شعرية المفارقة السردية – د. فليح السامرائي

 

شعرية المفارقة السردية

قصص “عندما كنتُ أجيد الطيران” لنورة يوسف البلوشي نموذجاً*

أ.د. فليح مضحي السامرائي

جامعة نزوى ــــــ سلطنة عُمان

 

تعتمد آلية المفارقة السردية في القصة القصيرة على ما يصطلح عليه الضربة السردية في نهاية القصة، ففي حين تسير أحداث القصة على نسق سردي معين تأتي الخاتمة كي تقلب الصورة رأسا على عقب، ليكون الحدث القصصي هو العامل الأهم الذي يقع عليه ضغط المفارقة في قلب الموازين السردية على نحو تناقضيّ لافت.

إن قصص نورة يوسف البلوشي الموسومة “عندما كنت أجيد الطيران” تنهض في تشكيلها السردي العام على تقانة المفارقة، وتحاول القاصة من خلال هذه المفارقة أن تمرّر أفكارها الثقافية والاجتماعية والحضارية، كي تكون القصة رسالة تنويرية لا تقف عند حد وظيفة المتعة بل تتعداها إلى وظيفة اجتماعية طليعية أخلاقية.

تعتمد قصة “أنا هنا” في تشكيل رؤيتها السردية على شخصية رئيسة هي شخصية الراوي، وهو يتحدث عن تجربته مع السيارة التي ورثها وكانت مصدر عيش الأسرة بما تدرّه من عوائد مادية نتيجة عملها في نقل الركّاب، لكنها تحولت فيما بعد إلى قطعة حديد مهجورة حين ضعف منسوب العمل على السيارة ولم تعد قادرة على الإيفاء بمتطلبات العيش، وقد سبّب هذا الأمر إحباطا كبيرا للشخصية بالشكل الذي لم تعد قادرة فيه على التعامل مع هذه الآلة البائرة التي لا فائدة منها، غير أن المفارقة السردية في القصة تحصل في الخاتمة حين تجد الشخصية نفسها فجأة وقد أزاحت عن كاهلها كل ذلك الخدر اللعين، مما جعلها تنتفض على كل ما حولها وتخرج إلى فضاء القصة وكأنها شخصية أخرى ترسم مسارا جديدا للأحداث:

(أسرعت إلى المقود منتفضاً، جلست مغمضاً عيني، ويداي باتت نظيفتان نضرتان تمسكان بالمقود بشدّة، شعرت بقوّة لم أشعر بها من قبل، انطلقت بالحافلة ولأول مرة أشعر بأنني سعيد، سعيد جدا.)

إن هذا الانقلاب المفاجئ في الحدث القصصي يؤكّد قوة حضور المفارقة السردية في عالم القصة، والانتقال من البطء إلى السرعة “أسرعت”، ومن الاستسلام إلى الانتفاض “منتفضاً”، ومن الضعف إلى الشدّة “تمسكان بالمقود بشدّة”، ومن الشعور بالغياب إلى الشعور بقوة الحضور “شعرت بقوة لم أشعر بها من قبل”، ومن الوقوف إلى الانطلاق “انطلقت”، ومن الحزن إلى الفرح والسعادة “أشعر بأنني سعيد، سعيد جدا”، وهو ما يؤكّد أن القصة بمجملها قامت على تقانة المفارقة وحققت هويتها السردية فيها.

تنتمي قصة “كومار وأكثر” إلى نوع طريف من المفارقة القصصية التي تعتمد على ما يمكن تسميته “مفارقة الشخصية”، فشخصية “كومار” الهندية توضع سرديا في موقف لا يحسد عليه يقوده إلى الحزن والتمرد في آن معاً، فقد تذكّر زوجته المريضة وهو يحلم بالعودة إلى وطنه إذ يعمل في الغربة منذ زمن، وتضاعف حزنه حين وجد أن وجبة الطعام المخصصة له قد تناولها غيره وصار في أسوأ حال، وحين سمع من الآخرين الهازئين جملة “بيبسي ويصيح” لم يفهم معناها لكنه أدرك حجم السخرية المقصودة فيها، على النحو الذي جعله يتخلّف أيضاً عن ركوب الباص مع زملائه ولم يشعر بتخلّفه أحد بسبب عطل باب الحافة المفاجئ، بحيث صعدت المفارقة السردية إلى أعلى مستوياتها:

(لم يفهم كومار ما قيل، إلا أن شعوره الإنساني قال له “إنهم يهزأون بك”، توقف قليلاً عن البكاء، اختبئ داخل البناية، انتهى اليوم، وجاءت الحافلة، صعد إليها كل الكماريين إلا هو، لم يأبه السائق لعطل الباب المفاجئ، فمضت الحافلة بفم فاغر تنادي كمار الحزين.)

فجملة الخاتمة القصصية “فمضت الحافلة بفم فاغر تنادي كمار الحزين.” تحقق أولا المفارقة اللفظية بين فم الحافلة الفاغر وفم كومار الجائع الحزين، فضلاً عن المفارقة الأكبر في الموقف والحال السردية التي جعلته وحيدا حتى من زملائه الكماريين، ليكون هو كشخصية قصصية مركزية في قلب المفارقة التي تتوزع على أكثر من مسار.

تطرح قصة “حرب باردة” مشكلة اجتماعية قائمة تتعلق بالنساء العوانس اللواتي يعانين من هذه القضية على نحو ما، وتحصل المفارقة حين تجد إحدى هذه النساء في حفلة أنها خارج معينة العيون المترصّدة بما بعث في داخلها البهجة والسرور، وشجعها على الخروج إلى الحياة بثقة وقوة أكبر خلّصها من كثير من المشكلات التي كانت تعاني منها سابقاً، لكن المفارقة التي تأتي في نهاية القصة تقلب كل الأمور على عقب وتنسف هذا الشعور الإيجابي، وتعود الأمور إلى المربع الأول بأكثر ما يمكن من قسوة ومرارة:

(ذهبنا للحفلة أنا وأمي، انتهى الحفل وهذه المرة لم أرَ عيونا تتفحصّني، ولا شفاهاً تكتم ابتسامة، ولا أصابع تصوّب تجاهي، فقد كان الكلّ سعيداً، حتى أنّ إحداهنّ كانت تنظر لي بإعجاب وقالت “تبدين جميلة بالفستان الزهري”.

أعجبني تعليقها كان يرضي شعوري الأنثوي، إلا أنني استغربت رأيها المفاجئ عني، كانت تصفني بعدوّة الأناقة، لا يهم، كل ذلك لا يهم، أشعر بأني نجحت أخيراً أن أكون ماما مريم، حتى أن أمي سعيدة بسماع ضحكاتي المتواصلة، توقّفت تجاعيدي عن الحفر بعد ما بدأت بعلاجها، تصالحت مع شعري الأبيض أراه أجمل من ذي قبل، كنت أصففه أمام المرآة عندما جاءني اتصال مفاجئ من تلك التي أبدت إعجابها بالفستان، قائلة: “بصراحة أودّ أن أخطبك لأبي، ولن نجد أنسب منك له”، سقط الهاتف وسقطت ماما مريم وعادت لقبرها دون رجعة.)

إن شخصية “ماما مريم” التي هي مثال للتفاني والمساعدة من أجل الآخرين التي حاولت شخصية المرأة تقمّصها تموت من جديد جرّاء هذه المفارقة اللعينة، لتأتي عتبة عنوان القصة “حرب باردة” ثمارها على هذا النحو المأساوي الفاجع.

تحكي قصة “فنجان بوشاح أزرق” مفارقة سردية من نوع آخر، فشخصية الراوي الذاتي الأنثى ترتبط برجل غربي أزرق العينين، لتذوب في سحر عينيه وتتحول إلى رهينة له وكأنها مسلوبة الإرادة، لكنها في لحظة استدراك قوية تعود إلى هويّتها وتتذكر عصا أبيها كي تتمرد على سجنها الأزرق تاركة هذا الحبيب الفرعوني وبلاده:

(أدركتُ أن عون اختارني ليمارس فرعونيته كما يشاء، ظن أنني أضعف من أن أقول لا في وجه تلك العينين، لوهلة شعرت أنني سأغرق في بحرهما، إلا أن عصا أبي انتشلتني، صرخت في وجهه وقلت له لست إحدى جواريرك، سأرجع لدياري، لا تناسبني هذه الحياة، بكل هدوء طلب مني جمع أغراضي، رحلت وما زلت أبحث عن بدوي بعينين زرقاوين)

لعل المفارقة تحصل في جملة “رحلت وما زلت أبحث عن بدوي بعينين زرقاوين” إذ تبحث عن بديل مناهض “بدوي” يحقق الشرط المطلوب، بالمعنى الكامن الذي يقول أو يوحي باستحالة إمكانية العثور على بدوي بعينين زرقاوين، فالصراع الهوياتي بين “جون/عون” بتقاليده الغربية التي تسمح له بالخيانة العلنية لزوجته المغرمة بعينيه الزرقاوين، وبين الحلم البدوي في عينين زرقاوين محليتين، هو صراع ثقافي واجتماعي وحضاري قائم وسيبقى قائما أبد الدهر كما تريد مفارقة هذه القصة أن تقول.

تحكي قصة “مراهق” حساسية العلاقة بين شخصية القصة الرئيسة التي تمثل طالباً يحب درس التعبير، وحين كتب موضوعاً حراً لم يلقَ الاستجابة المطلوبة من المعلم ولا من زملائه المشغولين بالتعبير عن موضوع كرة القدم فقط، وحين عرضه على أبيه بخجل خاف أن تكون ردّة فعل أبيه غير مشجّعة، غير أن المفارقة السردية حصلت في خاتمة القصة حين عاد الطالب إلى المنزل وفوجئ بكمّ الكتب التي جلبها له أبوه هدية، بالمعنى الذي يجعله سعيداً باكتشاف إليه لموهبته في الكتابة، ولا سيما العبارة الفلسفية التي تركها له أبوه في ورقة منفصلة كي تعبر له عن مستوى فهمه لموهبة ابنه:

(عند عودتي للمنزل تفاجأت بكمٍّ هائل من الكتب، تتحدث عن الوجود والإنسان، عن المعرفة والسؤال، عن الفلسفة والمنطق، وضعت على طاولة غرفتي ملفوفة بشريط أحمر، وكُتب على ورقة منفصلة “عانيت السؤال، فلتسعد بالمعرفة”، يبدو أن والدي فهمني قبل أن أفهم نفسي.)

تصف هذه الخاتمة القصصية صورة المفارقة المدهشة الإيجابية التي عوضت الطالب ما يعانيه من إهمال في المدرسة، وعلى الرغم من أن هذه الكتب التي وجدها هدية من أبيه تتحدث عن الوجود والإنسان والفلسفة والمنطق قد تكون أكبر من عمره، لكنا تنطوي على إشارة رمزية بما سيكون عليه هذا الطالب في قابل الأيام.

أما المفارقة الحاصلة في قصة “يوميات جدّة سعيدة” فهي تتصل بشخصية الجدة في علاقتها بشخصية رحمة، ففي حال احتضار الجدة واقترابها من الموت وحضور الكل إلى جانبها نرى أن المفارقة السردية تحصل في موقف شخصية رحمة، ففي الوقت الذي يجب أن تكون فيه رحمة ضمن المسعفين لمحاولة إنقاذ الجدة نراها مهمومة بكتابة يوميات الجدة:

(-ما هذه الأوراق التي في يديك يا رحمة، الدكتور يناديك كل الممرضات يسعفن الجدّة، يبدو أنها تحتضر.

بصوت مبحوح:

-ماذا أفعل بيومياتها التي طلبت مني كتابتها، أسعدها الزهايمر وخذلني، لن أستطيع نسيانها.

أرجوك خذيها)

تحصل المفارقة في أن اليوميات لم تكتمل أو أنها أخذت منحى آخر بسبب إصابة الجدة بمرض الزهايمر وفقدان الذاكرة، إذ إن جملة “أسعدها الزهايمر وخذلني” تصور حجم المفارقة السردية بين الجدة وقد تحررت من سرد ذكرياتها، ورحمة التي أصيبت بالخذلان من عدم استكمال مشروع سرد ذكريات الجدة ورغبتها في التخلّص منها.

تعكس قصة “فيسبوك” مفارقة العالم الافتراضي حين يتم التواصل بين فتاة ورجل مجهول أحدهما بالنسبة للآخر، ومن ثم تكتشف الفتاة في مفارقة مذهلة أن هذا الرجل الذي كانت تبادله الحب لم سوى أبيها:

(ألو ماريا أرجوك تعالي، إنني أرتجف، لقد كان هو..

-ذاك مجهول الهوية إنه أبي، أبي..

-يا إلهي لم تصادفي في الفيس بوك إلا فيس أبيك؟)

فحين كان مجهول الهوية كان الوضع يسمح لها بالتواصل معه بلا حدود، لكنها حين اكتشفت أنه صار معلوم الهوية؛ بل هو أقرب الناس إليها بوصفه أباها، فإن المفارقة السردية ترتفع إلى أعلى درجات الإدهاش والاندهاش.

تقوم قصة “عندما كنت أجيد الطيران” على بنية رمزية تقدم صورة طفل يحلم بالطيران لكن مجتمعه يحاول كبح جماح هذه الرغبة، وقد أطلق عليه أصحابه لقب القرد وعانى كثيرا بسبب هذه التسمية وأراد أن يطير كي يتخلّص من هذا العبء، غير أن المجتمع ظلّ أقوى منه وأُجبر على أن يكون في النهاية كما يريد هذا المجتمع لا كما يريد هو:

(بنصف روح متجسدة في جناحي الضخم، صعدت السماء، لم ترسم الحدود لأجلي، يزيدون سخطاً ويكبر جناحي اليتيم، طيور الأرض تسابقني، أخيراً تمكنت من اللحاق بالصقور، لم أكمل أسبوعي الأول من تعوّدي على ارتداء البشت، لسبب تحفّظوا عليه تمّ تنحيتي من منصبي، نهشوا ريشي، وبتروا جناحي، شوّهوا سمعتي، فأصبحت كما أرادوا.)

إن الجملة الأخيرة هي جملة صاعقة تشير إلى تحطّم الحلم وتدجين الشخصية في إشارة إلى قوة التقاليد وضغطها على من يحلم خارج السياق، فالجملة “فأصبحت كما أرادوا” صادمة على صعيد تلاشي الحلم الشخصي للفرد بإزاء تقاليد المجتمع وأعرافه ومواضعاته، فالفرد في النهاية هو مجرد رقم ضمن مجموعة أرقام وعلى أحلامه أن تتحطم على عتبة الهيمنة الطاغية والقاسية للتقاليد الجمعية.

 

* عندما كنت أجيد الطيران، قصص قصيرة، نورة يوسف البلوشي، دار نثر، مسقط، سلطنة عُمان، 2021.