زيارة مفتي مصر للقدس
عــادل البيـــاتي
الزيارة المثيرة للجدل التي أقدم عليها الشيخ علي جمعة مفتي الديار المصرية، الى مدينة القدس الشريف، والمسجد الأقصى، أثارت سخطاً واحتجاجا شديدين، بينما رحبت بها السلطة الفلسطينية واعتبرتها خطوة جيدة.
ابراهيم نجم، مستشار المفتي دافع عن الزيارة بالقول انها كانت في اطار افتتاح كرسي الامام الغزالي للدراسات الاسلامية في القدس، وبوصف جمعة عضوا في مجلس أمناء الكرسي، كما قال ان زيارة جمعة جاءت تحت اشراف أردني سياسياً وأمنياً، وليس اسرائيلياً كما يزعم البعض ، وأفاد بأن المفتي صلى ركعتين في المسجد الأقصى، وزار قبر النبي موسى عليه السلام، وزار بطريرك كنيسة القيامة، وصلى الظهر داخل مسجد البراق في الحرم القدسي اماماً بالمصلين الذين كان من بينهم الأمير الأردني غازي بن محمد رئيس مؤسسة آل البيت والشيخ محمد حسن، مفتي القدس والديار الفلسطينية وخطيب المسجد الاقصى والشيخ عبد العظيم سهلب رئيس مجلس الأوقاف الاسلامية بالقدس والدكتور عزام الخطيب رئيس أوقاف المسجد الأقصى.
الزيارة أعادت لنا الى الأذهان الزيارة التي قام بها المرحوم محمد أنور السادات للقدس 1978 وكانت بداية الكارثة والتصدع العربي، وتبعتها بسنوات طويلة زيارة أحمد ماهر وزير خارجية حسني مبارك للقدس التي استقبله أبناؤها عند بوابة المسجد الأقصى برمي الأحذية عليه دلالة على رفض الفلسطينيين وأهل المقدس لمثل هكذا مبادرات تصب في خدمة الاحتلال والتطبيع ولا تصب في خدمة القضية الفلسطينية.
وتأتي زيارة المفتي بعد زيارة المدعو الحبيب الجفري الداعية اليمني. أوائل أبريل الحالي للقدس، والتي تحدَّت مشاعر المسلمين واستهجنها علماء المسلمين، وفي مقدمتهم الشيخ عكرمة صبري رئيس الهيئة الاسلامية العليا في القدس المحتلة وخطيب المسجد الأقصى لأنها تمت بتصريح من سلطة الاحتلال الاسرائيلية، وبتطبيع واقرار بشرعية الاحتلال الصهيوني للقدس. وتأتي زيارة المفتي المصري في السياق ذاته، وبالرغم من ادعاء الشيخ جمعة وعدد من مدافعيه، أن الزيارة تمت بدون التنسيق المسبق مع سلطات الاحتلال الاسرائيلي ، فانه ادعاء يكذبه الواقع ووجود ضباط اسرائيليين مع موكب المفتي لحراسته، وأن اسرائيل لا يمكن أن تسمح لأحد من خارج القدس والضفة بزيارة المسجد الأقصى الا بتصريح.. بل أن أهل القدس ذاتهم يتعرضون للمضايقات والمنع من دخول المسجد الأقصى، وكما لاحظ الناس من خلال الاعلام أن زيارة جمعة جرت بغياب المواطنين المقدسيين، ويبدو أن الهدف منها دعائي لاسرائيل والتقاط صور تذكارية. الزيارة المشبوهة أضرت المسلمين، وبالأخص الفلسطينيين أكثر مما نفعتهم، فهي زيارة تبتغي ارسال رسالة مضللة وكاذبة الى العالم بأن عملية السلام والمصالحة بين العرب واسرائيل تسير في الاتجاه الصحيح، وان اسرائيل، بل وحكومتها اليمينية المتطرفة، دولة متسامحة تجاه جميع الاديان واتباعها بمن في ذلك العرب والمسلمون خصوصا. وبعلم العالم كله أن السلطات الصهيونية منعت المتضامنين الاجانب من الدول الاوربية من دخول مطار تل ابيب، بل وحاولت منعهم في بلدانهم من ركوب الطائرات اليها واعتدت على من وصل منهم الى تل ابيب بالضرب في قلب المطار واعادت معظمهم الى بلدانهم.
الجهة الأكثر ترحيبا بزيارة علي جمعة هي السلطة الفلسطينية، ممثلة بوزير أوقافها الدكتور محمود الهباش وادعى بأن شخصيات اسلامية وعربية مرموقة ستحذو حذوه في الايام والاسابيع القليلة المقبلة، فمثل هذا التوجه يشكل خطرا كبيرا على القضية الفلسطينية، وينقل التطبيع مع اسرائيل من جوانبه السياسية الى آفاق اسلامية ارحب. كثير من علماء المسلمين الأفاضل استنكروا الزيارة المشبوهة، ومنهم شيخ الازهر الدكتور احمد الطيب الذي تبرأ من هذه الزيارة وكذلك الشيخ العلامة يوسف القرضاوي الذي اصدر فتوى بتحريم مثل هذه الزيارات على جميع العرب والمسلمين باستثناء ابناء الاراضي المحتلة. المسألة ليست مسألة صعود منبر في مسج الأقصى، ولا التبرك بمربط البراق يوم عرج الرسول الأعظم محمد صلى الله عليه وسلم الى السماوات العلى، وليست التقاط صور تذكارية، بل انها دخول مدينة مقدسة تحت الاحتلال، لا يجوز زيارتها الا بعد التحرير.. ان مفتي الديار المصرية، وهو محسوب على أتباع حسني مبارك، وأتذكر شخصياً كيف وقف في مؤتمر بالبحرين عام 2008 مستشاضا متوعداً لأن أحد المتحدثين انتقد دور حسني مبارك في حصار غزة وتعالى صراخ المفتي مدافعاً عن سيده مبارك. الشيخ علي جمعة ارتكب خطيئة كبرى، وخرج عن واجباته الدينية، بزيارة اولى القبلتين وثالث الحرمين وهي تحت الاحتلال. وعليه ان يستقيل من منصبه، لأنه جاء مخالفاً لاجماع علماء المسلمين داخل مصر وخارجها، على عدم زيارة القدس الا بعد التحرير. لا بل إن البابا شنودة أفتى بحرمة زيارة المسيحيين للقدس وهي تحت الاحتلال. الزيارة المشؤومة كان لها أكثر من ضرر على مستوى القضية الفلسطينية، فقد عمقت الشرخ الفلسطيني بعد أن مضت مسيرة التصالح بين حماس والسلطة قدُماً بفضل الوساطة القطرية الكريمة، لكن زيارة المفتي هذه أعادت العلاقة الى نقطة الصفر، حيث رحبت السلطة بالزيارة بينما كانت حماس ومعها الفصائل الجهادية في خندق الاستنكار والمعارضة لهذه الزيارة التي آذت القضية الفلسطينية وأحيت العداء الفلسطيني الفلسطيني ولم تنفعها. كما أنها لم ولن تنفع مصر، فالأوضاع في مصر المحروسة، التي تشهد تصعيداً في السجال والخلاف بين مختلف القوى المصرية، فجاءت هذه الزيارة لتزيد من الشرخ والتشرذم، حيث وقف الإخوان وحزب النور وعدد من الحركات المصرية معارضين بشدة لهذه الزيارة في حين أيدها عدد من الشخصيات الاعلامية المحسوبة على بقايا أو فلول النظام السابق. فقد شنّت جماعة الاخوان هجوماً على زيارة المفتي، وقالت ان زيارة جمعة للقدس تمثل كارثة حقيقية وضربة موجهة للجهاد الوطني الذي نجح في افشال كل محاولات التطبيع طوال السنوات الماضية.
الأزهر الشريف رأى في الزيارة بأنها كارثة، وان جمعة خالف قرارات الأزهر، والاجماع الوطني بعدم زيارة المقدسات الاسلامية، ما دامت تحت الاحتلال الاسرائيلي، مشيراً الى أن الزيارة كارثة على الأزهريين والمصريين والفلسطينيين، وأكد الأزهر بأن هناك جهة واحدة هي المستفيدة من تلك الزيارة، ألا وهي اسرائيل، لأنها زيارة شخصية بحجم مفتي الديار المصرية تمثل أكبر اعتراف بأن القدس يهودية كما تدعي اسرائيل.
زيارة جمعة للقدس وهي تحت الاحتلال الاسرائيلي تعتبر خيانة عظمى تستوجب اقالته من منصبه فوراً، وتقديمه للمحاكمة القضائية، كما أن الزيارة تمثل اعترافاً ومباركة من جانب جمعة بالاجراءات الإسرائيلية لهدم المسجد الأقصى.
كاتب وأكاديمي من العراق
/4/2012 Issue 4183 – Date 25 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4183 التاريخ 25»4»2012
AZP07
























