سعيد قديد يحفر تشكيلياً في سحر المغرب

سعيد قديد يحفر تشكيلياً في سحر المغرب
الاسوار القديمة تنبض بالحيوية في فضاء اللوحة
فيصل عبد الحسن
في المعرض الجديد للفنان سعيد قديد في رواق باب الرواح بمدينة الرباط تجد عمقا مضافا في لوحاته يغنيها الرائي بتصوراته، وهذا ما ميز معرضه الأخير عن معارضه السابقه، فكل لوحة لهذا الفنان هي دعوة أيضا لمشاركة الآخرين في أغناء عوالمه، وأذكاء الأصالة على خطوطه والوانه، التي تبهر الناظر بالرغم من أن معظمها ألوان صافية لم يخلطها، ليعطينا الشكل المميز والذائقة الفنية، التي تعود بنا إلى البادية المغربية وإلى صفاء الناس هناك وبساطة حياتهم، ونظرتهم النقية لما يحيط بهم من زروع وحيوانات وبشر وسماء وشمس مشرقة، والفنان سعيد قديد الذي نقل لنا في لوحاته الجديدة خبرته عبر أكثر من عشرين سنة في العمل التشكيلي، وعبر العديد من المعارض الجماعية والفردية في المغرب وفرنسا وإسبانيا، وبأفكار بسيطة عن الحياة، لكنها مشبعة بحب حياة البسطاء وعشق المدن العتيقة، وتعلق حقيقي برسم لون الصلصال، ذلك الصلصال الذي تجده في اغلب لوحات الفنان، تجده مرة مهيمنا في لوحات عن أسوار المدن المغربية القديمة وعن البحر، ومرة عن الصحراء، ووجوه الناس، وذلك ما وجدناه عبر معارضه العديدة سواء الجماعية أو الفردية أبتداء من عام 1990 وهو تأريخ أول معارضه الفردية في مدينة طنجة عقب تخرجه من مدرسة الفنون الجميلة في تطوان. أن خوض التشكيليين في العالم في موضوع تطوير بعض مسلمات الرسم لدى فناني الأنطباعية ككلود مونيه وأوجست رينوار وبول سيزان وكامن بيسارو وإدجار ديجا، قديم، فهذه المدرسة في الرسم التي بدأت بلوحة أنطباع شمس مشرقة للرسام مونيه، والتي عرضت في أحد معارضه عام 1874 وأعتبرت هذه المدرسة الفنية ان الخط ليس جزءا من طبيعة الرسم، وأن الخط لا يوجد في الطبيعة، وكذلك محاولاتهم عبر لوحاتهم تقليد أنعكاس ضوء الشمس على الأشياء في الرسم، وتحقيق ذلك بأستخدام الألوان الزيتية الصافية، وما عرف حينها بالنظر إلى الأشياء عبر فتحة ضيقة، وما يستطيع تحقيقه الفنان من خلال نظره عبر حيز محدود يتم بتضييقه لمجال الرؤية عبر حجب النظر بإغماض الجفن، وجعل العين ترى من خلال شق ضيق، فيتيح ذلك الخيال للفنان لرسم الأشياء، كما تترأى له عبر ذلك الخط الضوئي المنعكس على بؤبؤي العينين، وكذلك الأهتمام بالشكل العام من دون نقل التفاصيل، وقد أضيف على ذلك فيما بعد الرسم بالتنقيط اللوني، التي طبقت فيما بعد كتقنية في النقل الصوري التلفزيوني العادي والملون، والرسم في اوقات مختلفة لذات الشكل، مما يعطي أنطباعا بعدم ثبات الرؤية البصرية للشكل المحدد في اوقات متغيرة، انها دعوة إلى تغليب التصور لدى الإنسان، وتشغيل ملكة الخيال لديه أكثر، مما هي نقل لجماليات محددة المعالم في الحياة، والأشياء وقد أعتبر هذا من عيوب الأنطباعية وتقصيرها فهي، تحليل نفسي لمشاعر الفنان أكثر من أن تكون رؤيا جمالية فنية للعالم وما يدور فيه من أفعال، وقد أستوحى الفنان قديد الكثير من دروس ومسلمات تلك المدرسة وبنى عليها تصوراته لشكل اللوحة التي يرسمها.
المعرض الآخير
نرى الكثير مما أتت به الأنطباعية من مسلمات في لوحات هذا المعرض، فالفنان قديد أهتم برسم الأشكال العامة، وترك الباقي للرائي ليكمل في خياله بقية اللوحة، نرى ذلك في لوحة السوق، وهي من قياس 1.5 م في 1.2م وبالمناسبة أن معظم لوحات معرضه الجديد كبيرة الحجم، فنرى لوحة راكب الحمار، وهي من قياس 1.1 م في 1م ولوحة الشيخ الذي يحمل متاعا على ظهره، من قياس 9. م في 8. م والبورتريه الذي يمثل رجل البادية المغربية من قياس 1.5 م في 1.1 م وهو يسير ليقضي أمرا ما، ولوحة لمحجبتين، وخلفهما تختلط الألوان ففي لوحة السوق تبدو النساء بلا ملامح محددة ولا يستطيع الرائي سوى تمييز بعض المحددات للوحة كسقيفة السوق، وأشكال المتبضعين من الرجال والنساء، أن الفنان سعيد قديد مواليد 1965 والذي تخرج من المدرسة الوطنية للفنون الجميلة في تطوان للرسم عام 1990 وحصل على شهادة الباكلوريوس في فن الجرافيك، وقد كان ولا يزال أمينا لما تعلمه من هذه المدرسة، التي تعلم طلابها في العادة مدارس التشكيل الأوربية، ومنها المدرسة الأنطباعية التي رسم بها قديد معظم لوحات معرضه الأخير.
سحر المغرب
المعرض الآخير لقديد كان تحت عنوان الحفر في سحر المغرب وهي تسمية تقترب لما قدمه هذا الفنان في معرضه من لوحات تحفر في حياة المغاربة، وتستبطن تأريخهم عبر رؤية بانورامية للمجتمع المغربي في أسواقه وصحرائه، ومدنه القديمة، وناسه البسطاء، لقد عني الفنان عناية خاصة بنقل التراث القروي المغربي وأهل المدن والقرى النائية البعيدة عن مدن الكونكريت، والحضارة، والأزدحام السكاني، واستعمل في رسم لوحاته الألوان الحارة، التي تتدرج بين الأحمر والبرتقالي والبني الغامق، واشار الفنان لهذا الأستخدام للألوان بقوله، في بوستر معرضه أن اختياراته للألوان مرتبطة بالمستوى التقني للضوء، فاللون يولد مع الضوء، ومن خلال اللون أشير إلى تواجد ضوء قوي فضلا عن أرتباط المغربي باللون من خلال بعض المواد التراثية كالزربية والأواني الخزفية وقال عن مرجعيته التشكيلية موضحا أن المغرب العميق هو مصدر إلهامه، وأنه يقوم بسفر في الزمن، ويؤمن بعدم أمكانية الخطو إلى الأمام بعمق إلا إذا تم الرجوع نحو الماضي الملامح التي رسمها التشكيلي المغربي سعيد قديد بطابعها المتنوع، مسالة أنتماء، وهوية بالنسبة له فقد تقمصها في أعماله، والتي عكست تنوع المكونات الثقافية للمغرب.
/6/2012 Issue 4226 – Date 14 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4226 التاريخ 14»6»2012
AZP09