم ينتمِ لفصيلة المنغوليين شكلاً بل مضمونا!!). ثم رجتهم ناحبة شاحبة ان يحيلوه للجنة طبية لمعرفة قدراته العقلية والتاكد من سلامة قواه العقلية. كان لها ما ارادت وتم عرضه على لجنة مشتركة لكبار الاطباء والخبراء في علم النفس والاجتماع والتنمية البشرية والانثروبولوجي (علم الانسان). بل حتى استعانوا بخبراء من علم الجيولوجيا اي علم طبقات الارض لمعرفة (الطينة) التي جُبلَ منها هذا الكائن الاسطورة!!.

 

بعد الانتهاء من عرضه على اللجنة وفحصه واختباره،  كانت النتيجة حقا دراماتيكية مأساوية للجنة بأكملها،  فضحاياها تراوحوا ما بين فِصام وجُذام وبَرَص وآخر بشلل رباعي إثر اصابته بالجلطة،  وزميله بصرع إثر اصابته (بالهبطة) !!. اما رئيس اللجنة فاستطاع في اللحظة الاخيرة ان يوّقع على قرار اللجنة قبل أَن يخرج مسدسا من درج المكتب ليفرغه برأسه منتحرا !!.

 

وعليه تم اصدار القرار الآتي : (نؤيد نحن اعضاء اللجنة المُعافون (الصاحون) سابقا،  والمرضى (المخابيل) حاليا،  الموقعون أدناه بعد تورطنا بفحصنا واختبارنا السيد  ” جلوب مزهر ”  فقد ثبت بأنه  ” بُهلي ” ،  والذي أودعه السجن  ” بُهلي إبن بُهلي ”  وإنّ من يشكك بهذا القرار ويحاول نقضه أوالطعن فيه هو ” بُهلي إبن بُهلي إبن بُهلي !! وعليه وقعنا). هذا وقد تم وضع هامش صغير اسفل يمين الورقة من قبل رئيس اللجنة كالآتي (ملحوظة صغيرة : حسبي الله ونعم الوكيل عليك يا   جلوب !!).

 

أُطلق سراح جلوب واستقبلته أمه المبتلية بالزغاريد،  لكن ما أن قرأت له قرار اللجنة بناءً على طلبه حتى جُنَّ جنونه،  رجع من فوره لمقر اللجنة لمقابلة من تبقى منهم حيا او (صاحيا) !!. قابله مقرر اللجنة الذي شاء القدر ان يحفظه سالما معافى،  صرخ به جلوب مغضبا حانقا: (هاي عود انتو دكاترة وبالكم عنهم وتفتهمون،  شلون تغلطون هيجي غلطة فظيعة شنيعة ؟!!). سأله الدكتور مستغربا عن ماهية هذا الخطأ الفظيع الشنيع،  اجابه جلوب بعصبية: (شلون تكولون عليّة ” سيد ” وآني رجال ” عامّي ” !! عيب عليكم خافوا الله،  ياهو الجاي سويتوه  ” سيد ” ؟!!). خرج جلوب غاضبا منفعلا صافقا الباب خلفه بقوة،  من دون ان ينتبه للدكتور الذي تكوّم على الارض من أثر الصدمة راقــــــــدا دون أدنى حركة… رحـــــــمه الله !!.   تزامن خروج جلوب من السجن مع هروب جاره ذلك الارهابي الذي جنّده من السجن،  ضمن المئات من الارهابيين السجناء الذين يهربون من سجونهم بشكل متواصل،  في لعبة (شرطة وحرامية) التي يلعبونها بمتعة منقطعة النظير مع القوى الامنية !!. هرب وفي ذهنه شيئاً واحداً فقط يقضيه او يهلِكَ دونه !! وهو الانتقام من غريمه جلوب بعد ان فعل بخليتهم الارهابية ما فعل !!. فقد قضى عليهم قضاءً مبرما من حيث لا يعلم. فذاك (اميرهم) والاصح حميرهم الذي علّمهم السحر بعد فشل العملية الارهابية ببركة جلوب،  جُنَّ الرجل واخذ يجوب الشوارع هائما على وجهه على غير هُدىً،  مطلقا لحيته الشعثاء التي وصلت منتصف صدره،  ومرتديا جلبابا قصيراً (دشداشة). في حين ان مساعده قد إنتحر على أثره،  أما باقي الخلية الارهابية فمنهم من قضى نحبه،  ومنهم من ينتظر مسجونا أو مجنونا !!. ليكرر جلوب السيناريو نفسه مع ضحاياه السابقين من معلميه ولجان طبية. فأينما يحلّ جلوب تحلّ معه المصائب والنوائب والكوارث والنكبات !!.

 

ذهب جاره هذا حال هروبه لجلوب وقد امتلأ قلبه غلاًّ وحقدا،  وخاطبه بتهديد ووعيد بالعربية الفصحى ليرعبه بلاغةً وفصاحة : إنتبه يا جلوب فأني احذرك،  فلتعلمنَّ بأنَّ هذه الحياة ما عادت تتسع لنا نحن الاثنين ،  إما أنا أو أنت. اجابه جلوب وقد فهم الرسالة خير فهم : (رحم الله والديك همزين نبّهتني ما راح انسى ،  يوم الاثنين راح يعرضون فلم قوي اسمه ” لو آني لو أنته ”  على قناة  ” الحياة ” !!). لم ييأس جاره من الانتقام فعاد لاميره الجديد يلّح في الطلب عليه بأن يسمح له بتجنيد جلوب ثانية في مهمة انتحارية وهو يخبره: في هذه الحالة فأننا سنضرب عصفورين… عفوا بل ” حمارين ” بحجر واحد !!. الاول هو تنفيذهم لمهمة (جهادية) من دون ان يخسروا احد اعضائهم. (والثاني ؟!) سأله الامير،  فاجابه : التخلص من جلوب المجرم الذي اذاقنا الويل والثبور،  وبِهذا سنثأر لضحايانا. رفض الامير بشدة مذكرا إياه بالمصائب التي الحقها بهم. فاجابه متوسلا بذل وخنوع،  وقد غمرته الدموع : (مولاي الله يخليك بس وافق هذا متدري اشسوّى بيّة من عقدة،  الله لا يشوفلكياها يا عقدة اوديب،  ياعقدة الكترا،  هاذي عقدة جلوب !!). أشفقَ الامير على صاحبه لكنه خاطبه بحزم : (موافق بس على شرط ،  اذا خرّب هاذي العملية الثانية راح احفرلك كبر ثاني بصف كبر جلوب !!). غمره الفرح وقال وهو يقبّل يد الامير : (دِيلْ) أَي اتفقنا !!.

 

عاد الجار (يَزنّ) برأس جلوب ثانية كالدبور بشكل متواصل يوميا لاقناعه بتنفيذ العملية الانتحارية. لكن جلوب اجابه منفعلا : (يمعود دأستر علينة مو زين الله خلصنة ذيج المرّة). فسأله مستبشرا : (شنو رادوا يعدموك ؟!). اجابه : (يعدموني شنو ؟!… آني اذا عدموني غير اتخبل!!… ذولة رادوا ايزيّنوني نمرة صفر !!). فقال له مغريا : (شوف جلوب اذا نفذت هاذي العملية الانتحارية والله راح انطيك 100 مليون دينار من ترجع !! واخذهة من هالشارب). قال له ذلك وهو يمسك شاربه معاهدا،  تمعن فيه جلوب بتركيز وقال متعجبا: (هاي شنو ؟!!). سأله بقلق شاكّاً بأنّ جلوب قد فهم الخديعة : (شكو ؟!!). اجابه : (شلون ماخذيلك خيط حلو… هاي عِدمن زيّنت ؟!!). فنهض صارخا بقوة : (اشتعل ابو الخيط لابو ابو خيوطك… ولك جاي اكلك انطيك 100 مليون تكلّي خوش إِحفافة !! ). اجابه منزعجا : (إي مو إفتهمنة 100 مليون،  يعني شكــــــــد تطلع اكثر من 100 الف ؟!!). فدعا جاره في سرّه : ربِ أَفرِغ عليَّ صبراً ولا تلحقنِ بالسابقين ،  من المجانين والمساجين ، والمشلولين والمسلولين ،  والمجلوطين و(المهبوطين) !!. ولم يقنع جلوب ويوافق إلا بعد أن أشترط على جاره بأَن يزيد المبلغ من 100 مليون الى 100 الف يستلمها حال عودته من مهمته الانتحارية !!.

 

دخل جلوب دورة تأهيلية وتدريبية ثانية في التنظيم الارهابي،  لغرض تدريبه على المهمة الانتحارية. وإذا كانوا في المهمة السابقة قد خصصوا له من المساعدين خمسة (يحفظونة) وعشرة (يفهمونة)،  ففي هذه المرة ولضمان تنفيذه المهمة بشكل اكيد فقد خصصوا له عشرة (يحفظونة) وعشرين (يفهمونة) !!.

 

بعد عدة شهور من التدريب والتلقين حانت ساعة الصفر،  ساعة التنفيذ. تم تفخيخه بالكامل باحزمة ناسفة ومتفجرات اخفوها جيدا تحت ملابسه بدءاً من رقبته نزولا الى اخمص قدميه !!. حينما كان جاره المتهستر بدافع الانتقام يلّف حوله الاحزمة الناسفة سأله جلوب بضيق : (اكلك هذا الحزام مو شوية ضيّكـ.. ماعدكم فد نمرة اكبر ؟!!). قبل الانطلاق للعملية اكد عليه (الامير) القول : لا تنسَ ما اخبرتك به ألف مرة بأن تستهدف اكبر تجمعات بشرية،  وأَلاّ تتصرف من وحدك ابدا،  ولا تُنفّذ إلا بعد أن اعطيك الامر بذلك. وأعطاه (موبايل) مستطردا : خذ هذا الموبايل للاتصال بيننا ،  إنطلق على بركة الله !!. خرج جلوب فالتفت الجار لأميره يكاد يطير فرحا : أَبشر يا مولاي ما هي سوى لحظات ونتخلص نحن والبشرية جمعاء من محطمنا جلوب المرهوب !!. إنطلق جلوب في مهمته باحثا عن مكان مزدحم فوجده،  ويعد حقا مكانا مثاليا لتنفيذ العملية. حالا اتصل باميره وقال له بفرح غامر : (مولاي لكيت مكان توب للتنفيذ بي كومة ناس ،  أَنفّذ ؟ّ!). فسأله : (ليش انته هسة وين ؟). اجابه بثقة : (بمرافق عامة !!!). فصرخ مزمجرا : (هسة انته عفت كل المكانات وجيت اتنفّذ بمرافق عامة !! شوف غيرها،  يللّه). غلق الامير الموبايل بعصبية والتفت للجار يقول مهددا متوعدا : (على فكرة ترة الجماعة من هسة بدوا يحفرولك كبر بصف جلوب!!). أزدردَ الجار ريقه رعبا.

 

عاد جلوب ليبحث في مكان آخر مكتظ بالناس فوجده،  اتصل ثانيةً ليخبره مستبشرا : (مولاي آني لكيت مكان توب كلّش إزدحام،  أَنفّذ ؟!). سأله بانزعاج : (ليش انته وين بلّله هالمرة ؟!!). اجابه بفخر كبير : (واكف بنص الجوبة !!!). سأله مغضبا : (الجوبة هاي مال وكفة بيع الطليان ؟!!). اجابه بحبور : (احسنت مولاي هي هاي بالضبط!!). فصرخ بعصبية: (ليا طلي !! لك كتلك نفّذ أبمكان بي تجمعات بشرية مو حيوانية،  يا حيوان !!). اغلق الموبايل وهو يرتجف من فرط الانفعال. التفت ثانية للجار فقال وعينيه تقدح شررا: (بالمناسبة أبشرك،  الجماعة على وشك يخلصون كبرك !!). فقال الجار لنفسه بهلع : (هاي تاليتهة صارت نهايتي على إيدك يا جلوب !!). فجأة وعلى حين غرّة قدحت في ذهن الامير فكرة جهنمية،  اتصل بجلوب حالا وهو يقول مسرعا : (شوف جلوب لكيتهة،  تروح السوك هرج مال باب الشرجي يم البسطيات مال حاجة بربع،  راح تلكة هناك نص الشعب العراقي !! وهناك نفّذ العملية). توجه جلوب للمكان المقصود وفعلا وجد حول بسطات (حاجة بربع) نصف الشعب !!. طار فرحا جلوب واتصل بالامير قائلا : (مولاي آني هسة بالمكان وصايرة ملحمة،  كلشي اكو وأبلاش !! آني اشتريت درنفيس فحص وتيب و(أميري).. يا أميري !! تريد اجيبلك وياية حاجة من ارجع ،  اكلّك بلاش مولاي يفوتك !!). فصرخ به مزمجرا: (من طاح حظ أميري وأميرك !! لك أثول آني دازّك أتنفذ عملية لو تتسوّكـ؟!!.. نفّذ يلّله فورا). سأله مستفهما : (تريدني أنفّذ ؟!!). صرخ بجنون : (لك إي نفّذ مو شلعته لفّادي شمنتظر ؟!!). عاد ليتأكد ثانيةً : (يعني انته متاكد تريدني أنفّذ ؟!!). وهنا إنهار الامير ولم يعد يحتمل ،  اجهش بالبكاء وقال متوسلا بذل وانكسار: (جلوب الله يخليك ارحمني،  مو صعد عندي الضغط والسكر وراح انجلط ،  ابوس قندرتك بس نفّذ !!!). سأله ثالثةً ليقطع الشك باليقين : (يعني انته مصر على التنفيذ ؟!!). تكوّمَ الامير ارضا مصابا بالجلطة والشلل الرباعي. تلقف الجار منه الموبايل وهو يصرخ بجلوب بجنون : (ولك دِنفّذ عاد جلوب الرجال راح من إيدنة،  حرام عليك الدتسوي بينة والله حرام !!). أثّرت هذه الكلمات المستعطفة بجلوب ذو الاحساس المرهف اقوى تاثير ،  صعد الحماس و(الحماوة) عنده ،  تملكته شجاعة خارقة حارقة وعزيمة فولاذية ،  زأرَ كالغضنفر المتوحش : (أشهد أنْ لا إله إلا الله ،  وأشهد أنَّ محمداً رسول الله). أَخرجَ من ملابـــــــسه (حَربة) وغرزها في بطنه !!!!.

 

{ كاتب واكاديمي