عناصر الضعف في الستراتيجية الدولية لمقاتلة داعش

عناصر الضعف في الستراتيجية الدولية لمقاتلة داعش

عصام فاهم العامري

ثمة تحول دراماتيكي حدث لدى ادارة الرئيس باراك اوباما خلال الاسبوعين الماضيين ، فقبل شهر فقط كان من الصعب على اي مراقب للرئيس اوباما وسياساته  التأكد من مدى تصميم أوباما على محاربة تنظيم داعش . فقد قال الرئيس أوباما نفسه في 7 آب الماضي : ”  لن أسمح بأن تنجر أمريكا لحرب جديدة ” ، ثم زاد على ذلك بعد عشرة أيام، محدداً الهدف الأمريكي في حده الأدنى باحتواء داعش . لكن ابتداء من اوائل الشهر الجاري بدأ خطاب الادارة الامريكية يتغير ، وعلى وجه التحديد بعد قمة الحلف الاطلسي في ويلز صرنا نسمع من أوباما أنه سيسعى الى ” تقليص ثم تدمير ”  التنظيم الذي وصفه بأنه يمثل  ” خطراً محدقاً ” . ويبدو ان هذا التحول حصل في سياسة الولايات المتحدة أزاء داعش بعد إقدامها على قطع رأسي الصحفيين الأمريكيين في سوريا، وتحديه الصارخ لأوباما بدعوته للرد . ولكن الحق يقال إن  مسؤولي الإدارة الأمريكية، وحتى قبل عمليتي قتل الرهينتين، كانوا بدأوا يرسبون في الاذهان بأن تنظيم داعش وتوحشه يمثل بالفعل خطراً محدقاً على حلفاء أمريكا في الشرق الأوسط ، وأنه قد يتحول إلى مصدر حقيقي للإرهاب ضد أوربا والولايات المتحدة.

مقاربة سياسية

على أي حال ، التحول في مقاربة السياسة الامريكية ازاء داعش أضحت تتجه نحو تشكيل تحالف دولي للراغبين في محاربة هذا التنظيم المتوحش . والحقيقة اضحت هذه المقاربة تتجه بالنظر لهذا التنظيم ليس مجرد شبكة إرهابية كبيرة فقط ، وإنما هو أقرب في إمكانياته إلى ” دولة ” ناشئة تحاول ترسيخ ذلك الواقع، من خلال أيديولوجية وهيكل بيروقراطي وإيرادات ضريبية وقدرات ومتطلبات عسكرية محددة. ويمتلك التنظيم سيطرة على مساحات شاسعة تمتد على طول الحدود العراقية السورية، بينما يهيمن على مدينة كبرى في كلتا الدولتين، وخطوط اتصال ومناطق عملياتية على الحدود يهدد من خلالها بالتوسع وضم مدن أخرى، مثل محافظة الأنبار المتاخمة للعاصمة العراقية بغداد.

ولذا اتجهت السياسة الامريكية الى تشكيل تحالف دولي يشبه من حيث الشكل التحالف الذي شكله الرئيس جورج بوش الابن بعد هجمات 11 سبتمبر 2001 ، ولكن في كل الاحوال سيكون التحالف الجديد مختلفا من حيث المهام والجوهر عن التحالف السابق ؛  اذ انه لا يتضمن خوض حروب برية او اجتياحات من قبل الجيش الامريكي او جيوش الحلفاء الغربيين . والسؤال الذي يطرح نفسه هل بات لدى ادارة اوباما ستراتيجية لمحاربة داعش ؛ بينما سبق للرئيس اوباما قبل اسابيع قليلة  الاعتراف انه لا يملك ستراتيجية ، واذا كانت هذه الستراتيجية قد بدأت تتبلور الان فماهي عناصرها ؟ ثم هل هي قادرة فعلا على هزيمة داعش ؟

من الواضح ان هذه الاستراتيجية ليست كاملة التخطيط ، وان مؤتمر باريس الذي عقد هذا الاسبوع يستهدف تحديد المهام بين شركاء تحالف الراغبين لمحاربة داعش سواءا المتعلقة بالمشاركين في العمليات القتالية او الذي سيقومون بدور محوري في الجهود الاستخبارية فضلا عن مهام التمويل ، والقتال على الارض . وحتى الان على ما يبدو فان هذه الستراتيجية ستوكل مهمة القتال على الارض للقوات العراقية وقوات البيشمركة الكردية فضلا عن قوات يجري تشكيلها على نحو متسارع من قبل سكان المدن الخاضعة لسيطرة داعش في شمال وغرب العراق ، وهي مدن في اغلبيتها السكانية سنية ، وبالتالي يتم تشكيل أفواج من مقاتلين اطلق عليهم تسمية الحرس الوطني من سكان هذه المدن تكون مهمتهم المساعدة في قتال داعش وطردها من هذه المدن وبالتالي تولي قوات الحرس الوطني الذي يجري تشكيله مهمة مسك الارض بعد طرد داعش منها . ويعتبر تشكيل حكومة جديدة في العراق وقيامها بمبادرات حتى الان لقيت  رضا من الراي العام العراقي من شأنه ان يشكل الرافعة التي تدفع بتكامل هذا التوجه في العراق . اما بالنسبة لسوريا فإن التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة لمحاربة داعش يسعى إلى دعم المعارضة المعتدلة ابما يؤهلها للقتال على جبهتين، ضد داعش والنصرة والمتشددين  من جهة وضد النظام من جهة أخرى.

ويكتنف هذه الاستراتيجية التي هي قيد التبلور العديد من عناصر الضعف في المقدمة منها ان التحالف الدولي  يضم دول متضاربة المصالح ولا تتفق بالضرورة على نفس السياسات ، كما ان حجر الزاوية في ستراتيجية القتال تعتمد على الحكومة العراقية الجديدة التي جاءت ولادتها قيصريا نتيجة صعوبة توافق السياسيين العراقيين وتضارب مصالحهم وتضادها في احيان كثيرة ..كما ان عدداً لا يستهان به من الفريق الحكومي العراقي ما زال مرتهنا لنفوذ ايران وايران باتت احد الساعين لعرقلة التحالف لمقاتلة داعش ..  فضلا عن ان الجيش العراقي الذي تولت واشنطن تدريبه وتجهيزه هو نفسه الذي سلم الموصل ومدن اخرى من دون قتال الى داعش . كما ان من بين نواحي الضعف التي تعاني منها ستراتيجية مقاتلة داعش هي ان استهداف المناطق التي تسيطر عليها داعش في سوريا بضربات جوية امريكية وغربية لا يقابله وجود حليف على الارض ، اذ أن حتى قوات المعارضة السورية المعتدلة هي اصلا لا تثق بامريكا والحلفاء بعد كل الخذلان الذي حدث طيلة السنوات الثلاثة الماضية . والواضح ان الجهد الاستخباري والجوي سيكون على عاتق امريكا وحلفائها في الاطلسي وهي دول لا تريد ان تتورط في قتال بري على الارض؛ ويبقى الحسم في هذا القتال هو للمقاتلين على الارض وليس للضربات الجوية . كما ان هذه الستراتيجية تعتمد في بعض عناصرها على الانظمة العربية التي هي أصلا مختلفة فيما بينها ، واكثر من ذلك ان التوحش والارهاب الذي تمثله داعش هو نتاج ثقافة ما زالت تحفل بها المنطقة العربية . كما ان المنطقة نفسها وفرت التربة الخصبة لانتاج الفكر الجهادي المتطرف والتعصب الأعمى ، اذ أن العلاقة الوطيدة بين الديكتاتوريين والجهاديين لم تنقطع أبداً في منطقتنا . كما ان عوامل عديدة تزدهر بها احوال المنطقة العربية ساهمت بتغذية وجود داعش ، وهناك قسط كبير من الصحة بشأن قول المسؤولين المصريين لوزير الخارجية الامريكي جون كيري  من ان داعش  ليست هي التحدي الوحيد الذي يستحق وضع “ستراتيجية” مدروسة جيداً لمحاربته في المنطقة .

يكمل كل ذلك ؛ الاخطاء التي يمكن ان ترتكبها واشنطن وحلفائها في اطار مقاتلة داعش ، ولنتذكر تجربة الحرب على الارهاب والحربين على العراق وافغانستان ،، وفي هذه العجالة يجب ان ندرك ان نوري المالكي وحكمه ربما كان من بين اهم الاسباب الذي مهدت لسيطرة داعش على الموصل وغيرها من المدن ، ولكن علينا ان نتذكر أن المالكي اصلا كان مدعوما من امريكا ومن ادارة اوباما نفسها  .. واكثر من ذلك ، فان المالكي نفسه هو نتاج نظام  اشرفتا  على تأسيسه امريكا وبريطانيا خلال سنوات احتلال العراق .  وفي الاصل ان تنظيم القاعدة الذي تمثل داعش تطورا له لم يكن فاعلا وموجودا في العراق قبل الاحتلال الانجلو امريكي عام 2003 .

اخطاء اخرى

وبعبارة اوضح ماهي الضمانة ان لا تتكرر هذه الاخطاء او اخطاء اخرى على شاكلتها ومن الذي يمنع واشنطن والغربيون من ترك المعركة قبل انتهاء المهمة او متى شعروا ان الخطر صار يبتعد عنهم ، ولاسيما ان هناك مسؤولين امريكيين وغربيين لديهم قناعة راسخة ان داعش تختلف عن القاعدة ، من انها لا تروم بتوسيع نطاق فعلها الارهابي الى امريكا والغرب وتقول  (ليزا موناكو ) – مستشارة أوباما حول الإرهاب – بهذا الصدد انه حتى الان  أبدت داعش رغبة في مهاجمة الأمريكيين في الشرق الأوسط ، إلا أنها لم تعلن نيتها التمدد خارج المنطقة، وهو ما توضحه ، بقولها : ” لم نتلقَ حتى اللحظة أية معلومات ذات مصداقية بأن داعش تخطط لضرب أراضينا ” . ويبدو ان قلق امريكا من داعش متأتي من انه تمثل تهديد حقيقي لحلفاء امريكا في الشرق الأوسط ، بالإضافة إلى ما تقدمه من تدريب وخبرة قتالية للمجندين في صفوفها من أوربا وأمريكا الشمالية واستراليا . والشيء الجيد في ستراتيجية محاربة داعش انها تتضمن فهما اعمق لمشكلة الارهاب والتوحش في المنطقة ، فأمريكا وبعض الحلفاء من دول المنطقة تؤمن ان نمو وازدهار داعش ومثيلاتها في دول المنطقة متأتي من بيئة سياسية اسهمت في ذلك ، ولذلك لايجب ان تتم محاربة داعش بالوسائل العسكرية فحسب ، وانما ايضا يجب ان يقترن العمل العسكري بعمل سياسي متسارع سواء في العراق ام في سوريا من اجل تفكيك الازمات التي شكلت حواضن وبيئة صالحة لازدهار داعش واخواتها . والسؤال المطروح هو هل يكفي هذا الفهم ؟ ام انه يتطلب العمل البناء لتحويل الفهم الى خطة عمل طويلة الامد تعمل على الحد من النفوذ الايراني في المنطقة وتحجيم ادواته سواء المليشاوية وكذلك نزاعاته الطائفية . فهل امريكا والعرب قادرون على تحقيق ذلك ؟ ســـؤال يبدو آن الاوان لمواجهته .