رحلة مع بن بله

رحلة مع بن بله
هاني سليمان
بطل تحرير الجزائر، والراني لتحرير الامة العربية من مخلفات الاستعمار وما يستتبعها من مظاهر التخلف والفقر والاستبداد. مع رحيل أحمد بن بله . يحاول المرء استذكار محطات من علاقته بهذا الرجل وبتاريخه العظيم.
وهج ثورة الجزائر
كان ذلك سنة 1962 يوم استقلال الجزائر. كنا وأنا ابن الثانية عشرة، أقل من عشرة طلاب يافعين أمام المدرسة في بلدتي، أهتف وهم يرددون يا ديغول مالك عِنا خود جنودك وارحل عنا . كانت البلدة كغيرها في منطقة البقاع تتفاعل مع ثورة الجزائر تجمعاً وخطباً وتبرعاً بالمال وحلي النساء للثورة التي كانت مفاجأة العروبة لنفسها .
ثورة المليون ونصف المليون شهيد، تشع في دنيا العرب والعالم لتصبح مثلاً على كل شفة، ودرساً لكل مناضل يريد أن يرى بلاده حرَّة عزيزة.
سجين من أجل سجين
تتوالى الأيام فاذا بالثورة التي رفعت بن بله رئيساً للجزائر، تلتهم أبناءها واحداً تلو الاخر، واذا بالقائد الرئيس سجيناً على مدى أربعة عشر عاماً. وفي نهاية السبعينات أطلقت جريدة السفير حملة اعلامية تضامنية مع الرئيس بن بله تلقفها طلاب الجامعة اللبنانية. وفي احدى مناطق بيروت، حيث كنت أوزع بياناً باسم المنظمة الطلابية كفاح الطلبة يدعو للتضامن مع قائد ثورة الجزائر، اذا بمجموعة مسلحة آنذاك تعترضني، واذ بداعية تحرير بن بله من السجن يصبح سجيناً لعشرة ايام مجهول المكان والمصير.
زادتني هذه الحادثة ارتباطاً بهذا الرمز وبقضيته، وأنا لم أصافحه أو ألتقِِ به بعدُ. خرج بن بله من السجن الى منفاه في باريس، وذهبت أنا لاكمال الدراسة هناك. في تلك المرحلة أحاطني ذلك الرجل الكبير بالكثير من العناية والاهتمام والتوجيه. كان وقتاً ثميناً ان تَمضيَ معظم يومك مع هذه القامة الشامخة، التي تمثل أرقى قيم العطاء وأنبل صفات التضحية ونكران الذات.
حوار مع الذئب الناعم
قبل مناقشة اطروحة الدكتور التي أعددتها عن القواسم المشتركة في العادات والتقاليد في المجتمع العربي بعدة أيام، أبلغته أن اللجنة المشرفة على المناقشة تضم، اضافة الى رئيس اللجنة، رئيسَ الجامعة التي سجلت اطروحتي فيها، وأستاذاً يهودياً، وآخر أمازيغياً من الجزائر، متأثراً بالحملة الغربية الداعية الى التفرقة بين العرب والامازيغ مع العلم أن عدداً كبيراً من الامازيغ كانوا قادة في حركة تحرير الجزائر من الاستعمار الفرنسي وقادة في نهضة الجزائر بعد الاستقلال. لقد وقعَ الأمازيغي في فخ التفرقة فأصبح واحداً من دعاتها. بعد معرفة الرئيس بن بله بأسماء أعضاء اللجنة ابتسم قائلا هذه لن تسهل لك الطريق وستكون المناقشة أشبه بمعركة سياسية أكثر منها دفاعاً عن اطروحة أكاديمية، ويهمني ان أحضر المناقشة وان اكون الى جانبك. لقد تضمنت الاطروحة عباراتٍ عادةً ما نستعملها في أدبياتنا السياسية كعبارة الاستعمار الثقافي وعبارة المغرب العربي . رئيس اللجنة الفرنسي الجنسية توقف عند تعبير الاستعمار الثقافي فاعتبره تعبيراً سياسياً ضمن اطروحة حقوقية، لكنه وقع في فخ السياسة عندما قال تتهموننا بالاستعمار الثقافي ونحن نقدم لكم المعرفة وأنتم ترفضونها. أما العضو الثاني الأمازيغي فقد علق بدوره قائلاً من قال لك أن المغرب عربي.. هذه مسلمات عندكم لكنها مرفوضة عندنا، نحن نعتبر أن هناك استعماراً عربياً للمغرب.
أما العضو الثالث المنتمي الى الدين اليهودي فعلق قائلا انكم في جنوب لبنان تقتلون أبناءنا الجنود الذين يطاردون المخربين الفلسطينيين. كنت مأخوذاً ومدهوشاً بما قالوا، وتحول الدفاع عن الاطروحة الى دفاع عن القضية. وبين الحين والآخر كنت التفت الى الرئيس بن بله فأراه صامتاً متوتراً وكأن ثورة تعتمل في داخله.
بنهاية المناقشة طلب الرئيس بن بله الكلام وخاطب اللجنة قائلاً ان وجودنا في بلد الثقافة والديمقراطية هنا، يشجعنا أكثر فأكثر على الدفاع عن أرائنا، ان ما سمعته منكم يضاعف مسؤولياتنا لتوضيح موقفنا من قضايانا العادلة على قاعدة الحوار واحترام الرأي الآخر. وكما جمعتني بالرئيس بن بله علاقة خاصة، لدرجة أنه كان يعتبرني واحداً من عائلته وأهل بيته، فقد حرصت على التعرف على واحد من قادة الثورة الجزائرية الأمازيغي المناضل حسين أيت أحمد ، فكنت أزوره وأتناول واياه قضايا سياسية متنوعة.
نجاح غير متوقع
كنت أعرف أن بين الرجلين مسافة… وحتى جفاءً لم يصل حدّ القطعية، فلماذا لا ألعب دور الأخ الصغير الذي يجمع اخوته الكبار.
يــا لسخرية القدر، كيف تسير الايام… وكيف يدفع القهر في بلادي رجالاً قادوا ثورة ضد المحتل ليصبحوا لاجئين في بلد محتل.
لم أبادر الاّ بعد أن لمست من الرئيس بن بله شيئاً من عدم الممانعة. أحمد بن بله العربي الجزائري و حسين أيت أحمد الأمازيغي الجزائري، قطبا الثورة.. في باريس لا يلتقيان. لقد وحدتهما الرؤية حول مواجهة الاحتلال، وابعدتهما عن بعضهما في كيفية معالجة واقع الجزائر بعد الاستقلال . الرئيس بن بله المهجوس بفكرة العروبة الجامعة كَحلٍ لقضايا الامة ومنها الجزائر، و حسين أيت احمد الذي يعتبر أن الديمقراطية هي الحل السحري لمعضلة الجزائر.
كان واحدهما يكبرني بثلاثين سنة على الأقل، وكان امتيازي عليهما ربما صغر عمري تجاههما واني من مشرق العرب وبعيد عن مشاكل الجزائر. كان علي ان أجلس مع كل واحد منها على حدة لأنقل اليه مودة الآخر واحترامه لتاريخه، وأن البعد بينهما في الرؤية لا يحول دون بذل الجهد لتوحيدها، أو على الأقل لايجاد القواسم المشتركة بينهما.
لم تكن المهمة سهلة وبالمقابل لم تكن بالاستعصاء الذي لا يمكن تجاوزه. وكما يقال بعد جهد جهيد جرى الاتفاق على بيان مشترك تضمن مقدمة سياسية توليت صياغتها، تجمع بين العروبة والديمقراطية كحقيقتين متلازمتين، فيما توليا هما صياغة النص المتعلق بالجزائر. كانت مناسبة اللقاء غداء مشتركاً في احد مطاعم باريس المعروفة. لم يكن اللقاء سرياً، وهو لم يكن علنياً أيضاً، وبالصدفة يدخل الى المطعم الصديق العزيز الاستاذ طلال سلمان، والمحامي الدكتور حسن عواضة، ليتفاجئا وليباركا هذا الحدث الذي يفرح قلوب الجزائريين والعرب، فيلتفت اليَّ الاستاذ طلال بعد معرفته بمضمون البيان قائلاً لقد فعلتها يا هاني على طريقتنا العشائرية فأخذ كل طرف حقه دون زيادة أو نقصان.
الكهل يهتف كالشباب لفلسطين
كان من دواعي اعتزازي أن يزورني الرئيس في غرفتي الوحيدة في ضواحي باريس ليرتاح ويجاملني في بعض القضايا ويستفسر عن الأوضاع اللبنانية والفلسطينية التي كنت أتابعها، ولقد أصر الرئيس أن تحتضن تلك الغرفة، بالرغم من ضيق مساحتها وتواضع أثاثها الاجتماعات التحضيرية لمسيرات التضامن مع الشعب الفلسطيني والتنديد بالاعتداء الصهيوني على لبنان سنة 1982.
ابن السادسة والستين كان يقود المظاهرات ويهتف كالشباب تحيا فلسطين… لتنتهي المظاهرة بكلمة منه داعمة للمقاومة ومحفزَّة للشباب على الانخراط فيها.
الراجل اللي زهد بالحكم والملذات والزاهد اللي حكم ضد الهوى والذات. أحمد بن بله قست عليه حكومات بلاده كثيراً واضطهدته أكثر، وأصعب صنوف الاضطهاد تلك المحاولات الرامية الى جعله نسياً منسياً من ذاكرة الجزائر وتاريخها الحديث. فجاء تشييعه اشعاعاً لافكاره التي ناضل من أجلها.
دارة الراحل الكبير في الجزائر العاصمة هي كشخصيته الفذة فسيحة وبسيطة، ذكرتني بدارة الرئيس اليمني الراحل في مدينة تعز عبدالله السلال رحمة الله عليه، الدار البسيطة التي تعتز بانتمائها الى روح الضيعة، وبمنزل الزعيم الخالد جمال عبد الناصر، دارة متواضعة تدخل اليها من باب كبير لتلفي نفسك في فناء اكبر يتسع لأفكارك ومخيلتك عن قصور الحكام المنهوبة من أموال الدولة والشعب، والمشيدة فوق تعب الكادحين وأوجاعهم.
من منزل بن بله الى مدفنه… جموع كبيرة، نزلت الى الشوارع تحت المطر. رجال كبار يبكون، ونسوة يزغردن في تقليد جزائري عريق يعلن زفة العريس الى الجنة، وأطفال فضوليون سمعوا عن بطولة ومظلومية القائد ولم تسنح لهم الفرصة لرؤيته، وقادة ومناضلون من المغرب العربي.
قفلنا عائدين الى منزل الرئيس وفي ذلك المنزل كان الصمت أبلغ من الكلام.
/4/2012 Issue 4179 – Date 21 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4179 التاريخ 21»4»2012
AZP07