زوم ـ رشيد شباري

زوم ـ رشيد شباري
المدينة كئيبة هذا الصباح، تستيقظ شوارعها بتثاقل متعب، وهي تحاول التخلص من وطأة الرطوبة الجاثمة على مفاصلها، مربع الشارع الذي ترقبه من زجاجة النافذة يبدو لك مسطحا كصورة جميلة علقت على جدار المقهى تمثل برتقالة معبأة بالزهر، توحي إليك بأنها لوحة دعائية تدعوك إلى تناول عصير البرتقال، تلبي دعوتها وأنت تتأمل أزهارها رغم أنك لا تشم سوى رائحة التبغ، تحضرك المفارقة التي تفجرها على دماغك هذه الشجرة المنتصبة أمامك، ففيما كانت كل أوراق الأشجار في هذا الفصل تتساقط ميتة، ها هي شجرة تتفتق أزهارها لتؤكد لك أن الخريف ليس واحدا.
المفارقة تشوش يقينك وتدعوك إلى إعادة ترتيب رفوف دماغك المرتبة بحكمة.
أنا لن أكون نيوتن ولن تكون البرتقالة تفاحة..
المدينة تستعيد روحها شيئا فشيئا رغم أن حركة السيارات لا تزال متراخية، تراها وهي تمر أمامك.. تقاطعك فيروز وهي تترنم..
أعطني الناي وغني فالغناء سر الخلود
وأنين ناي أبقى بعد أن يفنى الوجود
يدخل سائحان وهما متماسكان بحثا عن الدفء وقد لفحتهما زخات مطر عابر، يتكلمان الاسبانية، يبدو أن سعيدين. إذ ما إن أخذا طاولتهما حتى تبادلا قبلة شبه شبقية..
خجلت واستدارت بعينيك إلى نافذتك بعد أن لمحت صاحب المقهى ينظر إليك بشكل لائم، تستقر في وضعك وأنت تفكر في هذه الإباحية الجميلة المحرمة عليكم رغم أنكم تمارسونها سرا، سمعتهما يطلبان عصير البرتقال فأيقنت أن الشجرة تقوم بدورها بنشاط..
يدخل صاحب العود، يشد انتباه الجميع، يتوسط بهو المقهى ويغني قطعة مغربية معدلة
لحليب لحليب اللي والفتو
غلا عليا غلا عليا
تخفت فيروز صوتها احتراما أو مساعدة غير مادية لفناننا، يبتسم الاسبانيان تعبيرا عن إعجاب أو تشجيع، مع أنهما في الغالب لا يفهمان أغنيته، تتذكر أنت نظرة صاحب المقهى وتعود إلى نافذتك.
تمر ‘لا إله إلا الله بسرعة جنونية، يدرك صاحب العود سبب انتباهك فيفاجئك بدعاء جاهز.
اللهم أحفظنا من عذاب القبر كما حفظت كتابك المبين، آمين.
تليها مباشرة نقل اللحوم وقطرات الدم تنفلت من تحت الباب الخلفي.. يختلط بياض الحليب بحمرة الدم القانية فتنتصب لوحة العبث من جديد لتحجب عنك إمكانيات الرؤية الخارجية..
يتقوى سمك الزجاجة المفترض فيها الشفافية ميسرة إمكانيات الغوص في عمق بحرك المسيج بشواطئ القلق الفولاذي، وأنت الراغب في الانفلات من أسجيتك. يساعد رغبتك ويكسبها واقعيتها بائع الجرائد الذي أنقذ غرقك المحتمل وأعادك إلى نافذتك وأعاد للنافذة شفافيتها.. تقتني أنت واحدة منها اضطرارا لتطل على العالم
صباح الخير أيها العالم، وكيف حالك؟
يجيبك بنبرة حزينة
حالي أسوأ مما تتصور، اسمع لتعرف حالي..
ويتابع تلاوة عناوين الأخبار بنفس النبرة لكنها متقطعة وكأنه يتسلق قمة جبل عمودية
… أخبار جديدة عن الحرب في.. المجاعة تهدد.. شكر على تعزية.. حادثة مروعة تخلف.. انفلت إلى عفو الله.. إعصار..
تقاطعه أنت وقد اقتنعت أن الموت هو العنوان الوحيد لأخبار اليوم..
تعازينا، وصبرا جميلا..
تطوي الجريدة وتخرج من جيبك سيجارة، يفاجئك الاسباني طالبا منك الجريدة، تعطيها إياه مستغربا..
يدرك استغرابك فيضربك على كتفك مبتسما ويقول
لا لغة لما يحدث لنا سوى الإحساس بضرورة الموت.. أليس كذلك؟..
AZP09

مشاركة