رفع السعر الرسمي للغاز وتضاعف قيمة الوجبات والسكر والشاي
جنون الأسعار يثير قلق السوريين وتراجع صرف الليرة يضغط علي السوق
دمشق ـــ منذر الشوفي
بات ارتفاع الأسعار في سوريا لا سيما المواد الغذائية مصدر قلق للمواطنين السوريين الذين اصبحت أجورهم لا تغطي نسبة الزيادة الكبيرة التي حدثت، وسط عجز الحكومة السورية عن اتخاذ إجراءات تحد من جنون الأسعار في ظل الازمة التي تعيشها منذ مارس من العام الماضي.
وليس من باب المبالغة ان قلنا ان غلاء الاسعار وما تشهده من تحليق عالي، بات حديث الناس في مجالسهم وامكان عملهم، وعلي رأي احد المواطنين السوريين اصبح الغلاء “مالئ الدنيا وشاغل الناس”، وبجولة في احد الاسواق يستطيع المرء ان يستشف هذا الارتفاع الذي شكل قلق لدي شريحة واسعة من ذوي الدخل المحدود في سوريا.
واعرب بعض المواطنين السوريين عن خشيتهم من فقدان بعض الاصناف والسلع بسبب الاحتكار الذي يقوم به بعض تجار الجملة بهدف رفع اسعارها اولا، وتشكيل ازمة بسبب كثرة الطلب عليها وقلة العرض.
ولم يمض وقتاً علي رفع الحكومة السورية لأسعار الغاز حتي عبّر السوريين عن مخاوفهم من ارتفاع عام بالأسعار، وهو ما بدأت ملامحه تظهر علي أرض الواقع من خلال الارتفاع الملحوظ في أسعار الوجبات الجاهزة، حيث أكدت مجموعة من المواطنين أن أسعار تلك الوجبات ارتفعت ما بين 50 إلي 100 ليرة سورية »الدولار الواحد يساوي 58 ليرة رسميا« للوجبة الواحد، لافتين إلي أن حجم الغلاء يتباين من وجبة إلي أخري بحسب المكونات الداخلة فيها. وقامت الحكومة السورية مؤخرا بزيادة سعر اسطوانة الغاز من 250 ليرة الي 420 ليرة بزيادة 60 بالمائة في سعرها الامر الذي شكل مناخا مناسبا لبعض المهن في رفع اسعار بعض الاطعم والمواد التي تعمل علي هذه المادة.
وأشار محمد يوسف الصالح أحد سكان مدينة دمشق لوكالة »شينخوا «بدشق« أن ارتفاعاً طرأ علي أسعار بعض المواد التي تعتمد في إنتاجها علي الغاز كخبز الصاج، إلي جانب ارتفاع العديد من السلع والخدمات الغذائية وغير الغذائية كتعرفة النقل لسيارات “التاكسي” وسعر السكر الذي زاد 25 ليرة سورية تقريباً، مضيفاً “كل ذلك يبرر تحت عنوان ارتفاع أسعار الغاز”. ومن جانبه عبر المواطن عبد الباسط حميدان عن قلقه العميق من ارتفاع الاسعار في الاسواق السورية، قائلا باللهجة المحلية ” الاسعار والاعمار بيد الله، والحكومة السورية نائمة، لا تقوم بأي جهد للحد من ارتفاع الاسعار ” التي وصفها بأنها “جنونية ” وأوضح حميدان لـ »الزمان« أن ارتفاع أسعار الغاز بشكلٍ مفاجئ وبعد أزمة طويلة مر بها، أعطي فرصة ثمينة لأصحاب النفوس الضعيف لرفع الأسعار بشكلٍ مبرر أو غير مبرر، مشيراً إلي أن أسعار الكثير من المواد في السوق السورية ارتفعت خلال اليومين الماضيين كالبندورة والدجاج والكثير من الخضروات والفاكهة التي تشهد بالأصل غلاء غير مسبوق. إلي جانب ذلك أشار أبو محمود علوان صاحب أحد متاجر المواد المستوردة إلي أن ارتفاع الأسعار الحاصل في السوق لم يكن نتيجة لارتفاع أسعار الغاز فقط، وإنما بسبب تذبذب سعر صرف الليرة أمام الدولار، مضيفاً “الكثير من السلع المستوردة كالأواني الزجاجية والكهربائية وبعض المواد الغذائية المستوردة كالشاي والسكر ارتفعت بقيمة 25 ليرة سورية كلاً بحسب الوحدة الوزنية التي يقاس بها”.
وتابع علوان يقول لـ »الزمان« “في حال استمر التذبذب في أسعار العملات الأجنبية أمام الليرة السورية علي هذه الشاكلة، فإن الأسعار في السوق السورية ستبقي غير مستقرة ومهددة بالارتفاع في أي لحظة علي اعتبار أن المستورد يدفع ثمن بضائعه بالعملات الأجنبية خاصةً الدولار”، لافتاً إلي إمكانية أن يصل ارتفاع الأسعار إلي السيارات وغيرها من السلع المستوردة. تواصلت مفاعيل وتداعيات موجة الغلاء الجديدة خلال الأسبوع الماضي ويمكن القول إنه لم تسلم منها إلا القليل من المواد فالأسعار واصلت ارتفاعها بجنون خاصة بالنسبة للسلع المستوردة أو تلك المنتجة محلياً والداخل في صناعتها مواد أولية مستوردة أو يتم تصنيعها بترخيص من شركات عالمية مثل المنظفات والمحارم.
وعلي سبيل المثال بعد أن تراجع مبيع كغ السكر خلال الشهر الماضي بالجملة إلي 46 ــ 48 ليرة قفزت أسعاره من جديد ليباع بالجملة يوم الخميس الماضي بـ 58 ليرة، لبياع في محلات المفرق مابين 60 و65 ليرة سورية، كما ارتفعت أسعار مادة الرز بالجملة بنحو 10 ليرات أيضاً لبعض الأنواع.
أما في الأسباب فنجد الجميع يتحدث عن تراجع سعر صرف الليرة أمام العملات الأجنبية وما تتعرض له من ضغوط كبيرة ويضاف إلي هذا السبب عامل آخر يتمثل أحياناً بجشع بعض التجار ومحاولتهم جني أكبر قدر ممكن من الأرباح مستغلين الظروف الصعبة التي تمر بها البلاد فيمارسون الابتزاز والاحتكار وفرض الأسعار التي ترضيهم علي حساب لقمة ومعيشة الناس الفقراء.
ومن جانبه رأي الخبير الاقتصادي معذي هناوي أن ارتفاع الأسعار ناجم عن انفلاتها من قبضة الحكومة، مرجعا ذلك إلي غياب الرقابة عن الأسواق.
وأشار المحلل الاقتصادي لـ »الزمان« إلي أن إجراءات وزارة الاقتصاد في كبح الأسعار لم تجد نفعا في ظل زيادة الطلب وقلة المعروض.
ومن جانبه عزا الاعلامي السوري المتخصص بالشأن الاقتصادي تامر قرطوط سبب ارتفاع الاسعار الي سببين الاول الازمة التي تعيشها سوريا منذ 11 شهرا، والثاني تدني سعر الليرة السورية امام العملات الاجنبية وخاصة الدولار حيث قفز من 47 ليرة الي 58 في السعر النظامي، وفي السوق السوداء من 71 ليرة الي 74.
وقال الاعلامي قرطوط لـ »الزمان« ان اسعار السلع في السوق العالمية ثابتة الي حد ما، لكن انخفاض سعر الليرة هو الذي ساهم في ارتفاع بعض السلع اضافة الي وجود تجار لا يلتزمون بالاسعار التي حددتها الحكومة السورية، موضحا ان التجار سابقا كانوا يشترون موادهم وسلعهم بالتقسيط من الخارج او علي شكل دفعات، اما الان فالشركات لا تقبل الا بدفع المبلغ كاملا، بسبب العقوبات وعدم وجود شركات وسيطة وايقاف التحويلات المصرفية عبر البنوك.
وفرضت الدول العربية وسبقها في ذلك دول الاتحاد الاوربي وامريكا عقوبات اقتصادية علي بعض بعض الشركات والبنوك في سوريا، وجمدت ارصدة بعض رجال الاعمال والشخصيات المسؤولة في الحكومة السورية، بسبب ما استخدام سوريا العنف ضد المتحتجين.
وبين الاعلامي الاقتصادي ان نسبة ارتفاع الاسعار في سوريا وصلت الي نسبة 50 بالمائة علي مختلف السلع والمواد في الاسواق السورية، مشيرا الي ان غياب الرقابة من قبل الحكومة، وقيام بعض التجار باستغلال الازمة ورفع الاسعار كما يحلو لهم نتيجة لهذا الغياب لدور الدولة. واعتبر قرطوط ان الاسواق في سوريا تعيش اليوم “حالة عدوي ارتفاع الاسعار”، مشيرا الي ان بعض السلع التي تنتج محليا ارتفعت بسبب ارتفاع اجور اليد العاملة وارتفاع كلف نقلها من المحافظات لتدهور الاوضاع الامنية فيها، خطورة الطريق، كمحافظات درعا، وحمص وحماة وادلب وحلب كمادة البيض، واللحوم، والالبسة التي تصنع محليا. وكانت الحكومة تبيع المواد الغذائية الأساسية في مؤسسات تابعة لها بأسعار مدعومة إلا أن السير في اقتصاد السوق الاجتماعي حد من تلك الظاهرة، وبدأت تبيع فقط السكر والأرز مدعومين بفارق سعر عن السوق يتراوح بين 200 و300%.
وأكد رئيس جمعية حماية المستهلك عدنان دخاخني في تصريحات صحيفة سابقة نشرتها صحف محلية سورية أنه عندما أصبح التمويل خاصاً من قبل المستورد أصبح يشتري القطع الأجنبي من السوق السوداء والفارق ما بين السعر الرسمي للدولة الخاص بالدولار وسعره في السوق السوداء الذي يزيد علي 60 ليرة سورية أدي إلي ارتفاع أسعار السلع إلي أكثر من 20%، وأيضاً إلي إنخفاض راتب الموظف بحدود 25% من قيمته.
وفي السياق ذاته شهدت حركة الأسواق خلال الأسبوع الماضي إرتفاعاً في أسعار بعض السلع وخاصة المستورد منها في مقابل ثبات أحياناً وإنخفاض أحياناً أخري لأسعار السلع المحلية إذ شهد سعر كيلو الفروج ارتفاعاً بحدود 10 ليرات تبعاً لإرتفاع سعر طن الأعلاف خارجياً كما يقول أصحاب المحال، كما ارتفع سعر صحن البيض إلي 260 بدلا من 170 ليرة.
وبينت السيدة رضية الهندي من سكان محافظة السويداء جنوب سوريا لـ »الزمان« ان الاسعار لم تعد تناسب ذوي الدخل المحدود، مشيرة الي انها قامت بزراعة بعض الخضروات في حديقة امام منزلها لتتحاش ارتفاع الاسعار، مؤكدة ان المئتين ليرة سوريا »أي ما يعادل دولارين ونصف « كانت تشتري لي طبخة اليوم من خضار اما اليوم فاحتاج الي 400 ليرة، علما ان راتب زوجي التقاعدي منخفض امام ارتفاع الاسعار الحالية.
كما طال الغلاء أيضاً أسعار الحشائش والأسماك، والمنظفات بأنواعها والدخان، والمتة التي عادت مادة شبه مفقودة من الأسواق.فيما لا تزال مشكلة انطفاءات الكهرباء وانقطاعها لساعات طويلة تشكل معاناة كبيرة للمواطنين لجأ البعض إلي البحث عن بدائل للحصول علي الطاقة الكهربائية، وذلك من خلال شراء المولدات الكهربائية الصغيرة والنيونات الشاحن ولمبات توفير الطاقة التي قفزت أسعارها في بعض الأحيان لأكثر من 100% فزادت أسعار اللمبات ذات الطاقة التوفيرية من سعر 160 ل.س إلي سعر 400 ل.س، في حين ارتفع سعر المولدة ذات استطاعة 1000 شمعة إلي 7000 ليرة سورية، بعد أن كانت قبل ثلاثة أشهر بـ 4000 ليرة سورية.
أخيراً وصل سعر غرام الذهب في الأسواق السورية عيار 21 إلي 3300 ليرة، ووصل سعر صرف الدولار في السوق السوداء إلي 73 ل. س، مقابل حدود الـ 57 ل. س وفقاً لنشرة المركزي سعر مبيع وشراء.
ويأمل السوريون ان تزال هذه “المحنة”، وتتمكن الحكومة من ممارسة رقابتها الاعتيادية علي السلع وصولا لتحقيق العدالة الاجتماعية، ونصرة الشريحة التي تعتاش من رزقها اليومي.
/2/2012 Issue 4122 – Date 14- Azzaman International Newspape
جريدة »الزمان« الدولية – العدد 4122 – التاريخ 14/2/2012
AZP02























