ظاهرة غسيل الأموال ماهيتها ونشأتها من؟
ماجد جواد الامير
تلك الظاهرة تعني الحصول على الاموال بطرق غير مشروعة ومن ثم تدويرها في معاملات تجارية واضحه تأخذ الطابع القانوني السليم فيما بعد .
مع نهايه عقد الثلاثينات من القرن العشرين برزت هذه الظاهرة من خلال المؤسسات الاقتصادية المسيطر عليها من قبل المافيا للحصول على اموال بطرق غير مشروعة والعمل على تغيير معالمها من خلال جملة من العمليات التجارية المتتابعة او استخدام اساليب واجراءات قانونية للتغطية على تلك الاموال واعتبارها اموال ذات صفة قانونية فيما بعد وذلك حسب تعريف اتفاقية فينا1988 .
ان القانون الامريكي لعام 1996 عرف عمليه تبييض الاموال بأنها كل عمل يهدف الى اخفاء طبيعة مصدر الاموال الناتجة عن النشاطات الجرمية .
هناك ملامح سلوكية في ظهورها ونشأتها كونها مرتبطة بأنشطة المنظمات غير الشرعية او العصابات بقصد الربح والاثراء دون النظر الى الاعتبارات القانونية والاخلاقية .
بدء استخدام مصطلح غسيل الاموال في الولايات المتحدة الامريكية نظرا الى اضطرار عصابات المخدرات الى غسل النقود الملوثة بالمخدرات نتيجة التعاملات النقدية مع عصابات تجارة المخدرات وعليه انتشر المصطلح وشاع فيما بعد مسمى (مؤسسات الغسيل )التي تتملكها المافيا وهي مؤسسات نقدية غايتها مزج الايرادات المشروعة وغير المشروعة بحيث تبدو وكأنها أتيه من مصدر مشروع .
شهدت الحرب العالمية الثانية حدوث اكبر عمليات غسيل الامول عندما قامت البنوك السويسرية بقبول ودائع المانيا النازية وايطاليا الفاشية وهي عبارة عن اموال وسبائك ذهبية تمثل الاحتياطي من الذهب لعشرة بنوك مركزية في دول اوربية اجتاحها الجيشين اعلاه اثناء الحرب وتقدر بأكثر من عشرة مليارات دولار امريكي . وسجلت بأسماء اشخاص بارزين في النظامين المذكورين واسماء شخصيات اخرى في النظامين الالماني والايطالي مما حقق انقطاع الصله بين كل الاموال ومصادرها غير المشروعة .
قامت الحكومة الامريكية بتبني قضيه ملاحقة البنوك السويسرية بعد الحرب العالمية الثانية ومطالبتها بأرجاع تلك الودايع الى مصادرها .
الا ان ظروف ما وراء الحرب العالمية الثانية و الضغط الفرنسي البريطاني على امريكا لحاجة اوربا للاقتراض من البنوك السويسرية لدعم مشروع مارشال لاعادة اعمار اوربا حال دون الاستمرار في المسائلة الجنائية لسويسرا ان تلك القضية قد شكلت اولى عمليات غسيل الاموال على المستوى العالمي بهذا الحجم .
للفترة من عام 1920-1930 استخدم رجال الامن الامريكيون لفظ غسيل الاموال للدلالة على ما كانت تمارسه عصابات المافيا من شراء المشروعات ( بأموال قذرة ) ذات مصدر غير مشروع وخلطها بأموال ورؤس اموال وارباح تلك المشروعات لاخفاء مصدرها عن اعين سلطات الرقابة .
تلك الضاهرة بدأت في الولايات المتحدة الامريكية مرتبطة بالجريمة المنظمة وتزايدت في النمو والتوسع منذ فترة الكساد الاقتصادي في عهد الرئيس الامريكي (فراكلين روزفلت ) حتى نهايه القرن العشرين حيث مورست
الانشطة الغير مشروعة ( المخدرات ، تجارة الاسلحة ، الانشطة الاباحية ، الابتزاز ، تجارة المشروبات المهربة )
عانت العصابات ذات الانشطة اعلاه من توفر سيول نقدية عالية كان من الضروري ايجاد انشطة مشروعه لاستيعابها وتشغيلها.
قام المصرفي ( ميرلانسكي ) المسؤول عن نشاطات ال كابون بتحويل السيولة النقدية الفائضة الى مصارف اجنبية واعادة الحصول عليها عن طريق القروض ( ذلك في محاكمه ال كابون عام 1931 ) حيث عاد المصطلح ليظهر في ابان فضيحة وترجيت عام 1973 في امريكا .
خارطة انتشار غسيل الاموال
توزعت معظم عمليات غسيل الاموال في المراكز المالية الكبرى مثل نيويورك وزيورخ ولندن وباريس وهونغ كونك لكن تشدد هذه المراكز في رقابة تلك العمليات دعا اصحاب عمليات الغسيل الى التوجة الى دول ذات قوانين متساهلة وذلك للاسباب ادناه .
-اعتمادها سرية الحسابات والاعمال المصرفية .
-اعتمادها مبدا اطلاق المبالغ بسهولة .
– ضعف نظامها الضريبي وتراخي رقابتها على المصارف .
-وجود شبكة وسائل اتصلات حديثة ومتطورة .
-فتح حسابات سرية او مرقمة عن طريق وسطاء دون الالتفات الى مصادر هذه الاموال .
مراحل غسيل الاموال
1-مرحلة التوظيف : مرحلة الايداع النقدي وتعتبر من اخطر المراحل لاحتمال كشفها ومعرفة مصادرها غير المشروعة وامكانية معرفه وتتبع النشاط الاجرامي مع ربط اصحاب العلافة وتتمثل هذه المرحلة في عملية ادخال الاموال القذرة الى النظام المالي المصرفي
2-مرحلة التغطية : ويقصد بها قيام اصحاب الاموال اللامشروعة بعدد من العمليات التجارية تهدف الى قطع الصلة بالمصادر الحقيقيه لهذه الاموال من خلال استخدام وثائق ومستندات تعطي لها هذه المشروعية وبهذه الصيغة تصبح الاموال صالحة للتوظيف من الناحية القانونية للدخول في مشروعات اقتصادية امنة .
3-مرحله التجميع او التكامل : في تلك المرحلة يصعب الكشف عن مصادر الاموال الغير مشروعة وذلك لاستكمال اندماجها مع الاموال المشروعة واستمرار اجراء عمليات التوظيف والاستثمار للاموال التي يبدو انها مشروعة في مشاريع مربحة وقطاعات اقتصادية شرعية .
المراحل الثلاث اعلاه تتخللها وسائل تقليدية مجالها البحث والتقصي وادارة الملف من خلال العلاقات والنشاطات الخاصة ووسائل الالكترونية حيث اصبحت معروفة من خلال التعامل مع التقنيات الالكترونية و امكانيه اختراقها.
غسيل الاموال والجريمة المنظمة
تعتبر عمليه غسيل الاموال من الجرائم التي تأخذ شكلا قانونيا كاملا كونــــــــها تعبر عن نشاط اجرامي خارج اطار الشعب والحـــــكومة حيث تعمل تلك المجموعات وفق نظام دقيق معقد يفوق تنظيم الكثير من المؤسسات الحكومية .
اركان الجريمة المنظمة
التخطيط والتنظيم : وضع الخطط اللازمه لذلك بالاعتماد على هيكل تنظيمي يتميز بالتماسك والفاعلة ذو احترافية عالية وتخصص بالغ في كثير من المجالات الفنية اللازمة.
وقد ساعد في ذلك التطور التقني الحاصل وانتشار مفهوم العولمة عبر القارات و هنا حصلت طفرة كبيرة في النشاط الاقتصادي العالمي مما سهل العمليات والانشطة الاجرامية .
العوامل والمصادر الخاصة بالجريمة المنظمة
ان جميع العوامل والمصادر الخاصة بالجريمة المنظمة تختفي تحت ضاهرة غسيل الاموال .
ان تتبع الاموال الحاصلة من الجريمة المنظمة يؤدي الى الكشف عن القيادات العليا في تلك المنظمات مما يطور عمليات المواجهة بصورة كبيرة . وهنا لابد للاشارة من ان عصابات المافيا في اسيا اوربا وامريكا اللاتينية والامريكية من اشهر واقوى المافيات في العالم .
وبشكل عام فأن الفرق بين الجريمة المنظمة والعادية هو ان اصحابها (الجريمة المنظمة) يهدفون اساسا الى السيطرة على الهيكل العام للاقتصاد المحلي بشتى الوسائل التقليدية والالكترونية مع مراعاة استخدام الوسائل العنيفة لتحقيق ذلك .
ترتفع معدلات الارباح في عملية انتاج المخدرات بالمقارنة ببعض الانشطة الاقتصادية لتصل احيانا الى 370 بالمئة للمستوردين . وبحسب هذه الارباح فأن تلك المنظمات اصبحت منافسة للحكومات الشرعية في الكثير من الدول بالاخص بعض دول امريكا اللاتينية حيث تستخدم جزء منها لاضعاف تلك الحكومات وبالتالي تصبح تلك المنظمات خارج نطاق المسائلة والخطورة .
تستغل الجريمة المنظمة منظومة الفساد الاداري لتحقيق الكثير من اهدافها من خلال التسهيلات ومحاولات الالتفاف على النظم والقوانين.
ويرى البعض ان نشاط غسيل الاموال يأتي كثالث اكبر صناعة على المستوى الدولي بعد تجارة العملات ومبيعات النفط . اذ تشير التقديرا الى ان حجم عمليات غسيل الاموال تصل الى حوالي 300 مليار – 1000 مليار دولار سنويا .
ومن هنا فأن عملية غسيل الاموال تكون موازية للجريمة المنظمة ومتفاعلة معها في الوقت نفسه.


















