روائيون يحملون رسالة تنويرية بتقديسهم الكلمة – ابراهيم خليل العلاف

بواكير السرد العراقي الحديث في الموصل

روائيون يحملون رسالة تنويرية بتقديسهم الكلمة – ابراهيم خليل العلاف

ودائما أقول ؛  أن السرد العراقي ، بدأ موصليا ، كما المسرح العراقي ،  والتصوير الفوتوغرافي ، والتشكيل العراقي بدأ موصليا ،  وحتى الشعر الحر بدأ موصليا .. وهذه حقائق تاريخية اثبتتها الدراسات المعمقة . وفيما يتعلق بالسرد العراقي ؛ فان بواكيره ترجع تاريخيا الى (الرواية الايقاظية ) التي كتبها سليمان فيضي الموصلي (1885-1951)   سنة 1919  أي قبل أكثر من  (100) سنة ، وحسنا فعلت ( دار قناديل للنشر والتوزيع ببغداد )  ، عندما أعادت  نشر هذه الرواية ، وذكرت الناس بها ، وببدايات الادب الروائي العراقي  ، كما يقول الاستاذ صفاء ذياب ، في مقال له حول هذه الرواية . ودار قناديل عندما أعادت نشر هذا العمل ،  فلكي ترد على المشكّكين بأسبقيتها .وزاد الناقد العراقي الاستاذ الدكتور نجم عبد الله كاظم حين أكد  وجود من يستبعد أن يكون هذا العمل رواية، واكد ” أن هذا تجنٍّ على فيضي ، وعلى روايته  وبين أن أسلوب الرواية ينطوي على شيء من العصرية ، والتميّز الحديث نسبياً، ولا سيما أن الكاتب يبدي،  ضمنياً ،  وعياً بعيوب الكتابات القديمة فيتجنبها بشكل ملحوظ. وأن المسحة القصصية واضحة على هذا الأسلوب، بل إنّنا لا نتردد في القول إنّ سليمان فيضي يمتلك حسّاً قصصياً، فيبدو وكأنّه يعي أنه يؤلّف قصة تختلف عن المقامات والأشكال القصصية العربية القديمة” .

ومما  يزيدنا ثقة ، واطمئنانا على ان (الرواية الايقاظية ) ، هي من بواكير السرد العراقي ، ما اكده الناقد الاستاذ الدكتور عبد الاله أحمد  (  1940-2007) في ان سليمان فيضي  لا يُعد رائداً للقصة بل رائد للقصة الطويلة أو الرواية ، بينما يرى  الاستاذ جعفر الخليلي أنّ (الرواية إلايقاظية) التمثيلية… أول قصة حديثة كتبها كاتب عراقي  ؛ فهي تطوير لقصص الرؤيا. وذهب الاستاذ الدكتور عمر الطالب  (1932- 2008)   ومنذ سنة 1965 الى  ان سليمان فيضى  جرى على ماجرى عليه من كتب ( الروايات التعليمية  ) التي شاعت في الوطن العربي اواخر القرن التاسع عشر .

اريد ان اقف قليلا عن سليمان فيضي 1885-1951   فأقول انني كتبت عنه في رسالتي للماجستير التي قدمتها الى كلية الآداب – جامعة بغداد سنة 1975 وكانت بعنوان ( ولاية الموصل : دراسة في تطوراتها السياسية 1908 -1922) وقلت انه محام من الموصل من اسرة عريقة عمل مع السيد طالب النقيب نقيب اشراف البصرة في قيادة الحركة العربية القومية في العراق وانه جاء الى الموصل يوم 22 آب سنة 1913 لتأسيس جمعية مناهضة للسيطرة العثمانية قبل الحرب العظمى 1914-1918 بناء على توجيه من السيد طالب النقيب وسرعان ما اكتشفت السلطات الاتحادية في الموصل امره واحاطت به وقيدت حركاته وكان ممن تعاون معه محمد باشا  الصابونجي من ابرز وجوه الموصل وكان والي الموصل آنذاك امير اللواء اسعد باشا الدرزي . وسليمان فيضي بن الشيخ داؤد القصاب العوادي وكان والده اماما في جامع الامام ابراهيم القريب من محلة رأس الكور وهي من اعرق محلات الموصل .اكمل دراسة الحقوق في اسطنبول ومارس المحاماة في البصرة وعمل مستشارا للشيخ خزعل امير المحمرة وكان عروبيا قوميا عمل من اجل تأكيد عروبة الموصل يوم مطالبة تركيا بها في مطلع العشرينات .انتخب نائبا عن البصرة في مجلس النواب العراقي سنة 1935 .له م1كرات بعنوان (في غمرة النضال) صدرت سنة 1952 .كما نشر ولده الدكتور عبد الحميد سليمان فيضي اعماله كاملة وهو من اسس في البصرة جريدة (الايقاظ ) وفكره اصلاحي تنويري عروبي ومن كتبه ( التحفة الايقاظية في الرحلة الحجازية ) اصدره سنة 1913 .كما ان من مؤلفاته (الحقوق الدستورية ) ، و( شرح قانون أحكام الصلح) ، و(سر النبوغ ) ، و(الف كلمة وكلمة ) ،  و(البصرة العظمى) ، و(المنتخب من اشعار العرب) ،  و(تعريب القانون الاساسي الامريكي) وهذا الكتاب بالأصل  محاضرات سبق ان القاها في مدرسة (كلية ) الحقوق سنة 1920 و1921 .

تلك هي المرحلة الاولى من البواكير الاولى لنشوء السرد العراقي الحديث  في الموصل . وتأتي المرحلة الثانية ، وكانت موصلية بامتياز ايضا ، وتمثلت بكتابات الكاتب والقاص والسياسي المتنور الاستاذ ذو النون ايوب ( 1908- 1996)  وقد كتبتُ عنه كثيرا  في كتابي (تاريخ العراق الثقافي العراقي المعاصر) ، ووقفت عند روايته (الدكتور ابراهيم ) وعددتها انموذجا  لما أسميته ب(الانتهازية العلمية).

موصلي رائد

وذو النون أيوب ، قاص ، وروائي عراقي موصلي رائد . إنه من أوائل الذين كتبوا القصة والرواية الحديثة في العراق ، وهو مدرس رياضيات تخرج في دار المعلمين العالية (كلية التربية فيما بعد ) .كان كاتبا ماركسيا انضم الى الحزب الشيوعي العراقي وكان من أقطابه ، لكنه سرعان ما إنشق عنه وترك العراق وعاش في فيينا في النمسا  وتزوج هناك إمرأة المانية كان يدعوها بأم هريرة .. له مذكرات مثيرة للجدل ،  وهو نفسه مثير للجدل بسبب أفكاره ورؤاه التي عبر عنها ضمن فترات ومراحل تاريخية مختلفة .كُنتُ أراه في الموصل حيث هو من ابناء محلتي رأس الكور ، وكان شقيقه (أحمد ايوب ) شيوعيا اصدر في الموصل جريدة بإسم  (الشبيبة ) وقد اضطر لترك الموصل بعد حركة الشواف الانقلابية  في الموصل 1959 على نظام حكم الزعيم عبد الكريم قاسم رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة 1958-1963 .

كان ذو النون من مؤسسي مجلة (المجلة) التقدمية المتنورة التي صدرت في الموصل ، ثم انتقلت الى بغداد وقد كتبتُ عنها .. ولدي اعدادها في مكتبتي الشخصية وهي مجلة بشرت بمبادئ الحرية والتقدم . كانت مجلة يسارية .

الذي يهمني اليوم ان اقف عند رواية ذو النون ايوب : (الدكتور ابراهيم ) وقد قرأتها وسمعت من والدي انه كان يقصد فيها الدكتور محمد فاضل الجمالي الذي عمل مديرا عاما للمعارف ووزيرا للمعارف ووزيرا للخارجية ثم رئيسا لوزراء العراق في العهد الملكي . وبعد ثورة 14 تموز 1958 حوكم امام المحكمة العسكرية العليا الخاصة (محمة المهداوي ) وحكم عليه بالإعدام وبعدها اطلق سراحه ورحل الى  تونس وهناك حفظ له الحبيب بورقيبة رئيس جمهورية تونس صنيعه عندما كان صوتا عراقيا مؤيدا لاستقلال تونس في الامم المتحدة ، فعينه استاذا للتربية بالجامعة التونسية وبقي هناك حتى وفاته .وعندما كنت اكتب اطروحتي عن السياسة التعليمية في العراق 1914-1932 راسلته وسألته عن التأثير الاميركي في مسيرة التعليم العراقي واحتفظ برسائله وقد نشرت احداها في النت وفي جريدة فتى العراق (الموصلية).

صدرت الطبعة الاولى من رواية (الدكتور ابراهيم ) سنة 1939. ويقول الاستاذ يوسف نمر ذياب في كتابه (قراءة في كتب لم تصدر حديثا ) الذي صدر ببغداد سنة1981    أن ذا النون ايوب،  قد بدأ بروايته (الدكتور ابراهيم ) مرحلة جديدة في الرواية العراقية مرحلة  اكثر نضجا في الشكل الفني ، حتى ان الناقد العربي الدكتور سهيل ادريس قال عنها في مجلته (الآداب ) أنها تقف في طليعة النتاج القصصي في الادب العربي المعاصر من حيث انعكاس الاوضاع الاجتماعية في مرآة الادب .. وقد عد الدكتور سهيل ادريس ذو النون ايوب بداية المرحلة الثانية للقصة العراقية .

أصل الرواية اقصوصة بعنوان (نحو القمة ) اتهم فيها ذو النون ايوب بعد نشرها بأنه يعرض بموظف كبير في الادارة العراقية ذي نفوذ فعوقب الكاتب ونقل الى منطقة بعيدة في شمال العراق وكان مدرسا ثانويا اداريا بسبب ذلك فكان ذلك دافعا لان يعيد كتابة قصته القصيرة في شكل رواية .

كانت حياة الدكتور ابراهيم ، حياة شاب عاش في وسط عائلي كل ما فيه مزيف من ناحية القيم .. كان أبوه رجلا استغل سذاجة الناس العوام ، وطيبتهم وبنى له مكانة على الدجل والكذب ، وسار الابن على سر أبيه ، واستطاع الحصول على بعثة حكومية علمية الى انكلترا .. ومن احدى الجامعات الانكليزية حصل على شهادة الدكتوراه وتزوج هناك امرأة من البلد الذي كان يدرس فيه . وعاد الى الوطن وكانت الانتهازية طريقه الى الارتقاء على سلم الوظائف الحكومية ، لكن سلوكه سرعان ما بان للآخرين فحبل الكذب قصير ، وجاء ذلك بعد ان اصطدم بحامل دكتوراه في العلوم امتنع الدكتور ابراهيم من توظيفه بدائرته ونال منه ما ناله من الضرب المبرح فلم يجد الدكتور – بعد ان افتضح أمره وفصل من وظيفته – الا ان يسافر مع زوجته الى امريكا .

من الطريف ان نشير الى ان الروائي قال فيما بعد انه كان يوما يجلس في مقهى ببغداد جاءه رجل وقال له انه هو الدكتور ابراهيم المقصود في قصته (نحو القمة ) وقد تخيل الكاتب ان الرجل الذي تحدث معه هو الذي اوحى لهذا المتنفذ الكبير بأن ذا النون ايوب يقصده فكان ما كان من امر نقله الى شمال العراق . وفي شمال العراق استلم القاص والروائي رسائل من اعداء الدكتور ابراهيم وكارهي نفوذه ، وفي هذه الرسائل قدموا الكثير مما لم يكن يعرفه عن سيرة واخلاق وخصوصيات الدكتور ابراهيم بطل روايته ، والتي تمثل –كما قال الكاتب – نوعا خاصا سماه الانتهازية العلمية او العصرية .

ومهما يكن من أمر فأن رواية (الدكتور ابراهيم ) كانت من نوع الروايات التي انتهج في كتاباتها الكاتب الاسلوب الواقعي وسواء قصد فيها الدكتور محمد فاضل الجمالي ام غيره الا انها تعكس حالة الطرق الانتهازية التي طالما يسلكها بعض المثقفين من اجل الوصول الى المواقع العليا في الدولة ضاربين عرض الحائط الكثير من قيم الصدق والنبالة والشرف والنزاهة وهذا مما يطعن في مصداقيتهم العلمية ورصانتهم الاكاديمية ودورهم الرسالي ، كأساتذة في الجامعة وكحاصلي اعلى الدرجات العلمية التي يفترض من حامليها ان يكونوا صادقين في تعاملهم مع قضايا شعبهم ووطنهم .

وتجيء ( المرحلة الثالثة )  مع الاستاذ غانم الدباغ1923 – 1991 وقد كتبت عنه ايضا ، وقلت حينما كنا طلاباً في المتوسطة المركزية أبان الستينات من القرن الماضي، سمعنا عن قاص ،وروائي موصلي معروف، وبعد سنوات ، قرأنا له ورأيناه وأعجبنا به ،وبمجاميعه القصصية ،ورواياته الرائعة التي تميزت بقدرتها على النفاذ إلى دواخل النفس الإنسانية، واكتشاف مكنوناتها الدفينة.

ولد غانم الدباغ سنة 1923 حسب رواية حميد المطبعي في “موسوعة أعلام العراق في القرن العشرين” و 1925 حسب رواية محمد جبير في متابعته الصحيفة للدباغ في جريدة الجمهورية (1991) وبعد أن أكمل دراسته الأولى ،دخل دار المعلمين الابتدائية وتخرج فيها سنة 1944 وعمل معلما في بعض مدارس قرى الموصل.

تسنم بعض المسؤوليات الإدارية في الاتحاد العام للأدباء والكتاب وصار عضوا في هيئة تحرير مجلة ( الأديب المعاصر). أصدر غانم الدباغ مجموعته القصصية الأولى سنة 1969 بعنوان (الماء العذب) ، ثم اتبعها بمجموعته القصصية الثانية (سوناتا في ضوء القمر)1970 وبمجموعته القصصية الثالثة (حكاية من المدينة القديمة) بين سنتي 1970 و 1974 .وفي سنة 1972 اصدر روايته الشهيرة (ضجة في الزقاق)  .

ابتدأ حياته الأدبية ناقدا للمقالة ومترجما لبعض الأعمال الأدبية من اللغة الانكليزية . وتعد (قصص من الغرب) التي ترجمها ونشرها سنة 1950 من أولى ترجماته.

في (ضجة في الزقاق) أرخ لواحدة من محلات الموصل (محلة النبي شيت) ،وغاص في أزقتها وتعمق في نظامها وتركيبتها الاجتماعية والنفسية ووقف عند شخوصها.

تحتاج عملية جمع كتاباته في الصحف والمجلات العراقية والعربية (الحاصد، الهاتف، فتى العراق، الأديب المعاصر، الآداب اللبنانية) إلى مجهود ووقت كبيرين ، يمكن أن يقوم بها احد طلبة الدراسات العليا في قسم اللغة العربية.

علم غانم الدباغ نفسه اللغة الانكليزية ،وتأثر في بداية حياته بأدباء موصليين وعراقيين وعرب منهم ذو النون أيوب ومحمود تيمور. يروي الأستاذ محمد جبير سيرته بعد رحيله قائلاً: ” انه نشر بعض قصصه في مجلة (المجلة) الموصلية .وفي سنة 1942 فاز في مسابقة نظمتها دار المعلمين الريفية في الموصل بموضوع كتبه بعنوان : (محمد صلى الله عليه وسلم: المربي الأعظم )  .

قدمه ذو النون الشهاب في مجلة الجزيرة ككاتب عمود وبتوقيع (أديب منصف) . ترجم غانم الدباغ لتشيخوف ،ووليم شكسبير، وبليك ،وكاترين مانسفيلد. لا استطيع في هذه العجالة وأنا استذكر غانم الدباغ ورحلته مع الحياة والقصة لأبنائنا وأحفادنا ، إلا أن أقول بأنه أديب واقعي ، لم يبتعد في كل أعماله عن تسجيل ملامح ، ومعطيات حياة الموصل ، وحياة العراق عمل معلما ،وسكرتيرا إداريا لاتحاد الأدباء وعضوا في جمعية القصة والرواية العراقية وعضوا في اتحاد الكتاب العرب . وقد شعرت، شخصيا، وأنا اقرأ له أنه كاتب ذو رسالة . توفي  سنة 1991.

وكان القاص والروائي الاستاذ محمود جنداري 1944- 1995    خير من يمثل ( المرحلة الرابعة) ،  ومحمود جنداري قاص ، وروائي موصلي معروف ليس في الساحة الثقافية العراقية وحسب بل وفي الساحة الثقافية العربية. ولد سنة 1944 وتوفي سنة 1995   وقد كتب عنه الكثير من النقاد وأشادوا بجهوده المبدعة لخدمة الأدب القصصي في العراق وإثراءه إن على مستوى الشكل أو على مستوى المضمون. كتب عنه الناقد ياسين النصير مرة فقال أن محمود جنداري يمتلك ميزة لم نجدها لدى قصاصين عراقيين سواء كانت في المواقف أم في النتاج .. وهي جدية ووضوح التعامل مع الآخر من جهة وجدية ومسؤولية بناء النص من جهة أخرى.

لمحمود جنداري مجاميع قصصية كثيرة لعل أبرزها مجموعته القصصية الأولى (أعوام الظمأ) نشرها سنة 1969 وقد حاول في هذه المجموعة الخروج على تقاليد القصة القصيرة التقليدية من صورة الواقعة الاجتماعية إلى صورة تحتمل الغرابة والإدهاش والمألوف في آن معا .. ومن الطبيعي أن تنعكس معاناة الكاتب الاجتماعية والسياسية على ما يقدمه من نتاج قصصي وهكذا هو محمود جنداري .

لقد اقترب محمود جنداري من القاص الذي يبقى أمينا على النص الذي يكتبه، وبعبارة أخرى فانه أثرى الجانب التقني في القصة العراقية المعاصرة، وفي مجموعته القصصية (الحصار) نجده يتحدث عن حصار الذات قبل حصار الآخرين .. وقد امتدحه الناقد الكبير الاستاذ الدكتور علي جواد الطاهر رحمه الله وكتب عن مجموعته هذه مقالا وصف فيه المجموعة بأنها نتاج متميز .. ثم كتب مجموعة قصصية أخرى بعنوان (حالات) وفي كل قصصه نجد، كما يقول الأستاذ النصير، أن محمود جنداري يكشف عن مستويين من التعامل الفني : الأول انه كان يبحث عن حالة الناس وهم يعيشون الغربة في الداخل. والثاني أنهم يعيشون عصرا لا كلمة لهم فيه.. وقد كتب جنداري رواية باسم (الحافات)وفيها يؤكد أن التاريخ يمكن أن يعيد نفسه. وفي عمان صدرت لجنداري مجموعة قصصية بعنوان (مصاطب الآلهة) وتحوي تسع قصص قصيرة يمزج فيها جنداري بين التاريخي والغر ائبي في قالب قصصي أخاذ.

كتب الأستاذ حميد المطبعي في موسوعة أعلام العراق في القرن العشرين عن محمود جنداري يقول : أن محمود جنداري قاص وروائي لن تجد إلا قلة من الناس في مثل هدوئه وتهذيبه وابتسامته التي تنم عن طيبة وبساطة .. كان قاصا أصيلا .. من القلة الذين اخلصوا لفنهم وتابعوه تثقيفا وتهذيبا وتجريبا .. وإنتاجه مبعثر في مجلات كثيرة منها (الكلمة) و(الآداب) و(الأقلام) و(آفاق عربية)، و(الأديب المعاصر) .. عمل مديرا في شركة توزيع المنتجات النفطية في كركوك، وبدأ ينشر قصصه سنة 1965 وهو متمكن في كتابه (المقالة الأدبية). كما مارس النقد القصصي وقد نشر نماذج من كتاباته في الصحف والمجلات.

اما  (المرحلة الخامسة )  وهي مرحلتنا الحاضرة ، فأعتقد ان لدينا عدد ممن يمثلها لكني سأقف عند اثنين من ابرز الروائيين الموصليين لضيق المساحة المخصصة لي ،  وهما القاص والروائي حسين رحيم ( مواليد 1953 والقاص والروائي غانم عزيز العكيدي (مواليد 1947   .

جدار الثقة

ففيما يتعلق بالقاص  والروائي حسين رحيم ،  اقول ان الاستاذ حسين رحيم روائي ، وقاص ، ومؤلف مسرحي  وكاتب عراقي  عرفته منذ سنين طويلة وهو يعمل موظفا في المكتبة المركزية لجامعة الموصل انسانا ودودا ، وقاصا ، وروائيا مبدعا دؤوبا يريد ان تكون له بصمة في جدار الثقافة العراقية المعاصرة .ولد في  الموصل سنة 1953 بكالوريوس ترجمة – جامعة لاهاي . من رواياته المنشورة : رواية ” القرٍان العاشر ” ،  ورواية “موصليا موصل ” ، و” ليل الأرواح السبعة ”  ، و” أنثى المدن ” . وله  قصص منشورة في مجلات عراقية وعربية منها ” رقيم الطين ” ، و” صهيل الجنادب ” ، و”الفارس “،  و” السيد وادي عكاب “،  و”صبي الأحلام “، و” عشق يبحث عن رحيل “.

 عمل في صحف عديدة منها جريدة ( نينوى)  وجريدة ( الغد ) ، وله مسرحيات شارك عدد منها في مهرجانات مسرحية . ومن مسرحياته ” الإخوة ياسين ” ، و”الإعدام ” ، و” الجمجمة ” و” ترنيمات سومرية ” و” هذيانات معطف ” و”بيت العز ” .حصل على جوائز وتكريمات عديدة في مسابقات إبداعية  .نشر العديد من المقالات في صحف ورقية  ومواقع الكترونية  في موضوعات القصة والمسرح والرواية والفن التشكيلي.

 اما ما يتعلق بما قدمه القاص والروائي الاستاذ غانم العكيدي  ،  فأؤكد ، وانا اقف عند سيرته ،  واقف عند  انتاجه  في   محاضرة القيتها في (ملتقى  الكتاب ) بالموصل  يوم الثلاثاء 3-9-2019 انني كما اسميته ولقبته بلقب  ( نجيب محفوظ   الموصل ) ،  لم اكن ابالغ ،  ولم اكن اتحدث على سبيل المدح او الاطراء او اي شيء يقع في خانة الاخوانيات ،  وانما لمعرفتي التفصيلية والدقيقة بعوالم نجيب محفوظ في مصر وعوالم غانم العكيدي في الموصل فكلاهما ينطلقان من الحارة المحلة الحي وما فيها من احاسيس ومنطلقات ومطامح ومعالم وعلاقات انسانية وغير انسانية .

تصوير انفعالات

الهم الانساني ، هو ما دفعه ويدفعه لتناول موضوعاته وهو حريص على تصوير انفعالات من يتابعهم من شخوص ولغته بسيطة واضحة سلسلة وكما يقول الاخ الاستاذ الكاتب  سامر الياس سعيد فإن غانم العكيدي يستطيع ان يجعل قارئه قادرا على اختزال المشاعر الانسانية وكشف حجاب الفكرة التي تدور حولها الرواية وما قد تستره اللغة الانية في النص الروائي الذي لايحتمل فوق طاقته .ومثل نجيب محفوظ فهو مغرق بفكرة استيحاء معظم موضوعات روايته من الاماكن الشعبية كما في روايته سكان البيوت الاربعة التي هي بيت واحد ولكن تسكنه عوائل عدة .وان العكيدي ايضا يتمكن من خلال رواياته من الكشف عن عرض الاحداث المتراكمة من دون الحاجة الى فواصل متدرجة بين  اللوحات التي تشكل النص .

عن روايته ( بعض الرجال لايبكون ) كتبت اقول :” وجدتها أقرب إلى السيرة الذاتية منها إلى الرواية .نعم هي من نوع السرد الجميل لكن مضامينها وطريقة سرد حكايتها تنبئ بأنها قريبة جدا مما أراد لها كاتبها وهي انه كان يطمح ان يكتب سيرة حياته المضطربة كما قال في مذكرات ومن دون قصد ، سطر الكاتب جوانبا كثيرة من الأحداث التي شهدها وعاناها منذ ولادته بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وحتى الستينات من القرن الماضي وقد سعدت وتمتعت كثيرا بما سرد واستهوتني الرواية واخذتني معه الى اجواء طفولتي انا وشبابي ورجولتي وسبب ذلك ان الكاتب من مجايللي ومن ابناء مدينتي ويحمل ذات التوجهات والافكار التي احملها وعاش أجواء الموصل السياسية كما عشتها وكما عاشها جيلنا جيل ما بعد الحرب الثانية لكن تفاصيل حياته الخاصة وأسرته وما واجهته هذه الاسرة وتنقله من حي الى حي أعطت لروايته خصوصية لكن كل من يقرأ الرواية سيجد ثمة قواسم مشتركة بينه وبين الكاتب” .كان نجيب محفوظ (رحمه الله) وقد سبق لي ان التقيته في القاهرة في شباط 1990 وجلست معه قاص و كاتبا روائيا ارخ لمجتمع القاهرة ولما شهده هذا المجتمع من احــداث وملابسات واشكاليات ومنذ العصر الفرعوني حتى عصر عبد الناصر ومن ثم ما سمي في مصر بعصر الانفتاح بعد موت عبد الناصر ومجيء انور السادات .

وعمل غانم العكيدي نفسه وهو يجول ويصول في محلة النبي شيت ، وفي وادي حجر وبين مقهى محمود واولاد برهم .

وانا اقرأ له هالني حجم الاحاسيس التي كان يرصدها ويسجلها وكم كنت سعيدا وانا اتفحص جوانب من رواياته وقصصه وكتاباته ومنذ ان كتب روايته ( راعي تحت التجربة ) سنة 2012 اي قبل سبع سنين من يومنا هذا .

وراح يغذ السير ويحث الخطى ويكتب ويكتب كتب روايته ( الطيور تغرق ايضا ) والتي نشرها سنة 2013 ثم اصدر روايته ( بعض الرجال لايبكون ) سنة 2014 * وروايته ( سكان البيوت الأربعة ) وروايته ( كنا في مقهى محمود ) 2018 وروايته ( الطريق الى الجوهرة سالكة ) 2017 وروايته (وافرة والحصان )   وأحدث  رواياته روايته ( حسونة )  2020 وغيرها من الروايات وقسم منها غير منشور .

وهو ينشر رواياته ، وجدناه لم يغفل الكتابة القصصية ففي سنة 2013 اصدر مجموعته القصصية الموسومة ( اولاد برهم ) واتبعها بمجموعته القصصية (البيت الريفي ) 2018 .

وللروائي والقاص قصائد هو اطلق عليها عنوان ( نصوص نثرية ) وهذه النصوص النثرية  (ذلك الشتاء ) اصدرها في سنتنا هذه 2019 .

الاستاذ غانم العكيدي ،  وهو في انطلاقته الروائية والقصصية  لم يغفل كتابة بعض الموضوعات التي يراها مهمة وضرورية في فهم جوانب من الحياة الفكرية الانسانية ،  واشير هنا الى كتابه الرائع ( آراء في الميكافيلية ) كتبه بعد ان  شعر بأن روح الميكا فيلية   وتفسيراتها للحياة وللتعامل بين النشر والتي ظهرت قبل قرابة خمسة قرون هي ما تسم حياتنا الراهنة ولعل قسما من سياسيينا تجاوز ميكافيللي في مبدأه (الغاية تبرر الوسيلة ) ، وانه لكي نفهم الحياة لابد ان نكون واقعيين وان من الضروري ان نتكيف لنعيش واقعنا وبدون ان ندمر حياتنا عبثا .

تقصير كبير

غانم العكيدي في هذا كله يجب ان يكون موضوعا يتناوله النقاد انسانا وانتاجا وارجو ان لايزعل علي النقاد وانا احب النقاد في ان ثمة تقصيرا كبيرا منهم تجاه نتاج غانم العكيدي واستثني اخي العزيز  الناقد الكبير الدكتور احمد جار الله ياسين الذي لم يألُ جهدا في تقديم نقداته لأعمال غانم العكيدي في جلسة ثقافية حضرناها وكانت جلسة رائعة .

بقي أن القي ضوءا على  سيرة الاخ الاستاذ غانم العكيدي ، فهو غانم عزيز صالح العكيدي من مواليد  محلة النبي شيت  في الموصل سنة 1947 فهو من مجايللي من جيل ما بعد الحرب العالمية الثانية هذا الجيل الذي قدم للبلد الكثير وفي مختلف الميادين   ومحلة النبي شيت هي من المحلات العريقة  المعروفة  بتوجهاتها القومية وقد قدمت للعراق الكثير وفيها رموز وقامات يعرفها القاصي والداني ممن خبر هذه المحلة وتغلغل في عوالمها الداخلية .

 تكوين الاستاذ غانم العكيدي الثقافي يقوم على انه  ثقف نفسه بنفسه وقد تعودنا نحن جــــــــيل مابعد الحرب العالمية الثانية ان نقرأ لماركــــــس ولروسو ولتوينبي ولجيكوف  ولكوكول  ولسارتر  ولكافكا  ولهمنغواي وان نكون على معرفة بمدارس الفن الشهيرة وان نكون على دراية بكل مدارس الفلسفة ولن نقرأ لكل رواد التوجهات السياسية الدينية والقومية والماركسية والليبرالـــــــية …قرأنا الكثير وحبانا الله بمعلمين ومدرسين واساتذة  علمونا بشكل ممتاز وزرعوا لدينا حب الكلمة وتقديس الكلمة وحملونا رسالة تنويرية تقدمية .

اريد ان اقول ان   غانم العكيدي اكمل دراسته الابتدائية والمتوسطة والثانوية في الموصل ودخل معهد المحاسبة  في الموصل وكان موجودا قبل ان تؤسس جامعة الموصل وحصل على دبلوم عال في المحاسبة سنة 1969  وكان من المؤمل ان يكمل تعليمه العالي في ما كان يسمى هيئة الانسانيات التي غدت فيما بعد كلية للآداب وانتسب الى قسم اللغة الانكليزية ودرس الادب الانكليزي لكنه لم يكمل المشوار لأسباب خارجة عن ارادته ،  وترك الدراسة الجامعية .

الشيء الملفت للنظر ان غانم العكيدي شغله الرزق ودخل الوظيفة الحكومية واكمل رسالته في تربية  اولاده وبناته وله اليوم طالبة في كلية الطب بجامعة الموصل وبعد ان ادى واجبه العائلي والابوي وجد ان الضرورة تقتضي ان يتفرغ لنفسه ولكتاباته ولرواياتها فعاد اليها وبدأت رحلة النشر  بعد تقاعده وهكذا فالتقاعد هو البداية للحياة الحقيقية عندي وعنده ومنذ سنوات سبع  وهو لايكل ولايمل ينشر ويلقي المحاضرات ويحضر الاصبوحات والامسيات الثقافية ويسهم في تقديم اعماله لنيل الجوائز كما هو الحال مع جائزة كتارا  وقد حظيت أعماله بإهتمام  عدد من الصحفيين والنقاد والمؤرخين والمهتمين وظهرت العديد من الكتاباتا عنه ورقيا والكترونيا واختيرت رواياته لتكون رسائل تخرج وموضوعات لنيل الرسائل الجامعية ومن واجبنا ان نضع هذا الروائي الكبير في مكانته التي يستحقها بين كتاب الرواية في العراق والوطن العربي وان  نخضع اعماله للنقد  خدمة للحركة الثقافية في عراقنا الناهض .اريد ان اقول لابل اريد ان اذيع سرا وهو ان الاستاذ غانم العكيدي والذي كتب العديد من المقالات والقصص في الصحف والمجلات وكان له عمود في جريدة ( الجريدة ) بعنوان ( كلام في الهواء ) كان مثلي ومعي عضوا في ( الحركة الاشتراكية العربية ) والتي كانت تنظيما عروبيا قوميا يساريا له الكثير من النشاطات في الستينات من القرن الماضي وهذه الحركة كانت تجمع بين الاهتمام بالقضية السياسية والقضية الاجتماعية والاقتصادية ليس للعراق بل وللوطن العربي كله ولست هنا   في مجال التوثيق لهذه الحركة التي تعرضت للاعتقال سنة 1969  بسبب انتمائي لها.أعتذر ، عن قلة حيلتي ، في عدم تناول كل الروائيين الموصليين ؛  فالوقت ، والجهد ،  يقفـــــــــان عائقين أمامي ، مع انني كتبت عن بعضهم ، وأردت فقط  أن اكتب  مقالا مكثفا عن تاريخ السرد العــــــراقي في الموصــــل ،  وارجو ان اكون قد وفقت في سرد ما يمكنني سرده عــــــــــــن تاريـخ ومراحل السرد العراقي في الموصل وممثليه .

{ كاتب ومؤرخ عراقي