سلمى الغريبة (2)
غازي فيصل شرهان العرس
مضت ايام عدة على غريبة وهي حزينة تبكي وقد جلست في احدى زوايا البيت وامتنعت عن الاكل والشرب ولا تعرف مصير اولادها وبناتها وما حل بهم. جاء اليها احد الشبان من اولاد الشيخ ليتحدث اليها فلم تكشف له عن وجهها وامتنعت الاجابة عن اسئلته ولما قال لها انه يرغب الزواج بها قالت انها متزوجة وعندها خمسة من الاولاد والبنات. وبما انه لا يحل زواجها فانصرف خائبا وقال لامه استفادي منها كخادمة. اقتربت منها الام وقالت لها اكشفي عن وجهك ليس لك مسلك آخر سوى ان تعيشي واقعك وسأكون رحيمة بك واعاملك بالحسنى وانا ام لثلاث بنات كبيرتهن غابت عني منذ زمن بعيد ولا اعرف عنها شيئا. اجابت غريبة شكرا لك ايها الام الطيبة وسأكون طوع امرك. وبالكلمة الطيبة والابتسامة الحلوة تمكنت الام من اقناع غريبة ان تأكل ومن ثم باشرت مع البنات في تمشية امور البيت من طبخ وعجن وخبز وتنظيف الى غير ذلك. استمرت بالعمل في بيت ابيها وهي لا تعلم انه بيت ابيها الا انها ترى معالم البيت وكأنها تعرفها وكذلك تنظر الى اخوانها والى اخواتها بنظرات فاحصة عميقة لعلها تتذكر اين ومتى عرفتهم؟ وبدت الأم والاخوات ينظرن اليها وكأن شيئا يربطهن بها وتسأل الواحدة الأخرى اين ومتى التقينا بهذه المرأة لتصرف غريبة الجيد في البيت واخلاصها في العمل جعل جميع من في البيت يحبها ويتعاطف معها. وفي احد الامسيات طلبت الام من البنات ومن غريبة ان ينظفن سطح الدار ويفرش الفراش. ولما صعدت غريبة بالدرج المفتوح من الجانب لعدم وجود سياج ولكونها لم تتعود صعود الدرج فسقطت على رأسها ارضا واغمي عليها ولما رشوا وجهها بالماء وعصروا رأس بصل قرب انفها فتحت عينيها وشاهدت اخواتها وامها حولها وهم جميعا يحاولون الاهتمام بها نظرت اليهن نظرة تعجب وقالت: امي امي اخواتي فاطمة وخالدة اين انا؟ اين كنت هل عرفتم من انا؟ انا لست غريبة انا سلمى ابنتكم سلمى وقفزت لضم امها الى صدرها والام عرفت انها هي سلمى ولكن وجود شبه بسيط ولما كشفت عن ساق سلمى وشاهدت اثر الحريق على الساق الذي حدث عندما كانت سلمى في سن العاشرة. عندئذ ايقنت الام انها ابنتها سلمى، وبذلك ضمتها الى صدرها واشبعتها قبلا ودموع الفرح تهطل بغزارة على خدودهن الام والاخوات وزغردن فرحات بهذه المفاجئة غير المتوقعة سمع الأخوان والاب فأسرعوا ركضا الى صحن الدار وشاهدوا الام والبنات فرحات ويزغردن ويهتفن بصوت عال هذه سلمى يا ابي هذه سلمى.
نهضت سلمى واقفة وقبلت يد ابيها ثم ضمت اخوتها الواحد تلو الاخر الى صدرها وهي تشمهم وتقبلهم وجلس الجميع في غرفة المضيف وباشروا بالاستفسار اين كانت وكيف غابت المدة الطويلة واين عاشت؟ وسبق ان قلت انك متزوجة من هو زوجك؟ قالت لا اعرف من هو زوجي؟ لا اتذكر وسبق ان قلت عندك اولاد وبنات اين هم؟ وما هي اسماؤهم؟ قالت لا اذكرهم.
قال الأب: نحن نعرف القبيلة التي غزوناها واخذناك منهم سبية وعليه لابد لنا ان نرسل لهم الخبر بالمجيء الينا لأخذ اسراهم لانهم انسباؤنا ولا يمكن ان يكون اولادهم وبناتهم سبايا عندنا ثم اردف من الاحسن ان نأخذهم بقافلة ونسلمهم الى رئيس العشيرة ونخبره بأننا اقارب ونحن اخوال شبابهم. وبعد ايام سارت قافلة على رأسها الشيخ ويتبعه ابناؤه ومن ثم ابناء سلمى الذين قبلهم الشيخ ورحب بهم الذين سحبوهم من القبيلة حيث كانوا خدما وعبيدا في البيوت. ولما وصلت القافلة قريبا من قرية اهل سلمى ارسل الشيخ رسولا يخبر شيخ القبيلة بأن شيخ محمد واولاده ووجوه القبيلة جاءوا لزيارتكم خرج الشيخ ووجوه القبيلة لملاقاة القافلة عندما علم من الرسول بان غريبة واولادها وبناتها واولاده وجميع الاسرى والغنائم من حيوانات واثاث جاءت بها القافلة لاعادتها اليهم لان غريبة هي ابنة الشيخ محمد واسمها سلمى.
وقف الشيخ ووجوه القرية لاستقبال الضيوف ولما اقتربوا تقدم شيخ محمد وصافح شيخ القبيلة وقبله واعتذر منه وقال لقد اعدنا اليكم كلما سلب منكم وارجو ان نكون يدا واحدة ونتعاون لملاقاة الصعاب سوية. واننا اصبحنا اقارب ولابد لنا ان ننسى الماضي.
ولما اقتربت القافلة من القرية وعلم اهلها بأن اسراهم وحيواناتهم عادت خرج الجميع يهتفون ويصرخون فرحين مهللين والنساء يزغردن وهكذا التقى الاسرى بذويهم والافراح عمت الجميع. وذبحت الخراف والعجول لإقامة وليمة كبيرة للضيوف. وهكذا انتهت هذه القصة وزالت العداوة بين القبيلتين.


















