العراق أنموذجاً
صفحات من تاريخ العلاقات العربية – الأفريقية
حيدر زكي عبد الكريم
تعود العلاقات العربية – الإفريقية إلى زمن قديم منذ انتشار الإسلام وتوسع العرب في تلك المناطق منذ العام 642م بعد فتح مصر والتوجه جنوبا ً نحو السودان وغربا ً نحو طرابلس ، وكانت تسمى آنذاك (المفرقة) ، وخلال العهد العربي الإسلامي استطاع العرب السيادة وتحديدا ً على شاطئ المحيط الهندي ، وكان امتداده هذه المرة عن طريق التجارة وإنشاء علاقات مباشرة بين إفريقيا وساحل الهند الغربي ، وقد حصل العرب خلال القرن الحادي عشر الميلادي على سلسلة من الوكالات التجارية في ساحل مشرق أفريقيا مثل مقديشو وماليندي وممباسا وزنجبار وكان العرب يمثلون الطبقة المتنفذة اقتصاديا ً في هذه المدن (1).
انتشرت العربية والإسلام وأصبح الكثير من المساجد جامعات أسلامية ، ولقد كان المغرب في الركن الشمالي الغربي لأفريقيا أشبه بمصر ، فمنه خرج الإسلام والعروبة نحو الجنوب وكان امتداد الإسلام والعروبة هنا أكثر بعدا ً نحو الجنوب عنه في شرق القارة (2).
وفي التاريخ الحديث وتحديدا ً العلاقات العراقية الإفريقية ، فقد كانت هنالك أسس لتلك العلاقات وكما هو معروف الأساس الجغرافي ودوره المؤثر والأسس الثقافية والاقتصادية والدينية ، وكان الطابع السياسي والدبلوماسي والاقتصادي والثقافي أكثر الأبعاد تأثيرا ً خلال العهد الجمهوري في العراق . كانت العلاقات متفاوتة بين العراق ودول القارة الإفريقية ويرى بعض الباحثين سبب ذلك نتيجة طبيعية للتخبط الذي طبع السياسة الداخلية والخارجية في العراق منذ قيام ثورة 14 تموز 1958 وحتى العام 1968 ، وكان منطلق هذه العلاقات من نظرة بعض الدول الإفريقية للعراق كوطن تحرري ، ولإسنادها لقضايا الأمة العربية في حينها . ومن هذه العلاقات على سبيل المثال العلاقة مع غينيا التي بدأت دورها منذ عدوان 1967 على الأراضي العربية ، وإدانة غينيا للعدوان الإسرائيلي على ارض العرب وتجسد على لسان الرئيس الغيني احمد سيكوتوري بتأكيده : (( عدم إمكان عزل القضية العربية عن الأماني والأهداف التي تطمح لها الشعوب الإفريقية )).
كذلك أصبح للعراق دور في تعزيز القضايا الإفريقية من خلال الاتصال الحثيث واللقاء المستمر على صعيد المؤتمرات .
وكان للجمهورية العراقية موقف من قضية الكونغو الشعبية* ، والتي كانت بداية علاقتها ضعيفة خلال أعوام الستينات ، لكن مع العام 1969 صرح الرئيس ماريان نغوابي في موقف مساند لقضايا التحرر العربي ومنها قضية فلسطين وفي العام 1972 قام وفد من حزب العمل بزيارة القطر العراقي مع العام 1974 بإرسال وفد الرئيس الكونغي إلى القطر العراقي لتبادل علاقات الصداقة والتعاون . وبالنسبة لأوغندا ، لم تشهد فترة الستينات أي علاقة واضحة بين الجمهورية العراقية وأوغندا بسبب طغيان النفوذ الإسرائيلي والذي اتخذ أشكالا ً متعددة ، إلا انه في العام 1972 صرح الرئيس عيدي أمين حول مسالة التغلغل الإسرائيلي في الشؤون الداخلية لبلاده ، وقد بادر العراق الى مؤازرة الشعب الأوغندي ووصل وفد عراقي إلى كمبالا من نفس العام ، وزار العراق في عام 1973 الرئيس عيدي أمين وحدثت مباحثات بين الجانبين تناولت سبل تطوير العلاقات بين البلدين (3).
وفيما يتعلق بعلاقة الجمهورية العراقية مع أفريقيا الوسطى ، بدأت السمات الواضحة لهذه العلاقة في بداية السبعينات وزيارة الرئيس الافروسطي وصدور بيان مشترك عن هذه الزيارة حول تأكيد للقضايا المشتركة وشجب الحكومات العنصرية في أفريقيا مثل السياسة العنصرية لحكومة الأقلية البيضاء في ناميبيا وجنوب إفريقيا (4).
تميزت العلاقات بشكل وطيد مع دول افريقية أخرى مثل تشاد عام 1973 والعلاقة مع تنزانيا وكان موقف الأخيرة مهم لشجبها عدوان عام 1967 على الأراضي العربية ، وتوجت العلاقة عام 1976.
وكان للجمهورية العراقية أيضا علاقات مع نيجيريا وكانت الأخيرة لها موقفها المساند للعراق حيث وقفت مؤيدة لقرار تأميم النفط عام 1972 كما كان للعراق علاقات دبلوماسية مع السنغال وقد زار رئيس السنغال ليوبولد سنغور بغداد عام 1975 ، حيث ظهر تطابق في وجهات النظر بين البلدين إزاء القضايا العربية والأفريقية . إن ما تقدم ذكره بصدد علاقات العراق مع الدول الأفريقية هو على سبيل المثال لا الحصر كما أسلفنا ، فكان موقف الجمهورية العراقية من بعض حركات التحرر والتي اغلبها ذات طابع مسلح مثل الكفاح المسلح في روديسيا وزيمبابوي (سابقا) الذي اخذ شكل المقاومة المنظمة معتمدة على حرب الأنصار في المناطق الجبلية والأدغال منذ العام 1966 ، حيث تبرع العراق بمبلغ (60) ألف دولار لدعم نضال الشعب الزيمبابوي .
كما أصدرت وزارة الخارجية العراقية في عام 1972 بيانا ً أكدت فيه مبدئية السياسة الخارجية في دعم النضال ضد الاستعمار والأنظمة العنصرية في روديسيا وجنوب أفريقيا وفلسطين المحتلة ، وتوضح موقف العراق من كفاح شعب الصومال العربي من خلال المواقف المبدئية ، فقد أدلى وزير خارجية العراق عام 1976 بتصريح : (( قال – إن العراق يرى ضرورة انسحاب التواجد الأجنبي في الساحل الصومالي بكل صوره لتنطوي صفحة قديمة من صفحات الاستعمار في أفريقيا )).
وكذلك ينطبق الوضع على جنوب أفريقيا ومنذ بداية الاحتلال الألماني حتى عام 1905 عندما بدأت السيطرة البريطانية ثم تبعتها سيطرة المستوطنين البيض التي مهدت لها القوى الاستعمارية في جنوب أفريقيا (5).
ومع إعلان قيام الجمهورية العراقية وعلى صعيد علاقاتها الخارجية ، قامت بقطع علاقاتها مع جنوب أفريقيا على اعتبار أنها حكومة تمييز عنصري (6).
يرى احد الباحثين : (( إن العلاقات العراقية الأفريقية ، قد وجدت لها أرضية مشتركة من خلال انتهاجها لسياسة عدم الانحياز والحياد الايجابي في علاقاتها الدوليــــة ، في نفس الخط الذي يتبعه القطر العراقي والدول العربية الأخرى ، فكان ذلك عاملا ً رئيساً في تعزيز العراق لعلاقاته مع الدول الأفريقية الثورية التي تلتقي معه على هذا الصعيد في المجالات الدولية كالأمم المتحدة إضافة لاتخاذه المواقف المشتركة تجاه الأحداث العالمية ، التي انطلقت نتيجة لمعاناتهم من ظروف متشابهه في مقاومة الاستعمار والتخلف على الصعيد الاجتماعي والاقتصادي )) (7) .
ويرى باحث آخر : (( كان المسلمون الأفارقة يتعاطفون مع القضايا العربية ويتحسسون من وجود التغلغل الإسرائيلي في بلدانهم ، وقد عانوا من عنت الاستعمار أكثر من غيرهم بسبب إرسال البعثات التبشيرية المبطنة بالدعوة إلى الاستعمار ولمحاربة الثقافة في المستعمرات ، فأصبحوا فريسة للجهل والفقر ، ولذلك أصرت الحكومة العراقية في العهد الجمهوري بقيامها ببعض الصلات مع المسلمين في تلك الأقطار ، فدعت زعيم مسلمي السنغال إبراهيم نياس لزيارة العراق عام 1960 وقد زار العراق كذلك الزعيم الديني الأكبر في أفريقيا الغربية شريف حيدرا ورئيس الجمعيات الإسلامية في كينيا يحيى حسن جمعة ووفد نيجبري برئاسة الحاج إبراهيم أمام )) (8).
الهوامش
1. شارل اندريه جوليان ، تاريخ أفريقيا ، ترجمة طلعت عوض أباظة، ط1، القاهرة ، 1968، ص68-69.
2. د.محمد عبدالغني سعودي ، قضايا افريقية ، ط1، الكويت ، 1980 ، ص72 .
3. عصام محسن علي الجبوري ، العلاقات العربية الإفريقية 1961-1977، ط1، بغداد، 1981، ص480-481.
4. المرجع ذاته ،ص483-485.
5. المرجع ذاته ، ص489-490.
6. حيدر زكي عبدالكريم ، الجمهورية العراقية الأولى 1958-1963، ط1، دمشق، 2011، ص116.
7. عصام محسن علي ، المرجع السابق ، ص491-492.
8.د.قحطان احمد سليمان ، السياسة الخارجية العراقية من 14تموز1958 الى 8شباط 1963 ، ط1 ،القاهرة ، 2008، ص367-368.
























