زهـايـمـر
صغيرة كنت وكل مافي الأمر أن تفكيري واستيعابي كانا محدودين… ذهبت ألعب مرة عند بيت جارتنا المجاور كانت لديهم فتاة جميلة للغاية (رِقّة) كانت رِقّة صبية ناعمه جدا،،لطيفة تعامل الجميع بحنان. يكثر الخطاب على باب رِقّة كثيراً وكل مرة ارى فيها جلسة رجالية لخطبتها ابقى صامته اقف خلف باب استقبال الضيوف اتنصت على كلامهم وكيف يكون… اتذكر ان والدها كان يسأل دوماً (ما وظيفة الخاطب) بعد ان يجيب الخاطب عن السؤال يطلق والدها جملته المتكررة ((ابنتي غالية)) !! كل ما قد كنت افهمهه أنه يبيع ابنتهه وان تسعيرة الخاطب غير مناسبه! فعقلي الصغير يرفض استيعاب ان تلك الجملة ماهي الا امر عاطفي طبيعي يطلقه الاب على ابنته كنت أُراقب رِقّة كل يوم كانت تعاملني بنعومة بالغة ،،كنت ألعب معها وكأنها من نفس عمري كانت رِقّة تُجيد الخبز أراها تقف على مخبزها الفخاري وهي تغني أغاني (عبد الحليم) وتتمايل بجسدها وتخرج تلك الارغفة. كان كل شيء فيها مختلفاً أُزعجها فلقد كنت طفلة مشاكسه وتبتسم لي معبرة عن عدم انزعاجها عما افعله كانت تبتسم بشفافية تحترق يدها بنفحات نار بسيطة ولا تُبدي أي أنفعال على وجهها ،، تبتسم وكأن شيئا لم يكن بينما تلف لي قطعه خبز تسند رأسي على حافة كتفها وتعطيني بحنان ايديها لفة الخبز.. كُنت أرى رِقّهَ كل صباح تمشط شعرها الذهبي الناعم وتلملمه بضفائر طوال كانت تحمل شفاه حمراء توتية اللون وبياض شاهق يلمع تحت الشمس وعينان زرقاوان فيهما من ماء النهر العذب وكل ذلك الجمال الذي تحمله ورغم إني كنت صغيرة كنت ألاحظ ان يديها الصغيرتين (مشققة، جعدة،جافة ومتحرقة) كنت يوميا أكرر عليها نفس السؤال. أنا:-رِقّهة؟ رِقّة:-نعم حبيبتي؟ أنا:-هل هذه يديك؟ رِقّهَ:-هههه لا أنها كفوف اتخفى بها أنا:-ولماذا؟ رِقّة:-لأني أحبك! كانت تخفي الاجابة وتسكتني بتلك الكلمة (أحبك) أنا:-أنا أيضاً أحبك أنا:- رِقّهة رِقّة:-نعم حبيبتي؟ أنا:-عندما أكبر هل سأصبح جميلة مثلك؟ رِقّة:-ههههه بل أجمل.. أنا:- ويداي؟ رِقّهَ:- مابهما؟ أنا:-هل ستصبح بشعه كيديك؟ رِقّة ــ لا فلن تكوني مظطرة للخبز أليس كذلك (مع وجه مبتسم) أنا:-نعم تزوجت رِقّة ولا أعلم أين هي الأن لكنها دومأ ما تجوب خاطري كبرت أنا واصبحت في سن الشباب. تكررت قصة تلك الرِقّة معي! أجلس كل يوم فجراً أتذكر حياتها وكيف كانت؟ أجدل ضفائري السود الطويلة حول رأسي أكحل عيناي السوداوين لكي تقاوم الحرارة ألبس وأتعطر وكأني ذاهبة في نزهة أتمايل على أغاني (جورج وسوف) أتمشى قليلا وألحن (الهوى سلطان) قليلا على الرغم من أني لا أعلم شيئاًعن الهوى. أقف عند مخبزي الفخاري أشعل الحطب وأنا أنظر الى كفوف يدي الجافة والمتقرحة أفعل ذلك وأنا أتذكر رِقّة وكيف كانت تدحرج كلماتها المعسولة على مسامعي وتعطيني آمال بغد أفضل أتساءل أين هي الآن وكيف اصبحت ملامحها؟ هل هي سعيدة؟ وكفيها كيف أصبحا؟ لكن الآن بعقلي الزهايمري (المصاب بالزهايمر) لا أتذكر سوى تلك الأحداث! أفتح عيني كل يوم في بيت ضخم يَعج بالثراء ،،بعدما كنت أعيش مع والدي داخل بيت يتخلله العتيق (القدم والفقر)بين زواياه! فأتعجب كيف وصلت الى هنا؟ أسأل ذلك السؤال كل يوم عند صحوتي من النوم أين أنا؟! لتجيبني خادمة ذلك البيت الضخم! إنني في بيتي او بالأحرى في قصري! أبقى مبهمة مصدومة ،،وصامتة. تكمل الخادمة:-هذا بيتك من زوجك السبعيني الذي لا ينجب أطفالاً! متزوج من أربعة نساء إحداهن مطلقة وأخرى كانت أرملة رجل آخر والأخيرة كانت (غالية أبيها)مثلي! ها أنا أقف اليوم بلا أهل،، بلا ذرية ،، بلا مشاعر أقف كالبلهاء أفكر في السبب الذي جعلني هنا بهذا الشكل ؟!. لأجد إن الجواب هو واحد.والسبب يعود إلى غلاء سعري عند والدي! باعني من كنت غاليته إلى أغنى خاطب لاينجب ولديه عقدة نفسية حيث كان يضربني يومياً إلى أن اصبحت شابة زهايمرية أتذكر من الماضي مقتطفات! وأنسى كل شيء بلحظات! لا أتذكر شيئاً سوى إني (غالية أبي) عندها أدركت إن ببساطة تفكيرنا ونحن أطفال هو فقط شريط المستقبل بشكله المختلف. ظننت أن والد رِقّة كان يتزايد على سعر ابنته وهذا ما حدث تحول العالم من تفكير مبسط الى مشكله عظمى ,الى مجتمع مبعثر.
جوري الملا – بغداد



















