شكراً .. ما أسهلها – جليل وادي

كلام أبيض

شكراً .. ما أسهلها – جليل وادي

تزداد ثقة الأفراد بالمجتمع ، ويتعزز انتماؤهم له ، ويطمئنون لنواياه ، ويبعث في نفوسهم الاسترخاء ، اذ ما رأوا ان الذوق السائد فيه رفيعا ، في تعاملات الأشخاص  ، والعناية بانتقاء الألفاظ  ، وحسن اختيار الملبس ، وطريقة السير في الشارع ، واسلوب تناول الطعام في الأماكن العامة ، والاهتمام بالبيئة وغيرها من مظاهر الذوق العام . وهو معيار يُستدل به على مستوى تحضر المجتمع ، فاذا تراجع الذوق العام وساد الخاص فتيقنوا ان الغابة في طريقها للتشكل ، بمعنى ان السلوكيات تجري على الهوى وبحسب النزعات والميول وعدم احترام الآخرين ، ما يفقد الحياة جانبا من جمالها  .

 وشكر من يسدي لك فضلا ، ينم عن ذوقك ، وهو من البديهيات التي قد يكون التذكير بها معيبا ، فبالشكر تدوم النعم ، ومن لا يشكر الناس لا يشكر الله تعالى ، والشكر مفتاح القلوب ، هذه تأكيدات ورثناها لبيان ما للشكر من أهمية ، لكن الملاحظات تشير الى ان هذه المفردة البسيطة التي لا تكلف جهدا او مالا لا وجود لها في القاموس اللغوي والروحي للبعض ، وهذا البعض آخذ بالازدياد ، مثلا : توقف سيارتك في شارع عام ليعبر أحدهم  ، فيعبر ولا يومىء لك بالشكر ، وتفسح المجال لمرور سيارة بعد ضيق  ، فيمر سائقها دون أن يلتفت لك ، أظن ان لديكم أمثلة مشابهة كثيرة في مجالات أخرى .

 وفي الوقت الذي يبخل فيه البعض بكلمة طيبة من شأنها دوام سبيل المعروف وعدم قطعه ، ثمة من يقدم لك شكرا فارغا لا قيمة له ، وكأنه لم يصدر عن طيب خاطر او من الوجدان ، وهو ما درجت عليه بعض المؤسسات ومنها الجامعات التي يهديها أساتذتها كتبا استغرقوا في تأليفها سنوات ، وأنفقوا في طباعتها الطائل من أموالهم الخاصة ، لاسيما وان مؤسساتنا الجامعية لم تعد تدعم تأليف الكتب ،  بالرغم من ان الفكر جوهر العمل الجامعي ، فما يتبقى من المؤسسة التربوية والتعليمية يتمثل في انتاجها الفكري الذي ترفد به المجتمع ، فلا خلود الا للفكر ، وكل ما سواه في طريقه للاندثار او النسيان ، لكن الاهداء فيها يقابل بكتاب رسمي تحت عنوان ( شكر على اهداء ) ، لا يترتب عليه أي شيء ، بما في ذلك الاجراء الاداري البسيط الذي يمنح الاستاذ قدما وظيفيا لمدة شهر اذا كان الشكر موقعا من رئيس الجامعة فأعلى ، بينما يتطلع المؤلفون لدعم حقيقي معنويا وماديا انطلاقا من قدسية العلم ودوره في ارتقاء الحياة ، فالشكر على الاهداء لا يساويهم حتى مع عضو في لجنة صيانة او مشتريات مع الاحترام للجميع .

يبدع البعض في تدمير العقول ، ويبتكرون الغريب من التفسيرات  ، (فالشكر والتقدير ) يمنحك قدما وظيفيا ، بينما ( الشكر على الاهداء ) للحفظ فقط ، ولا ادري بالضبط هل لمثل هذا التفسير وجود في القوانين والتعليمات ، ام انه اجتهاد شخصي من الذين يذهبون على الدوام بالاتجاه السلبي ، ويترددون كثيرا بما هو ايجابي .

ولا يتوقف رصد واقع الشكر عند هذا الحد ، بل ثمة شكر مجاني يقدم لأشخاص لم يسدوا جميلا للناس ، ومثاله شكوى بعض طلبة الدراسات العليا من اهمال مشرفيهم ، فتراهم كالغرقى تتقاذفهم الأمواج ، هم في البداية وليس عيبا عندما لا يجيدون السباحة ، بينما يتفرج المشرف على طالبه بانتظار أن يصله البحث جاهزا ، لا أملك تفسيرا لهذه الفرجة سوى اللامبالاة مع ان حظها لدي من التأكيد ضعيف ، او قل الافتقار لمؤهلات كافية ، فما رأيت كبيرا الا وجدته كريما ، ومع ذلك يضطر الطالب الى وضع مشرفه في مقدمة المشكورين مع عبارات لطيفة تؤكد ان هذا الجهد ما كان له ان يرى النور لولا توجيهاته ( السديدة ) ، ونقول : طلبتنا أمانة والتعليم رسالة ، ويستدعيان تطوير أنفسنا خدمة لهم ولوطننا المنكوب . ولصبركم على قراءة المقال بالرغم من طوله اقول لكم من القلب : شكرا

[email protected]