زمان جديد لغة الضاد تتجلى في البوسفور

زمان جديد لغة الضاد تتجلى في البوسفور
عبدالرزاق الربيعي
قد تكون الدراما التركية نجحت باظهار جماليات البيئة التركية، وهي جماليات تسر الناظرين، حيث الحدائق الغناء والمناظر الطبيعية الباذخة الجمال والهواء العذب ودرجات الحرارة المعتدلة والنوافير الرائعة، لذا جذبت هذه الطبيعة أنظار السياح، فتوافدوا اليها، بخاصة في موسم الصيف، وتستأثر اسطنبول وحدها بمليوني زائر سنويا كما تسجل الاحصائيات، وتؤكد أن شارع الاستقلال يمر به ثلاثة ملايين شخص في كل يوم، مشاهد بصرية جميلة نقلتها لنا تلك الدراما بحرفية عالية رفعت من درجة اقبال السياح على تركيا، لكن الذي لم تستطع أن تنقله لنا نحن العرب بحكم عملية الدبلجة هو حضور اللغة العربية في الشارع التركي، ويكفي أن ميدان التقسيم وهو الميدان الأشهر في اسطنبول المحاط بالمحلات التجارية اشتق اسمه من مبنى تقسيم المياه الذي يقع في مدخل شارع الاستقلال ويعود تاريخه الى سنة 1733، ولم أستغرب حين وجدت عازف عود من ذوي الاحتياجات الخاصة يجلس على كرسي متحرك في جانب من هذا الميدان ليعزف أنت عمري رائعة أم كلثوم، وليس ببعيد عنه تناهت الى مسامعي موسيقى وأغان عربية لأصوات شابة، وعلى واجهات المحلات توجد الكثير من اللوحات المكتوبة باللغة العربية، وبخط جميل، وهو أمر صرنا نفتقده في بعض العواصم العربية
ومن المألوف جدا هناك أن تسمع من يحييك بتحية الاسلام ليفتح معك حديثا بالعربية، بل أن بعض الكلمات التركية أصولها عربية كمفردة لطفا وهي كما هو واضح تعني من لطفك ، الى جانب الفاظ أخرى عديدة ومن الطبيعي أن يحدث هذا التداخل بالمفردات بحكم التواصل الجغرافي والتاريخي، وكذلك اعتناق الغالبية للديانة الاسلامية، وهذه من فضائل الاسلام على العربية اذ جعلها لغة عالمية، وذكر لي الدليل السياحي التركي أحمد عندما كنا بجولة على ظهر سفينة في مضيق البوسفور الذي يقع بين قارتي آسيا من الجانب الشرقي وأوربا من الجانب الغربي الى أن عدد المساجد في اسطنبول وحدها يبلغ حسب احصاء 2007 حوالي 2944 مسجدا، لذا ففي أوقات الصلاة يرتفع الآذان عاليا فتشعر أنك في دولة عربية
وفي المساجد الكبيرة المزينة جدرانها بآيات قرآنية كتبت بخطوط عربية جميلة،حيث تعد تركيا قبلة الخطاطين العرب، حلقات لتعليم القرآن الكريم وعلومه وضبط قواعد اللغة العربية، هناك أسباب أخرى تعود لضرورات عمل البعض في السياحة حيث يتطلب هذا المجال من شركات السياحة اعداد كوادر تجيد العربية للتحدث مع السياح العرب، في أحد المحلات وجدت شابا تركيا يتكلم العربية الفصحى، بينما معظم الأتراك الذين يجيدون العربية ينطقونها بلكنة شامية، فمعظمهم درسها بسوريا، فسألته كيف تعلمتها؟ أجاب تعلمت العربية ذاتيا من خلال الكتب وكانت عملية صعبة وشاقة
وعدت أسأله وما الذي جعلك تدرسها متجشما الصعوبات؟
أجاب لأنها لغة جميلة وثرية بالألفاظ.
كان جوابا دقيقا وعفويا، أشعرني بالفخر والانتعاش، ففي الوقت الذي نسمع الكثيرين، من العرب المنبهرين بالغرب يذمون لغة الضاد، اذ يرون بحكم انبهارهم بالثقافة الغربية، أنها لغة عاجزة عن مواكبة العصر ومستجداته، وهذه الاتهامات ترافق لغة كل أمة مهزومة، تعيش مرحلة انحطاط حضاري، يأتي ذلك الجواب من شخص غير عربي ليعيد لنا الثقة بلغتنا وهويتنا وهذا نحن أحوج ما نكون اليه في هذه المرحلة الحرجة من تاريخنا.
/6/2012 Issue 4220 – Date 7 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4220 التاريخ 7»6»2012
AZP20
RZRB