عربانة في ميثولوجيا الألم

دلالات متنوعة تلازم لحظة من التجلي عربانة في ميثولوجيا الألم سافرة ناجي بغداد البحث عن دوال الوجود هو ديدن حراك الفكر الانساني، وهذا الحراك كم راسخ انتج انماط حضارية وانساق ثقافية متنوعة اتخذات لها مدلولات خاصة بها بحسب سياق البيئة المنتجة لها، وهذا ما انطبعت به ميثولوجيا التفكير الانساني الاول، اذ لكل بيئة سياسية، او اجتماعية، او فكرية اسطورياتها ودوالها الحضارية. ومن الدوال الحضارية التي عبرت عن اشكاليات الوجود هي الاسطورة العراقية، التي تفردت بها حضارة وادي الرافدين بانتاج فكري لازال له هيمنته على الفكر الانساني، الذي لا يمكن له ان يتجاوز اسطورة التكوين واكتشاف العجلة والكتابة والعمارة المتميزة، ولكي ندرك حجم ماساة الان لابد من ادراك مأساة حضارة واقع الرافدين، فهي استحضار واختصار لكل اشكايات ما تمر به الحضارة الانسانية قبلاً وبعداً. لهذا بقيت فضاء استعارة لاستنطاق هذه الجدليات. ومن الفنون الفكرية التي عبرت وكشفت عن جدلية الوجود هو الاسطورة التي تمثل في رأينا شكل الدراما الاول، لهذا يعد الخطاب المسرحي حوار الحضارة الامهر لاستجلاء اشكاليات الوجود، لذلك يدخل متلقيه في حواره الفكري ويفرض على المتلقي بافقه الادهاشي لئن يحاور العرض لاستنطاق بنيته الجمالية اولاً، وأكتشاف مستويات وبنى المعنى لهذا التاسيس المرئي من سياق لغوي وتشكيلي وحركي ثانياً. وهذ الجدل الجمالي بالعادة يبدأ من عنوان العرض بوصفه مفتاح لفضاء البحث في قصدياته الجمالية، وهذا السياق يتسم بتاويل قصديات العرض المسرحي وهذا ما فرضه عرض مسرحية “عربانة ” على متلقيه في اجراء مقاربة فنية بين حضورها الاني كعلامة ودالتها الرمزية الشعبية على انشائية تكوين العرض المسرحي اولاً، وعمقها الرمزي ثانياً. فثريا هذا العرض “عربانة” تشير ايقونياً الى العجلة ملمح حضارة بلاد النهرين، فأذاً لها ابعاد رمزية تنتمي الى معرفيات واضحة المعالم في انتمائها الحضاري، فضلاً عن انها تمثيلاً لنسق ثقافي ينتمي الى بيئة اجتماعية مدركة لكل من ارسالية ومرسلي العرض من باث ومستقبل، وهذه المقاربة تدفع باتجاه العودة الى فكر الانسان العراقي الذي قلب معطيات الحياة، باختراعه الاول الكتابة ليتوجه بأكتشاف العجلة، ومنهما تشكلت معالم الحياة الجديدة له وللانسانية، فكانا افاقاً فلسفية لمنطلقات الحياة ورؤى المستقبل، وهذه المدركات الحضارية وبعدها الميثلوجي قدمها هذا العرض ببمازجة درامية رمزية بين (عجلة الاشوريين) و(عربانة حنون) التي ارتبطت معالمهما الرمزية بدورة الطبيعة ميتافيزيقاً، التي تقابلها دورة حياة الانسان مادياً، وهذا كان له اثراً في تشكيل تساؤلاته الفلسفية المتسقة بدورة الزمن (من والى ) بتكرارية تراتبية، فاعطت بهذا التراتب التكراري نمطاً وشكلاً ترميزياً لذات الانسان، الذي تمظهر فكره في اسطورياته، تاريخه، منجزاته، ادابه، فنونه، علومه، وهي تتماهى مع الطبيعة وحركيتها الدائرية في دالة العجلة، وهذا الاتساق بين العجلة والطبيعة تشفيراً لدورة حياة الانسان، فمن هذا البعد الفلسفي والفكري استعار الكاتب “حامد المالكي” موضوع نصه المسرحي (عربانة / عجلة ) استعارة جمالية وترميز للاوعي الجمعي العراقي/ الانساني، التي توزعت على مستويين تحرك على ضوئهما العرض المسرحي ” عربانة ” كعلامة سيمائية لذات المتلقي وللعرض المسرحي، وهو يصل بين الماضي وألآن المعيش، وعالم ما بعد هذا ألآن، فهذا الردم الجمالي بين زمن مندرس الى زمن حاضر وهو يجتر همومه والامه بخضوع مهين للسلطة يختصرها (حنون في الاخبارعن حياة “حنون” الحي الميت كونه دالة لمأساة الانسان العراقي القديم والمعاصر الذي مهر سفر مسيرته الانسانية والحضارية بحبر آلامه واحباطاته وخسارات العمر التي لا تنتهي، ممسكاً بخيوط اللعبة الدرامية وتقنيات ميثولوجيا الالم بشرطية الدراما، فيبدو التصادم ،تصادم احادي/ ذاتي لهذه البانورامية بين (الحياة/ألالم والخلود/الحرب)،وهو منفتح على اصوات وتناصات سردية بمستويين جماليين الحياة الميتة، والموت الذي يحاصرالحاضر والمستقبل، ليبدأ العد التنازلي لحياته وتصاعد الالم في مفارقة درامية، في سؤال وجودي ماذا بعد انتهاء الحياة في اعلى قيمة للالم ؟وماذا يكون بعد كل ذلك؟. بدوال فنية تتركب عبر ماتحمل هذه العربة من ارث ألألم المٌغيب في ملذات السلطة، وهي تماحك مأساتنا التي عشناها بروح الامل في الانتشاء بحياة هادئة بلا خسارات، الممزوجة بحسن الظن بالاخر/السلطة، وهي تسلب انسانيته من اجل حلم السعادة الموهوم، ليزج بحروب لا طائل يجنيه منها سوى الجوع والموت واستلاب الذات في عدمية تكرارية لمتوالية ألالم هذه. التي تتمظهر في انموذجه الخالق للفكر المعلم، والمستبيح لكرامته العريف، والسالب لحريته السياسي ،وهي تجرده من ارادة الحياة التي تبعثرها في ساحات الحروب، التي تتبلورسمعياً في سياقات المتن الحكائي واللغوي .وكما يتمظهر في حوار: ( منْ يبكي عمر اقل من حبة خردل ضاعت في فوهات المدافع )، هذا الحوار خارج فضاء التكوين المسرحي لمسرحية “عربانة” يكون التفاعل معه مرتبط بأنية لحظة التلقي السمعي او القرائي، بينما يكون له شأن أخرعندما يبث عبر سياق الجمال ، لانه منفتح على مدى تأويل متسع، وتجاوز لمديات التلقي الآني، بما يبث من دهشة تمزج بين الالم والبهجة،وهو يثير ويعيد تكرار السؤال: هل الانسان العراقي هو صدى ذلك الصوت النائح على استرداد هيبة “اور”؟ ومن السؤال المفعم بسرديات الالم امتلك هذا العرض دهشة الاستفزاز لاكتشاف اسرار سحره الجمالي عبر سؤال الالم، فالعرض قد تمكن من أن يفرض على متلقيه مغادرة ذواتهم وحضورها ألاني واستباقاتها، لاعادة اكتشافها من جديد، سيما وهو يتشارك في سرد ملحمة ألآمه وعلامتها الجمالية مسرحية (عربانة) لابد ان يلتحف هو الاخر بعديد الاسئلة، والاثارة التي تنطلق من فعل التفقه بمفتاح العرض وحده البلاغي المتسم بالنكرة لتكون مدخلاً للتعريف بها لتكون شكلاً اخر لميثلوجيا الالم ولكن من نسق خاص، فألانكار والابهام لايكون انكاراً في في محراب المسرح، لانه يمتلك فاعلية الجمع بين المتناقضات بين الانكار والتعريف في آن واحد، وهو يقارب بذلك بين محمولات التجربة الانسانية في كل تناقضاتها الكونية سلباً وايجاباً،لخلق موقف جديد مغاير عن سابقه تماماً، فهو قدم موقفه الجمالي عبر البحث في مكنون المتلقي اولاً، ومن ثم مكنون العرض ثانيا، سواء كانت بمقاربة رمزية لزمنين أومكان واحد. وهذه المقاربة تحققت دهشتها بما تكتنز من محمولات فكرية تكشف فيها عن حجم مأساة الانسان العراقي. فمحمولات (عربانة )الرمزية ضاربة في عمق الفكر الانساني، التي تتمظهر علاماتها الدرامية بهيمنة دائرة الخبر وماكنة الاعلام على حياته ذات السمة التكرارية في تراتبية عرض ماساة الانسان، وهو ينوء بعربة محملة بفائض الالم (عربة حنون العربنجي) تكثيف للذات العراقية في حاضره كعلامة لسايكولوجية الذات وذاكراتها الجمعية، ولاسيما هو يعيد وصف ملفات الاحباط وخسارة الماضي والاتي المبهم، من ضياع جهد التحصل العلمي باعتقال المعلم وسوقه الى خدمة العلم، وسرقة مستقبله وعنجهية السلطة، ليكون في دوامة الالم مرمياً في نهاية الامرعلى قارعة الطريق بلا ارادة وبلا حلم. فهذه المفارقة بين البهجة والالم ومعطياتها الميثولوجية التي استحوذ فيها العرض على ذات المتلقي بدهشة الترقب وفرضيات الاستعارة الضاربة في عمق المتلقي، فتحول فعل المشاهدة ازء محنة الالم بديلاً عن الممثلين، فاللاعبين في هذا العرض قدموا تكثيفاً للحلم بحياة امنة بلا حروب تطحن انسانيته، وتهدر كرامته دون ان تلتف له، كما في حلم الزوجة بان ياخذ “حنون” حقه من الالم ان يتغنى الجميع بكرمه وشجاعته التي لاتشابه شجاعة وكرم الموروث (فحنون) وايثاره بذاته من اجل الوطن، وهو يوهم من قبل السلطة بمسؤولية الدفاع عن حلمه، وطنه، فهو يتشارك مع ذوات متلقيه في ذلك الحلم. فعرض “عربانة” هو لحظة تجلي لمثيلوجيا ألآمنا التي تتخذ لها دالات متنوعة منذ رثاء اور والى ما بعد الان، التي تستمر بامتداد غير متناه وتغلق على ذات الماساة باستمرار على دوران عجلة الامنا المفرغة، التي تدور على ذات المركز وعلى ذات المكان، حتى ان تحولت وتغايرت العربة في منظومتها البدائية وهي تدور في شوارع “بغداد” الالفية الثالثة، وبالتالي ايقظ فينا سؤال البحث عن مواطن الجمال في مثيلوجيا مأساتنا التي تبناها عرض مسرحية “عربانة”التي منحتنا بهجة الالم في سؤال مبهم هو الاخر لماذا الميثولوجيا العراقية مبهجة بالالم؟،. فكان العرض فلسفة محاكاته في مناورة عرض الالم عبر الانتقال بين الشخصيات (المعلم، العريف، المحتل، السياسي) بمعالجة سيميائية تنصهر فيها عناصر العرض المسرحي التي توجها التشكيل الادائي والحركي للممثلين بتشكيلات جسدية في تقاطعات فكرية تدور حول مركز الحدث ( العربانة/ الالم )، فالدهشة الجمالية التي انتجها لانتمائها لعمق ميثولوجيا الالم، فكان له الاثر اثرها على حيوية التفاعل مع العرض وهو يجس الالآم وعي المتلقي الجمعي، ودافع اصراره على التمسك بالحياة وهو يردد في خشوع سراً وعلنا (حي على الحياة)، دافعية الوجود الانساني، ولاسيما الوجود العراقي الذي بنى حضارته على مقولات الحياة والجمال، فبانورامية الالم التي استعرضا جماليا عرض “عربانة” بكل معطياتها السياسية الاجتماعية والدينية، وهو يمازج بين الواقع والخيال بين الماضي والحاضر، مشيرا بكل علاماته اللغوية والمرئية الى ان هذا الشعب سيظل يردد قولاً وفعلاً (حي على الحياة) التي تنصر بارادة الشعب لا بارادة السلطة، مهما مارس عليه من مسخ ،سيظل مستمداً قوة الارادة من ميثلوجيا الامة.