رمزيّة إنهيار أبراج مركز التجارة العالمي
معتصم السنوي
توصل فلاسفة العصر الحديث من خلال تنقيبهم عن جذور الإرهاب معزوة تارة إلى أصول (دينية) وأخرى إلى طبيعة (بيئة) جغرافية أو عرقية، بينما ينعطف (جان بودريار 1929-2007) في مؤلفه الفكر الجذري nأطروحة موت الواقع- مخالفاً أسلوب ومسار الفلاسفة الآخرين، معطياً تفسيراً جديداً لظهور الإرهاب وتفاقمه كظاهرة معاصرة، فليس الإرهاب الراهن (حفيد) تاريخ تقليدي للفوضى وللعدمية وللتعصب، أنه معاصر للعولمة، ولكي نحيط بسماته يجب القيام من جديد بتأصيل وجيز لهذه (العولمة) في علاقاتها مع العام والخاص، فالإرهاب هو (صنيعة) العولمة أو النظام العالمي الذي أخذ يحمل رسالة الإقصاء والأخصاء للمخالفين، لذلك يمثل الإرهاب لدى (بودريار) قوة مضادة حيوية في حالة خصوصة مع قوة الموت في النظام، قوة تحدٍ للعولمة منحلة كلياً في التداول والتبادل. قوة تحدٍ للعولمة منحلة كلياً في التداول والتبادل. قوة ذات فرادة لا تقهر..! تكون أشد عنفاً كلما بسط النظام هيمنته – حتى مجيء حدث الانقطاع على غرار حدث الحادي عشر من أيلول 2001، والذي لا ينهي هذا التضاد، بل يكسبه على الفور بعداً رمزياً، يبحث (بودريار) عن ما وراء الحدث، ما وراء الأعمال الإرهابية، كيف لها أن تشكل ردعاً لقوة عظمى؟ ويفرض لذلك فرضية تتيح فسحة من (الباتافيزياء) كما يسميها وهي إمكانية (التخيل) للخروج من قسر الحقيقة وقصرها بما يصطنع لنا، فيقول: إن أنهيار الأبراج يمثل الحدث الرمزي الأكبر. تخيل أن هذه الأبراج لم تسقط، أو أن أحد البرجين تهاوى: التأثير لن يكون ذاته على الإطلاق، البرهان الدافع لهشاشة القوة العالمية لن يكون نفسه، فالأبراج التي كانت رمز هذه القوة ما زالت تجسدها في نهايتها الكارثية، التي تشبه الانتحار، حين تراءت وهي تتهاوى بذاتها، كان ثمة أنطباع وكأنها تنتحر رداً على أنتحار الطائرات المنتحرة. (جان بودريار وأدغار موران- عنف العالم)2006 مركز الإنماء القومي بيروت).. هكذا يظهر الحدث رمزاً قبل الواقع، كما في استعارته لوضع خريطة للإمبراطورية على كل بقعة من بقع وأشبار أرضها وحينما تنتهي سلطة تلك الإمبراطورية تبدأ الجغرافية بالتغير تبعاً لتغير رمز الخريطة! لذلك فأن أنهيار البرجين في العمل الإرهابي للحادي عشر من أيلول هو أنهيار رمزي وهو الذي أدى إلى الأنهيار المادي لهما، وليس العكس، كما لو أن القوة التي كانت تعطي معنى لقيامها قد فقدت فجأة كل طاقتها وكل رونقها وقدرتها على الصمود! (جان بودريار وآخرون- ذهنية الإرهاب- لماذا يقاتلون بموتهم) لذلك فالإرهاب لدى (بودريار) لا يخلق أو يبتكر جديداً تجاه العلاقات مع النظام العولمي، أنه يدفع الأمور إلى حدها الأقصى وإلى ذروتها ويفاقم حال الأمور ليوصلها إلى وضع من العنف والارتياب، فهو يدفع بالأمور نحو الحد الأقصى حد التلاشي والتفاهة، لأن كل مضاعفة أو تعميم أو انتقال إلى الحد الأقصى للأشياء يجعلها تبدو على تفاهتها، ويحاول الإرهابيون أن يقدموا (رمزاً) لموت القوة العظمى إن وجدت تلك القوة حقيقية، فالقوة هي الأخرى لدى (بودريار) تعبر عن واقع مفرط من التصنع والتظاهر، لأنها أختفت بدلاً من أن تكون حضوراً ومهيمنة في الواقع ولهذا يعتقد (بودريار): أن السياسيين العظماء هم الذين يعرفون إن القوة لم تعد موجودة، وأنه لا يوجد شيء عدا الاعتبارات المصطنعة لها، وأن ما يفعله النظام من خلل في زيادة القوى وميزانها لصالحه سيجعله يحفر قبره بيده لأن التصعيد في قوة القوة يثير إرادة تحطميها. هنا تحول الرمز لأداة إرهابية، لأن الأعمال الإرهابية هي مرآة تعكس، وبالتضخيم، ما يُعّنه النظام، وهي نموذج لعنف رمزي يصعب ردعه، بل ويعكس بمرآوتيه موت ذلك النظام على الواقع عبر عمليات الانتحار والقتل والتدمير الضدي، وأن كل إعلانات الردع التي يحكيها السياسيون، في مناسبات ذات علاقة، تبدو وكأنها عاجزة، إلا أنها مفيدة في تسويغ التسلح والعنف والحرب… إن العنف الذي نشهده اليوم هو العنف الرمزي والمادي العولمي، هو ضد العنف الرمزي والمادي العولمي، هو ضد عنف العالمي الذي هو: عنف يلاحق كل شكل من أشكال السلبية والخصوصية، بما في ذلك هذا الشكل الأقصى من الخصوصية الذي هو الموت نفسه!… عنف يضع نهاية بمعنى ما للعنف نفسه، ويعمل لإقامة عالم متحرر من كل نظام طبيعي، سواء أكان نظام الجسد، أم الجنس، أم الولادة ام الموت، أكثر من العنف يجب أن نتحدث عن الفتك. فهذا العنف جرثومي، أنه يعمل بالعدوى، برد فعل متسلسل، وهو يهدم كل حصاناتنا وقدرتنا على المقاومة (جان بودريار وأدغار موران، عنف العالم- مجلة الفكر العربي المعاصر- العدد 134-135-2006) والعنف الرمزي هو الإمكان المتاح ضده، أنه العنف الذي يصنع التميز..! يمثل (بودريار) باستعارة (بورخيس)، (شعوب المرآة) ليصف بها العلاقة بين النظام العولمي والشعوب الضد له، فهي تحكي ففي الشعوب المهزومة إلى ما وراء المرايا والتي يجب عليها في الجانب الآخر من المرآة أن تعكس صورة المنتصرين، ولكن ذات يوم يتناقص الشبه أقل فأقل بالمنتصرين، وفي نهاية المطاف يكسر هؤلاء المنفيون المرايا ويشنون هجوماً على إمبراطورية المنتصرين، ويريد (بودريار) بذلك أن بوصل رسالة مفادها أن (الإرهاب هو صنيعة العولمة والنظام الاقصائي العالمي)، وعلى العالمي أن يقبل برد الفعل الذي جاء على رسالتهم..! ويميز (بودريار) بين العولمي أو العالمي وبين الكوني وما يحمله من دلائل إيجابية، فهنالك فرق بين مفهومي العالمي (Mondial) والكوني (Universal) كما إن هناك تشابهاً خادعاً فيما بينهما، فالكونية هي ما يخص حقوق الإنسان والحريات والثقافة والديمقراطية، أما العولمة فهي ما يخص التكنولوجيا والاقتصاد والإعلام والسياحة، وتبدو العولمة ذات اتجاه قسري، لا خلاص منه مع حالنا اليوم، بينما تبدو الكونية في طريقها إلى النهاية والتلاشي، (جان بودريار وآخرون، ذهنيته الإرهاب، لماذا يقاتلون بموتهم؟). هكذا يبدو (العولمي) بوصفه الجانب السلبي الذي يمثل (الشمولية التقنية)، و(الكوني) هو البعد الإنساني أو الإنسان الكوني بمشاريعه اللاخلاقسياسية..! أن هشاشة النظام العالمي وخوائه هي ما تصنع قوة العمل الإرهابي، لأن الشمولي الغربي يحمل هشاشة داخلية وهو بتمركزه عالياً يمثل شبكة واحدة عالمية، وهو بهذه الصورة يزداد تعرضاً للمخاطر، فمن نقطة واحدة يمكن توجيه الضربة إليه وقد تتسبب بإنهياره. لذلك وجدنا تماديات الإرهاب تنفتح حد الانفجار والحدث الأساسي (اليوم) هو إن الإرهابيين قد كفّوا عن الانتحار سدى- وهو إنهم (يراهنون) بموتهم الخاص على نحو هجومي وفاعل، وفق حدس استراتيجي، هو وببساطة، الحدس هشاشة الخصم الهائلة، وهشاشة نظام بلغ شبه كماله، وهو لذلك معرض للأذى من أي شرارة..! هذا لا حصر والتضيق الذي يقوم به الإرهاب ما يقوم به العالمي من حصر وخنق مقابل تتحول المعادلات التاريخية بمجملها، ويبدو وكأننا أمام أنقلاب في جدلية السيد والعبد فالغرب القوي الذي بات متصوراً نفسه في منأى عن الموت بسبب الفعاليات الأمنية والترسانات العسكرية، أصبح يحتل الموقع الذي كان يحتله العبد، بينما الطرف الضد له ولاسيما الإرهاب والذي يتمتع بحرية التصرف بموته رجاله، وليس بقاؤهم بات هو اليوم من يحتل، رمزياً، موقع السيد، ويخلص (بودريار) إلى نتيجة مفادها أن العمل الإرهابي هو دائماً موجه باتجاه أنظمة (العولمة الاقصائية، والنظام العالمي اليوم يخوض صراعات مع القوى المضادة المنتشرة حينما كان في (قلب النظام العالمي) نفسه، وحرب كسرية لكل الخلايا، لكل الخصوصيات التي تتمرد في هيئة أجسام ضدية..! فلو كان الإسلام مسيطراً على العالم لنشط الإرهاب ضد الإسلام. هكذا يتبدى لنا فهم جديد للمنتج الصوري الإعلامي أنه الزيف بإمتياز، أنه الخديعة الدائمة، أنه أداة العالمي للعنف المضاد، بل والعنف الأصل كذلك..! من دراسات بعض النقاد ومن خلال قراءتهم للأفكار التي توصل إليها (بودريار).. أن هنالك مسكوت عنه في إظهاره لنا المعادلة طبيعة بشكلها، الجدلي (التلازمي)، ما بين الإرهاب والعولمة، كأنما هنالك دوافع خفية تفرض نفسها عليه ليعيد الموازنة لحياتنا لذلك تجده يتيح الفرصة لتحطيم أي نظام يخل بالتوازن الكوني..! هكذا يوحي لنا (بودريار) في مقابلته للإرهاب بالعولمة، وهذا تناقض مع ما وصفه (بودريار) بضياع الحقيقة وهيمنة الزيف، بالتالي ضياع المعنى، إن حضور المعنى يستلزم فعل (اللوغوس) وغيابه يعني نفي الغائية.
إنها محاولات في الخلاص، هكذا تبدو استراتيجيات (بودريار) إلا أنها تحمل في طياتها الكثير من الإشكالات فهو قد يطلب منا في أكثر من مرة الأنصياع لما يجب الانفكاك منه والتحرر من كبته لأفعالنا الحرة والإنسانية، وهو قد يسوغ في مضامينه الكثير من أعمال العنف وأن كان يركز في أكثر من مرة على الرمزي منها دونما الفعلي.


















