
سنواتُ الجَمر – علي الجنابي
ألا يا مؤرخَ الأحداثِ أرِّخْ عن لساني سنواتِ الجَمر… فلقد مرَّ عقدُ السبعينياتِ في دروبِ بلادي كمرورِ عابرِ سبيلٍ باسمٍ ثغرُهُ، ثقيلٍ كتفُهُ بأعوامِ من هناءٍ ومن بهاءٍ بفخر، وحُقَّ عليَّ لها المناداة؛ “أعوامَ العُمر”. وكان قد سبقتها – أيا مؤرخَنا – عقودٌ على القومِ يتنازعونَ أمرِهم بينهم، فكانَ التماوجُ فيها بينَ (ملكيٍّ) مابرحَ مغرماً برأسٍ ذي قبعةٍ وبكأسٍ من خمر، و(جمهوريٍّ) ماإنفكًّ متنمِّراً هائجاً كالثَّورِ، وتراهُ ثائِراً متمرّداً حتى ولو ملكَ بيديهِ نواصيَ الخلقِ والأمر. وكذا كان َالتزاوجُ المرُّ مابين (علمانيٍّ) عاشقٍ لطللِ أهلِ الأرض كلِّهِمُ أجمعين إلّا طَلَّةَ ربِّ الأرضِ فهو لها راشقٌ ولشِرعَتهِ النَّبذُ والضَّمر، و(إسلاميٍّ) مُتشكِكٍّ بمللِ أهلٍ الأرض كلِّهِمُ أجمعين إلّا ملَّةَ سيّدهِ إلههِ، فهو بها مُتمسّكٌ وبشِرعَتِها -ظاهراً – مُتنسّكٌ ولسواها البغضُ والشَّر كانَ التماوجُ تماوجاً بين ألوانٍ تعيسةٍ شتّى، وكانَ التزاوجُ تزاوجاً بين ألحانٍ بئيسةٍ تتلظّى وتتشتّى، بل وكانَ التوأمُ (القوميُّ) فيها يسفكُ دمَ توأمه (الماركسيٍّ) حتّى.ثمَّ اتبعَ “أعوامَ العُمر” عقدُ كاسحٌ لخصومهِ فإسحوذَ بجدارةٍ على لقبِ (السَّنواتِ الحمر)، إذِ أكتسَت أطيانُ “نهرِ جاسمَ” برداءٍ قانٍ لونهُ، ونستِ النوائحُ وراءَ ذلكَ النَّهرِ كيدَهنَّ وإلتقمنَ النَّدبَ وأنينَ القهر. ثمَّ أتبعَ عقدَ السنواتِ الحمر، عقدٌ كئيبٌ كالحٌ، عقدُ “سنواتِ الضَّمر”، إذ كان المرءُ في ذا عقدٍ غاشمٍ يجتَرُّ حباتِ التَّمرِ وهو لا يدري أنها حبّاتُ روثٍ لبقرٍ ومكوّراتٍ من بَعر. كانَ العقدُ خانقا. وحالقاً كانَ لبقيةٍ من مروءةٍ بين نسبٍ وصهر، وكان ظلوماً إذ بيعَت في أسواقهِ -يا مؤرِّخَ- رؤوسُ الدجاجِ وأطرافها بهتافٍ من التَّنطُّعِ بالفخر:
“تفكَّهْ برأسها أوّلاً ثمَّ ترفَّهْ بأطرافها ولا تنسَ منقارَها والظفر، وتبَّاً للمستحيل وعاشَ المجاهدونَ السُّمر، وعاشَ شطُّ البصرةِ وإذ يتزاوج فيه النَّهرُ بالنََهر”.
ثم جاءَ عقدُ الموتِ من “صفوانَ” مُكشِّراً بأنيابِ الموتِ على طريقِ الموتِ ومُنادياً:
“يا أيُّها المجاهدونَ السُّمر، هلّا منحتم سنواتِ عقدي وصفاً يليقُ براياتِها راياتِ الصَّدمةِ والرّعبِ والذََعر، ولكم منيَ ظريفُ الطرفِ بالثناءِ،
ولكم منّي لطيفُ الذَّرفِ بالشَّكر، ألا إنَّكمُ أنتمُ العارفونَ بناءَ الحرفِ في هضمٍ وفي شَرّ، وأنتمُ المحترفونَ لقهقاتِ الأنسِِ على أنينِ الثّكالى حين الغروبِ حذوَ القبر .ثمَّ إني ألتمسُ بينَ أيديكمُ وأضعُ أمامَ أنظاركم وصفاً لعقديَ الحنونِ وبلا توصيةٍ ولا أمر، وذلكَ هو لقبُ “سنواتُ الطَّمر”، فأرانيَ فيه قد طمرتُكمُ وحشرتُكمُ في بطنِ سبعِ أرضينَ، وساءَ لكمُ من طمرٍ ومن حَشر.
ثم أقبلَ تاجُ العقودِ كلِّها أجمعين متمايلاً بتغنُّجٍ على عَشر. ذلكَ هو عقدُ “سنواتِ الجَمر”، وفيهِ أضحتِ الغوغاءُ مالكةً، والضوضاءُ حالكةً، والغبراءُ سالكةً، وأمستِ الكرامةُ والكبرياءُ هالكةً.
ومازالَ العقدُ مستمراً …
وترانا نلوكُ أخبارَهُ حينَ نُصبحُ بأضراسنا وبسذاجةٍ عجبٍ، وحاسرينَ وكأنهُ لنا النَّصر، بينما ترى زعماءَ العقدِ يلوكُنا بأسنانهم وبعجاجةٍ وصخبٍ، وساخرين حين الظّهرِ وحينَ العصر.























