

حين يرحل الأخ الذي اخترناه… الشاعر هشام عبد الكريم وجع الصداقة وخلود الاثر

الموصل- هدير الجبوري
بعض الأصدقاء ليسوا عابرين في حياتنا، بل إخوة تمنحهم الأيام مكانة الدم، وحين يرحل واحدٌ منهم يكون الوجع مضاعفاً، كأن جزءاً من العائلة قد انكسر بصمت.
وكان الشاعر هشام عبد الكريم واحداً من هؤلاء، أخاً وصديقاً نبيلاً بحق.
عرفته منذ سنوات ليست بالطويلة، لكنها بدت وكأنها عمرٌ كامل، لأن الصداقة معه لم تكن تُقاس بالزمن، بل بالصدق والأثر. لم يتوانَ يوماً عن إثبات معنى الصداقة الحقيقية، وكان في كل موقف يذكّرنا أن الصداقة كنزٌ لا يفنى، وعطاءٌ لا ينتظر مقابلاً. حضوره كان صادقاً، وكلمته مطمئنة، وابتسامته تشبه وعداً دائماً بأنك لست وحدك. رحيله المفاجئ أوجعنا كثيراً، وكان صدمةً لم نتهيأ لها.
كيف لا نحزن وهو الذي كنا نشعر به واحداً من أهل البيت، قريباً إلى القلب حدَّ الألفة. كان الأخ الذي لا يخذل، والصديق الذي لا يبحث عن أعذار للغياب.
كلما دعونا إلى مجلسٍ أو زيارةٍ أو واجب، كان يهرع للحضور دون تردد، ودون حسابٍ للتعب أو الانشغال، حاضراً بروحه قبل جسده. كان أول الواصلين في مناسباتنا، يحمل معه واجب الأخوّة وهديةً لا تُقاس بقيمتها المادية، بل بما تحمله من معنى، لتبقى ذكرى لأوقاتٍ جميلة جمعتنا، لا نعلم اليوم كيف سنستعيد دفئها بعده.
أذكر آخر لقاءٍ أدبي جمعنا سوية، حين هممتُ بعد انتهائه بركوب سيارة أجرة للعودة، فلم يرتضِ أن أعود وحدي، وأصرّ على إيصالي بنفسه، رغم بُعد المسافة وزحام الطرق وفوضاها. لم أرَ على وجهه أيّ تذمّر أو ضيق، وظلّ مازحاً كما عهدته دائماً، كأن التعب لا يعرف طريقه إليه ما دام يفعل خيراً.
الشاعر هشام عبد الكريم لم يكن مجرد اسمٍ في الوسط الثقافي، بل مسيرةً مشرّفة، وأخلاقاً رفيعة، وعطاءً معرفياً صادقاً. لم يكن يوماً ضيفاً ثقيلاً في مجلسٍ أدبي أو ثقافي، بل كان يمنح المكان بهجةً بحضوره، ويكسر الرسميات بحديثه، ويثري الجلسات بمداخلاته وتعليقاته دون تكلّف أو ادّعاء.
الرحيل موجعٌ وقاسٍ، ولا لقاء بعده، لكن الشاعر هشام عبد الكريم سيبقى حيّاً في قلوب أصدقائه ومحبيه وزملائه، وسيبقى أثراً لا يُمحى، وذكراً لا يُنسى.
والأدب والشعر في نينوى لا يستطيعان أن يتخطياه، ولا أن يعبرا فوق مسيرته أبداً، لأنه صار جزءاً من ذاكرتها، ومن وجعها النبيل الذي نتعلّم منه معنى الوفاء.


















