طالب الحيدري في نضاله الثوري يعقوب أفرام منصور ذكّرني الأخ رزّاق إبراهيم حسن، في حواره المنشور في جريدة (الزمان) البغدادية في ص 9 من عددها الصادر في 17 حزيران، بالشاعر الثائر الأخ طالب الحيدري، كما ذكّرني بصورة فوتوغرافية، إحتفظتُ بها لاحتوائها جانبًا من مهرجان الرصافي الذي أُقيم في قاعة الشعب في يوم 14/4/59، واتحاد الأدباء آنئذٍ كان في مستهل تأسيسه برئاسة الراحل الجواهري؛ وفي الصورة (مرفقة) أبدو الأول من اليسار، والثالث أكرم فاضل، والرابع طالب الحيدري. ما ورد في الحوار عن محتوى المجموعة الضخمة، بشكل عام، وما ورد عنها في مقدمة الشيخ المرحوم محمد رضا الشبيبي في 28 أيلول 1958 ، يغنياني عن إضافة معلومات وآراء؛ لذا سأعرض من قصائدها الثورية أبياتًا شواهدَ على أحداث مُتمَيِّزة، ومناسبات سياسية ووطنية وقومية، تفاعل معها الشاعر، فتفتّقت عنها أبيات ساخنة ذات كلمات مُعتلِجة، ملتهبة القوافي، حماسية النبرة، فانطبق على وصف القصائد التي ضمَّها الديوان بكونها ” قصائد ثورية من العراق 1958″. في قصيدة ( تحيّة الثورة) 14 تموز 1958، ستة وسبعون بيتًا، ذكر فيها الشاعر مساوئ نظام حكم العهد الملكي، ولمّا شخّصها في الصحف حينئذٍ وشجبها وأنكر ممارستها وارتكابها ـ وباعثه على ذلك كان حُبّه لوطنه، وانتقاده فساد الحكم، وامتثال الحاكمين لإرادة أعداء الوطن الأجانب والمستعبِد والمستعمِر، أُتُّهِم بالدعوة إلى المبادئ الخطرة والهدّامة ـ في زعم الإدارة الحاكمة ـ فكان منها أن جابهته بالإضطهاد والتشريد. لذا وجد في حدوث ثورة 14 تموز 1958 مُتَنفّسًا لِمُعاناته، ومجالاً للبوح بمشاعره، ولسرد مُقاساته، والإعراب عن أمانيه التي يروم تحقيقها في العهد الجديد الجمهوري، فأطلق هذه الأبيات : قصّوا لساني حينَ قُلتُ : كفاكم ظُلمًا ! وقالوا : هادمٌ فضّاحُ كالوا لِيَ التُهَمَ الخطيرة فارتوت منّي الحِرابُ الحُمرُ والأرماح أنا واحدٌ من ألف ألفٍ شُرِّدوا وغدوا يُثيرونَ الجموعَ وراحوا في كل بيتٍ شُعلةٌ مخنوقةٌ رَهَبًا، وغَيظٌ ناقمٌ لَفّاح ونال ” حلف بغداد ” وحلف ” الإتحاد الهاشمي” قسطًا وفيرًا من انتقاده وسخطه في هذه القصيدة وغيرها، نظير هذه الأبيات: ثوروا على ” الأحلاف” عدوانيّةً حمقاءَ لا يُثنَى لهُنَّ جَماحُ وتعقّبوا “الباغينَ” وانتقموا لنا منهم فإنّ دمَ البغاةِ مُباح دكّوا ” قصورَ” الظالمينَ وطهِّروا الأوطانَ مِمّن أفسدوا وأباحوا وحذارِ من صفوِ المياهِ ولُ طفِها فلدى القرارةِ ترسبُ الأملاح كان نظام الإقطاع في الشمال والجنوب من مثالب العهد الملكي، وفي المجموعة قصيدة قليلة الأبيات، نُظمت في آذار 1954 تحت عنوان (ضحايا الإقطاع)، بعد جولة الشاعر في مناطق الشاكرية والعاصمة وتل محمد، حيث قامت أكواخ ضحايا وصرائف الإقطاع، ومنها هذه الأبيات: شغلتكم قصورُكم والمتارف عن ألوفٍ تموتُ تحت الصرائف هؤلاء ـ الجياعُ ـ بركانُ تدميرٍ عنيفٌ جهنَّميُّ القذائف والعراةُ الحفاةُ جيشٌ إذا لم يزحفِ اليومَ فهوَ في الغدِ زاحف السوادُ” الذي هو الشعبُ محرومٌ وحتى من اكتسابِ المعارف أرهقوهُ جوعًا وأعمَوهُ جهلاً فأماتوهُ في سبيل ” الوظائف” في عام 1957 كان الأستاذ الراحل كامل الجادرجي رهين السجن، وفي قصيدة معنونة (إلى سجين) ومرفوعة “إلى الجادرجي في سجنه” ، وردت هذه الأبيات: صُمودًا .. فقدرهُمُ النازِلُ ومجدًا .. فنجمُهمُ الآفِلُ وتضحيةً … في سبيلِ البلادِ ، وجِدًا .. وقد هَزُلَ الهازِلُ لأمثالكَ ـ السجنُ ـ يا ” كاملُ ” وبعدَ غدٍ “فرجٌ ” عاجِلُ ” ! نضالاً .. إلى أن ينالَ الحقوقَ فلاّحُ شعبكَ والعاملُ ولاذَ بشرطته ـ حاكمٌ ـ ” غبيٌّ” يُلَقِّنُهُ ” جاهلُ” أبَيتَ مُساومةَ الحاكمينَ ونادَيتَ : ظِلُّهمُ زائلُ أيا ليلُ، طالَ علينا المدى ويا بَحرُ، هل قرُبَ الساحِلُ؟! تحتلّ القصيدة الطويلة الملحمية (سيري جموعَ الشعبِ سيري) المكانة الأولى في مجموعة “نضال” الشاعر المتمرِّد، نسبةً إلى القصائد الكثيرة الأخرى، من حيث موضوعها ومضامينها، وذلك أنها أعربت عن حماسته الملتهبة، وشعوره الوقّاد، وغَيرته الوطنية والقومية، ونبرته الثورية العالية. وحين نُشِرت في جريدة (لواء الإستقلال) في 22 رمضان/25 أيار 1954، عدّتها الجماهير ـ بفضل الإقبال عليها ـ نشيدًا جماهيريًا متطلِّعًا إلى حياة أفضل وغدٍ أسعد، وسمّاها البعض “إنجيل الثورة”، تمثُّلاً بالتسمية عينها التي سرت في عام 1789 في فرنسا قبل اندلاع ثورتها “الكبرى” في ذلك العام ـ أجتزئ منها هذه الأبيات: سيري جموعَ الشعبِ سيري وعلى عهود البغيِ ثوري وتحَكَّمي في الإتِّجاهِ وقرِّري لونَ المصيرِ باسمِ الرعيّةِ حاسبي الحُكّامُ ” في اليومِ العسيرِ سيري جموعَ الشعبِ سيري نحوَ ” الحياد” ولا تَحِيري ! فإذا أغار الأجنبيُّ عليكِ ـ مُعتَدِيًا ـ أغيري لاحت تباشيرُ ” الخلاص ” تقول للأجيال : سيري وتقولُ : يا ” بغدادُ ” دونك غَيِّري مجرى الأمورِ وتصَفَّحي تاريخَكِ الدامي المُلَطَّخِ بالشرورِ تَجِدي المظالمَ والجرائم ئمَ والمجازرَ في سفورِ ما فاتَ فاتَ فدونَكِ إجتثي “الفسادَ” من الجذورِ آنَ الأوانُ فيا جماهير إستنيري، بل أنيري ثوري على الإقطاعِ ثوري واستأصليهِ من الجذورِ ولمّا حِيلَ بينه وبين (السفر) إلى مصر في عام 1957 نظم قصيدتَه (إلى مصر)، جاء فيها مخاطبًا إياها : إنّي أبثُّكِ شكوى في لواعجها نارٌ مطهّرةٌ قدسيَّةُ الضَرَمِ صوتي تلاشى ولم يحفَل به ” بلدٌ ” قدِ ابتلاهُ ” الوصوليون ” بالصمَمِ وعن مؤتمر (باندونغ) المشهور بعدم الإنحياز وبالحياد الإيجابي، قال في عام 1957 : باندونغ ـ يا ملتقى الدروبِ يا مِشعلَ النورِ للشعوبِ تقتربُ ” الساعةُ ” اقترابًا من ” فرجٍ ” عاجلٍ قريبِ وكل ساعٍ إلى قرارٍ وكل جمرٍ إلى لهيبِ يحفل الديــــــــــــوان بمواضيع شتى هي من أبرز أغراض الشاعر، كالعناوين : إلى عدوِ الشعب ـ ألإتحاد المزيَّف ـ يا جماهير ـ في بابا كركر ـ قرابين ـ أوضاعنا ـ إلى مُصَــــــــدِّق ـ بورسعيد، لكن لا يتسع المجال لإيراد شواهدها الشعريّة.
























