عربي في المنفى …

 عربي في المنفى …

 ذات مساء في المنفى . أو في لحظات حبلى بالحنين . أو عندما يبدأ حفل النزف اليومي . حين تبدأ نشرات الأخبار بسرد مأسي الوطن العربي . من دمار في دمشق . وأنين في بغداد ، وتخبط في بلاد النيل ، وشلالات دم في اليمن ، وأغتيالات في بيروت … في تلك الأوقات العصيبة ألف سكين يطعن خاصرتي ، وجدران الغرفة تطبق على جسدي بين زحام الدموع ووشوشة الغد المظلم في أذني . فأتوسد اليأس أريكة ، وأتقوقع على وجعي ، وأعض جرحي أمام الغرباء ليصمت . فذاك الدمع العربي لن يفهمه الغرباء فهم مشغولون برحلاتهم الصيفية ، وبأعياد ميلادهم السبعينية ، وبخططهم لألف عام قادم . . .

وعندما عطرك يسابق اللحظة ، ويهز وجداني الشوق إليك ، وعندما يتساقط الحاضر أمامي كأوراق الشجر في كف الخريف المنتظر ، وتموء قطة غربية أمامي تطلب أنصهار الحضارات وتمازج القارات !! أرفض بكل إباء لست لأني نبي الأخلاق طاهر الرؤى ولكن .. لأن الألم فيني قد تسلق سلالم روحي وبنى لنفسه مسكنا .

لم أستطع وقد حاولت مرارا أتقان لعبة النسيان , والذوبان في هذا المجتمع الجديد , ولكني أعترف بفشلي الذريع . فمازالت شتلات ياسمين دمشق معربشة على أسوار كلماتي ، ونخيل العراق يسير حافي القدمين بشرياني ، وملكات الفراعنة حول نوافير روحي يضفرن شعورهن الليلية . ومازلت أنت تحدقين في من نافذة في وسط السماء . تشعلين شموع لأخر المحطات ، وأخر الدقائق قبل النوم ، وأخر دمعة تغادر عتبة خدي .. لم أستطع الأندماج في هذا المنفى الذي يطمح الكثيرين في الوصول إليه برا وبحرا وجوا وكأنه جنة الله المذكورة في كتبه ..

أختنق بالحنين .أتطاير ملايين الشظايا في شوراع أدمنت رفض خطاي عندما أدمدم بالأغاني لوطني . أخلع معطفي وعروبتي وإيماني وأرميها أمام أبواب السفارات التي تدعي بأنها عربية . . .

فأنا مهما حاول الغرباء أقتلاع جذوري فمازلت حبيبك العربي …

محمد فخري جلبي –  بغداد