عنـاق ـ لطيفة لبصير
بالخارج تتدلى النباتات البرية التي أحضرتها من السيدة المجاورة. كانت الألياف تنحني على بعضها محدثة عناقا غريبا، بحيث أنني عمدت إلى مسح تويجاتها الصغيرة من الغبار الخفيف، لكنها استعصت. كانت كمن يرغب في أن يحتفظ بذلك الغبار ولا يقبل أية إضافة تغير من طبيعته الأولى.
كان ذلك عصرا، وكنت أنوي أن أثني على فستان جارتي البرتقالي الذي يحمل دوائر بيضاء. طرقت الباب، وشرعت أنظر بعيني المنقبتين إلى داخل المنزل وأركانه وكأنني أبحث عن حل للغزها الذي لم ينفك إلى الآن، كانت تنظر نظرات عادية تماما، وكمن يعدم الكلام رغم ما هيأته منه منذ ليلة البارحة، لم أجد متكأ سوى امتداح أصيص الأزهار المتوحش، فأهدته لي على الفور، وأضافت بصوتها الأنثوي الجميل
ــ يمكنني أن أهيئ لك أصيصا آخر للنباتات التي أحتفظ بها في الداخل…يمكنك الدخول..
ــ طبعا…
ــ إنها هنا..
كانت عيناي تمسحان المنزل من ألفه إلى يائه. منزل غريب، يجمع ذوقين مختلفين، مناديل حمراء مرتبة فوق موائد صغيرة، ودببة بنية وبيضاء، ودمى بأشكال مختلفة، وأزهار وردية اللون، إلى جوار كركدن وثعابين محنطة وقرون خرفان وثيران في وضعيات جعلتها كما لو أنها تطل من كل جدار… شيء ما في هذه القسوة المغلفة بالجمال. أحضرت قهوة سوداء، وقالت
ــ هل أعجبك بيتي؟
ــ نعم، أشعر بنوع من التمازج الجميل بين الرقة والعنف، رغم أنني لم أتوقع أن تكون لك أذواق مختلفة…
ــ أحب ذلك، أشعر بأن الطبيعة تصنعها أقدار مختلفة…
ــ نعم، هي كذلك.
شربت قهوتي وأنا أنظر إلى فستانها الذي انحسر عن جانب من ركبتيها الجميلتين، ودون أن أشعر رأيت نفسي أرتشف القهوة بلذة غريبة وكأنني كنت أمتشق ركبتيها إلى…
ــ هل تقيم لوحدك في البيت؟
ــ نعم، تستطيعين زيارتي متى شئت.
ــ أجل، سأفعل…
لم أكن أريد لتلك القهوة أن تنتهي، ولكنني شعرت بأنني لم أعد أجد لغة أخرى لأحدثها بها، كنت أعانقها بعيني فقط، وكانت تبدو شكلا جميلا، عذبا، يفيض رقة لا تنتهي…
في الليل كتبت لها أوراقا صغيرة ووضعتها بجانبي وأنا أرتشف كأس شاي لذيذ. كنت أراها أمامي وأرغب في عناقها فقط، لم أكن أريد شيئا آخر… بعد أيام قرأت لها حملتها الصحفية عن الشواذ في المجتمع، كان قلمها مخيفا. لماذا كانت تبحث في حياة الشواذ، وتقيم رحلة مع حيوات المثليات، ومعاناتهن مع الأسر والمجتمع؟
كان ذلك عنيفا ومربكا أفقدني طمأنينتي وهدوئي. ولجت بيتها الهادئ ودعوتها إلى العشاء في بيتي، وافقت على الفور، وفي المساء كنت هيأت لها مكانها البديع لتستقر بكامل أنوثتها الحمراء. كنت أشعر في تلك اللحظة أنني أرغب في معانقتها عناقا أبديا، فقد بدت وكأنها قطعة من المكان. كانت كؤوس حمراء تحيط بنا، وكنا ننظر إلى بعضنا بنوع من الألفة والوقار. كانت ترتدي فستانا بنفسجيا، وفوق عنقها النحيف استقر عقد بحبات سوداء تتلألأ مع لون الكؤوس.
كانت أنوثة كاملة.
لم أشعر إلا وأنا أدقق النظر في الحبات، حتى رأيتها تنتفض قليلا لتغير من جلستها وكأنني أزعجتها بنظراتي. كنت أريد أن أقول لها إنني أعانقها بعيني فقط، وأنني لا أتجاوز ذلك إلى غيره، المهم ليس الآن على الأقل، ولكنني وجدتني أسأل
ــ ما سر اهتمامك بالشذوذ الجنسي؟
نظرت إلي بنوع من العتاب، ثم قالت
ــ إنه موضوع صحفي أهتم به من حين إلى آخر، وأحاول أن أضيئه من كل الجوانب…
ــ ولكنه قد يكون مصدر إزعاج لك…إنه موضوع حساس…
ــ الصحافة مهنة البحث عن المتاعب…المهم أننا نثيره كموضوع للنقاش…
ــ لاحظت أنك نقلت العديد من حوارات المثليات، هل قابلتهن شخصيا؟
أضافت كأسا آخر من النبيذ، وقد علتها حمرة خفيفة، ثم قالت
ــ نعم، التقيت بهن، وحاولت أن أنقل وجهة نظرهن حول اختلافهن، حول رغبتهن في النساء وليس الرجال…
ــ وهل تصدقين ذلك؟
ــ نعم، الاختلاف موجود وينبغي أن نؤمن به…
ــ في الحقيقة، أنا لا أؤمن به، وأرى أن الإنسان يريد أن يجرب أي شيء…
ــ أنت نحات وإنسان متحضر، ولديك هذا التصور، ماذا تركت لعامة المجتمع؟
ــ الطبيعة الرائعة هي عناق رجل وامرأة، وليس عناقا من نفس الجنس، تشعرين بشيء ما خارج العادة…
ــ إنه اعتياد فقط…
ــ هل سبق أن رأيت لوحة عناق للفنان البولندي بيشينيسكي، كانت تعكس بالفعل العناق الأبدي بين رجل وامرأة، تلاحم هيكلين عظميين يفوق اعتبار الزمن ويمنح للجمال طبيعته الأولى، لو كانا من نفس الجنس لما شعرنا بجمالية اللوحة؟
ــ سبق أن رأيت هذه اللوحة، رغم أنها لا تعكس بالفعل ذلك التصور، فنحن لا نستطيع أن نعرف إن كان عناقا إلى حد الموت، أو عناق العظام معا… الفن لا حدود له…إنها رؤية خاصة، ويمكن أن تكون هناك رؤى متعددة…
ــ يمكن أن تكون هناك رؤى متعددة، لكن الشيء الطبيعي هو تلاحم جوهرين مختلفين حتى العظام تتمازج في اختلافها، ويحتوي أحدها الآخر…
كنت أتحدث بلا نهاية لكنني شعرت بضيقها قليلا، وخفت أن تنهي الجلسة الجميلة، فارتميت على الزجاجة وملأت لها كأسا أخرى حتى تجدد الإقامة أمام عيني، فهي أمامي تحدث عناقا غريبا، لا أريده أن ينفك. كان الوقت يهرب لحظة لحظة، وكأن اللحظة الجميلة انتهت، قامت ونظرت إلي نظرة هادئة، ثم قالت
ــ يبدو أننا لم نشعر بأن الوقت يمر، أشكرك على العشاء الجميل…
وأنا أقبل يدها دون أن تكون تلك عادتي مع النساء، قلت لها
ــ وأنا أيضا…رغبت ألا ينتهي الزمن…
في غيابها، جلست في مكاني لأعانقها وكأنها ما زالت هناك، ثم أحسست أنني أخذت جرعة إضافية من زمن التقارب، فبعثت إليها رسالة إلكترونية و قلت لها
جارتي الأنيقة، كنت رائعة في حضورك هذا المساء، أبعث إليك هذه القصيدة للشاعر ماريو بينيذيتّي، وأحييك على اللحظات التي اقتسمناها معا
عناق 1
عناقٌ بسيطٌ يكفي ليرقّ قلبنا؛
يُرحِّبُ بنا ويجعل الحياة أقل وطأة علينا.
العناق طريقة أخرى نتقاسم بها
الأفراح، والأتراح التي قد تحل بنا.
العناق أسلوب التعبير لأصدقائنا
عن حُبنا لهم، وعن جميل عنايتنا؛
لأن العناق وُجد كيْ يُعطَى لمَحبوبينا.
العناق شيء عظيم؛
أفصحُ وسيلة للإعراب عن حُبنا
حين لا نجد الكلمة الوفية لنقل شعورنا.
إنه شيء رائع عناقٌ واحد بوافر الحنان
يكفي لإسعاد مَن يتلقاه، أياً كان المكان أو اللسان،
لأنه مفهوم لدى الإنسان في العالمينا.
لهذه الأسباب ولأخرى كثيرة…
أبعثُ لك اليوم أحَر عناق يا أحبَ المخلوقينا.
كنت أشعر بأنني طرت قليلا فوق السحاب، لكنني كنت أشعر بأنني لست في حاجة إلى أن أنتظر كثيرا، و بأنني أريد أن أعانقها قليلا، وبقيت أنتظر الرد. ومع أنني أعرف بأن عادة الصحافيين أنهم يستطلعون رسائلهم الالكترونية قبل النوم، فقد حاولت أن أجيب عن السؤال الذي طرحته على نفسي، بأنها كانت متعبة… في مساء اليوم التالي جاءتني رسالة مقتضبة
عزيزي، أشكرك على القصيدة الجميلة، فعلا إنها دعوة للحب الإنساني، مساؤك سعيد .
لم يف الرد بشيء ما، بل انتهى هناك. وكأن جارتي أوقفت الرد، بعد أيام قليلة فقط، اشتريت الجريدة لأجد موضوعا عريضا باسمها يحمل عنوان عناق.
خبأت الجريدة، وهربت إلى البيت، وكأنني أداري خجلي من اعترافها بالحب أمام الكل. هذه المرأة تملك من الجرأة ما يكفي لجعلي أرقص من الفرح. ولجت بيتي بكثير من الفرح، وملأت كأسا من النبيذ وبحثت عن الموضوع الأنيق عناق ، وبدأت أقرأ…لا شك أنني أخطأت الموضوع، لا يمكن أن يحدث ذلك، قرأت الموضوع، فتلاشى فرحي تماما. جارتي حملت القصيدة إلى موضوع لا يهمني، وقالت لكل الآخرين أنها ترغب في عناق لكل اختلاف بشري، بأن نحترم كل الاختلافات الإنسانية، لأنها شخصية، ولا ينبغي المساس بها، ومنها حياة الشواذ الجنسيين. إنهم يحيون حياتهم الطبيعية، ولا يمكنهم تغيير ما بذواتهم، وينبغي قبول اختلافهم، وأن نعانق رغباتهم بدون ضجيج. رميت الجريدة، وقلت لنفسي لماذا تتحول القصيدة التي أرسلتها إليها إلى مادة لعناق الآخرين؟ وليس إلى عناقي أنا؟
قصدت بيتها وطرقت بابها وأنا أرتجف من شدة الغضب، كنت أريد أن أهشم رأسها، ولكنها حين أطلت، كنت قد تهاويت قليلا، ورغبت من جديد في عناقها، استقبلتني بابتسامة عريضة، وقبل أن أقول أي شيء، قالت
ــ غريب، كنت سأزورك للتو، لقد كتبت موضوعا استوحيته من القصيدة التي أرسلتها إليّ…
أجبت وأنا أكتم غيظي
ــ نعم، قرأته…
ــ وما رأيك؟
ــ قصيدة موحية جدا… ولكنني أرسلتها إليك أنت…أردت أن أعبر لك عن رغبتي في حبك…
نظرت إلي وقالت وكأنها تعيد الأشياء إلى نظامها العادي
ــ أنا أيضا أحبك، فقصيدتك لا تعني عناق شخصين فقط، بل هو عناق لكل الناس…
اقتربت منها أكثر، وأمسكت بها، ثم بدون أن أنتظر ردة فعلها، عانقتها عناقا قويا، وأحسست وكأنني قد ولدت من جديد في تلك اللحظة، لم تبعدني ولم تغضب ولم تصفعني كما يحدث في الأفلام المصرية القديمة، لكنها قالت بهدوء
ــ هل تريد قهوة سوداء؟
ــ أنت تهربين مني؟
أمسكت بها من جديد وكأنني أستعيد ولادتي ثم قلت لها
ــ ألا تشعرين بحبي؟
نظرت إلي وقالت وهي تواري نظراتها الخجولة
ــ لا أستطيع أن أبادلك نفس الأحاسيس…
انتفضت دون أن أدري، وسألتها
ــ لماذا؟ هل تحبين رجلا آخر، إذا لماذا قبلت دعوتي إلى العشاء…
ــ ألا يمكن أن أتبادل معك لحظة دون أن تكون حبيبا لي، إنك صديقي… وحتى القصيدة التي أرسلتها إليّ تتحدث عن الحب الإنساني، أليس كذلك؟ ليس للحب حدود؟ هذا ما فهمته منك…
ــ ألا يمكن أن أحبك أنت؟
ارتبكت كثيرا، وارتعشت وأنا أهم بمعانقتها مرة أخرى، وقالت وهي تبعدني بلباقة
ــ أرجوك…لا يمكن أن نفعل ذلك…
وكأنني صرت زوجها هل لديك صديق؟
وهي تنظر مباشرة في عيني، قالت
ــ لدي صديقة… أقصد لدي خليلة…أرجو ألا تبحث أكثر…
أصبت برعب حقيقي
ــ خليلة ؟ لماذا ؟ ما الذي ينقصك لكي تختاري خليلة ؟
ــ إنه اختيار، ينبغي أن تحترم رغبتي، فأنا أحب معاشرة النساء…
نظرت إليها بغضب حقيقي، وصرخت في وجهها
ــ كل هذه الأنوثة من أجل امرأة مثلك، هذه الأنوثة في حاجة إلى رجل يعانقها وليس إلى امرأة…أنوثتك تكفي لأكثر من رجل وتهبينها لامرأة أخرى؟
ــ إنها حياتي…أرجو أن تحترمها…
جلست بعد أن لم تعد قدماي تقويان على حملي من شدة المفاجأة، وعبرت ذهني لمعات ذكرتني بما مضى… اهتمامها المبالغ بالشواذ… حملتها الصحفية… غموضها الذي لم أفهمه. نظرت إليها بحزن، قالت بهدوء
ــ أٍرجو أن تفهمني، إنها أحاسيس…
قلت لها وأنا أنظر إلى أنوثتها الجميلة
ــ وأحاسيسي ــ أرجو أن تختلفي من أجلي أنا…
ــ لا أستطيع يا صديقي…
ــ غريب أمرك… تنفرين من الطبيعة وتتمسكين بـ …
ــ هذا يتوقف على مفهوم الطبيعة لدى كل واحد منا…
ــ في تصوري كل شيء يخرج عن طبيعته يتحول إلى لعنة…
لفظت هذه الجملة الأخيرة وأنا أعلم أنني سوف أخدش مشاعرها، ولكن رغم ذلك وقبل أن أهم بمغادرتها، عانقتها عناقا بطعم مختلف، كنت أشعر في تلك اللحظة بأنها تنتمي إلى جنس آخر، وبأنني لا ينبغي أن أعانقها كأنثى…
1 ترجمة الدكتور إسماعيل العثماني
AZP09
























